رقطاء الرمال المتحركة: السعودية وصناعة الإرهاب

إنّ مجانبة الموضوعية في إستقراء مفهوم الإرهاب وتحديد مدلولاته تكمن في إخفاق إدراك البنية التحتية للإرهاب ومقوماته الفكرية والسياسية والعسكرية دون رصد النتوءات الّتي أينعت في كنفها إرهاصات هذا الإرهاب وتداعياته، إذ تستطيع القوى المتضررة من الإرهاب متى عزمت على مواجهته تحقيق إنجازات عسكرية مهمّة وتجفيف مصادر تمويله وقطع إمداداته واغتيال رموزه وقادته واعتقال عناصره وكوادره، لكن كل هذا الثقل الميداني لن يرجّح كفّة ميزان الإنتصار على الإرهاب مالم تحتسب المعادلة بالثنائية الّتي تحكمها، فالإرهاب قبل أن يكون تجنيد وتدريب وتخطيط وتسليح هو فكرة محفّزة وعقيدة مشجعة لا تقل بأهميتها عن عناصر الإرهاب المادية وتكتيكاته، إذ لا تشكّل آليات الإرهاب وعناصره المادية سوى اليد التنفيذية لقوّة دافعة كونّت النواة الحقيقية لبزوغ الإرهاب وانتشاره، لأنّ فجر الإرهاب لم يبزغ من عتمة الفراغ ولم ينمو من جدب العدم ولأنّ الإرهابيين لم يصبحوا إرهابيين حتّى برمجت عقولهم على نمط معين من التفكير رسّخ في أذهانهم فكرة القيام بأعمال إرهابية ولقّحت أفكارهم بعقائد أباحت لهم تجريد خصومهم من وجودهم وحرمانهم من حقّهم الطبيعي في الحياة، فترسّخت لديهم قناعة بأنّهم ينطقون بالحقيقة المطلقة ويمسكون بعنان الإيمان الخالص الّذي لا يكتمل إلاّ بتطهير البشرية من الشرك والوثنية، فكان قدرهم الشهادة ومصير الآخرين الموت المحتوم – كما يزعمون –.

إنّ الإسلام الوهّابي الّذي أرساه محمّد إبن عبد الوهّاب أواسط القرن الثامن عشر في الجزيرة العربية مثّل تأويلاً متزمتاً ومتعصباً للإسلام على نحو راديكالي خاص وشكّل في أبعاده انحرافاً جذرياً وعنيفاً عن التقليد الإسلامي الّذي ساد طوال تاريخ الإسلام، بحيث أضحت الوهّابية هي المصدر الديني والأيديولوجي لموجة الإرهاب العالمي من أندونيسيا إلى جاكارتا ومن روسيا إلى اليمن وأصبحت هذه المدرسة هي المنهل الّذي ترتشف منه كل التنظيمات الشاذة في رحلتها الدموية من المسجد إلى الإنتحار إذ تختصر الأدبيات الّتي عبّر عنها قادة الجماعات الإرهابية بتحديدها المؤهّلات الضرورية لكل عضو يرغب في الإندماج بجماعته رحلة البحث المضنية عن دور الوهابيّة المؤثّر والفاعل في صناعة الإرهاب وأدواته، ولسنا نحتاج في رحلة رصد الوهابية بوصفها عقيدة دموية إلى النظر أبعد من تجلياتها الحيوية نفسها، إذ يوجز لنا أي كتيب يتزوّد منه ناشئة القاعدة أو طالبان أو داعش الشروط الأولية لقبول العضوية في جسدها التنظيمي وأولى هذه الشروط هي الإعتقاد بالأيديولوجية الوهّابية.

لقد اعترف كبار علماء المملكة العربية السعودية الشيخ عبد العزيز الجربوع صراحةً بفضل الوهابية على التنظيمات الإرهابية بقوله: « إنّ أسامة بن لادن هو استمرار طبيعي لمحمّد إبن عبد الوهّاب »٧٣.

وفي الواقع فإنّ الحقيقة الّتي تجلّت على صفائح التاريخ الأسود لأكثر الأيديولوجيات فذاذة في كراهيتها وحقدها لا تحتاج إلى اعتراف من هذا الجربوع، إلاّ أنّ أهمية اعترافه تكمن في أنّها صادرة عن أحد أعتى طفيليات الفكر الوهابي في المملكة السعودية والّذي أكّد فيها المؤكّد بأنّ نسخة الإسلام المؤدلج في السعودية هي الّتي خلقت الوسط الّذي انبثق منه أسامة بن لادن ونظرائه الإرهابيين.

كذلك صرّح زكريا الموساوي الإرهابي المعتقل على خلفية هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 « أنّ الوهابية ألهمت أفعاله المتطرفة ».

ويتابع الموساوي تصريحاته بالقول « برمجت عقلية كل واحد منّا عند الإلتحاق بالمدرسة أثناء الطفولة لتعتقد… أنّ كل من ليس مسلماً عدو… وأنّ الغرب يعني الضعف والفسق وغياب القيم، وكل من يفلت من هذه البرمجة في المدرسة يصطدم بها في المسجد أو عبر وسائل الإعلام أو من الوعّاظ القابضين ثمن هذه الفتاوى »٧٤.

ويبدو من خلال هذه التصاريح أنّ الجماعات الإرهابية ليست في الواقع سوى نتاجاً خالصاً لتعاليم الوهابيّة وامتداداً طبيعياً لثقافتها الديماغوجية بحيث صاغ هذا الشكل الراديكالي من الإسلام جملة من المفاهيم البدائية جعلت من سماحة الدّين الإسلامي أيديولوجية عنف وكراهية أطفأت نور الإيمان في القلوب واستحالت عتمة حالكة تبذر في بيادر الجاهلية بذور الإرهاب التكفيري، وهكذا أضحى إسلام هذا الفكر يعكس أفكاراً جامدة منطوية في دائرة من التعصب الأعمى اتجاه كل من يغايرها في الرأي أو المذهب أو الدّين.

هذه الأيديولوجية الميثولوجية الحاقدة الّتي انبثقت من عتمة الفكر الظلامي في جدب الصحراء السعودية هي الّتي شرعنت إضفاء مشروعية القضاء على كل أتباع الديانات الأخرى بوصفهم مشركين، وهي الّتي أباحت استئصال رموز الحضارات المغايرة بوصفها وثنية بدءاً بتدمير الوهابيين مدينة كربلاء سنة 1802م ومروراً بتدمير حركة طالبان التماثيل البوذية في وادي باميان بأفغانستان سنة 2001 وليس انتهاءً بتدمير داعش مدينة تدمر الأثرية في سوريا، إنّها رحلة القضاء على تاريخ الشعوب وحضاراتها وثقافاتها من محمّد إبن عبد الوهّاب إلى أبي بكر البغدادي لأنّ الإعتقاد الّذي ترسّخ في الذهنية الوهّابية الحاقدة أنّ المسيحيين واليهود والمسلمين الآخرين هم كفّار، فمن الجائز بمقتضى هذا الفقه الوهّابي هدم معاقلهم وحرقهم وسبيهم وانتهاك أعراضهم وأموالهم ومقدّساتهم.

وبالفعل جسّدت علاقة التنظيمات الإرهابية مع رجال الدّين الوهّابيين نموذجاً ناصعاً لكيفية تطبيق ما ترنو إليه شرعيتهم، وعكست هذه التنظيمات قوّة التأثير الهائلة للوهّابية في داخلها وأكّدت من خلال ممارساتها الميدانية أنّها تمثّل حد الوهابية القاطع وأنّها الترجمة العملية لأفكار واجتهادات وهابيّة متطرفة، ومن هذه الإجتهادات مقالة للشيخ عبد العزيز إبن باز مفتي المملكة العربية السعودية بحيث كتب مفسّراً: « قد دلّ الكتاب والسنّة وإجماع المسلمين أنّه يجب على المسلمين أن يعادوا الكافرين من اليهود والنصارى وسائر المشركين » وأضاف سماحته « أنّ آيات كثيرة تدل على وجوب مواصلة العداء لهم حتّى يؤمنوا بالله وحده »٧٥.

ومن سمات هذه الكتابات الّتي تصدر عن أعلى سلطة دينية في المملكة السعودية أنّها تضفي شرعية مطلقة على ممارسات الإرهابيين بوصفها الوسيلة الأنجع لنشر الإسلام وتطبيق الشريعة.

وفي نهاية المطاف كان التكفير عقيدة من عقائد الوهّابية المركزية الّتي استهدفت تكفير كل من لا يدين لها بالولاء حتّى من المسلمين الّذين ينطقون بالشهادتين، فقد عرّف إبن عبد الوهّاب الكفر بأنّه « من عرف دين الرسول وظلّ واقفاً ضده ويمنع الآخرين من اعتناقه ويظهر العداء لمن يتبع دينه»٧٦، بحيث أسبغ هذا التعريف كل حروب الوهّابية بصبغة الحروب المقدّسة.

ولإنصاف الحقيقة وعدم مجانبتها لا يمكن أن نلقي على كاهل الوهابية كل تجليات الإرهاب وتداعياته، فثمّة عامل مهم آخر هو الإستثمار السعودي في الفكر الإرهابي الّذي امتطاه بدايةً محمّد إبن سعود لإضفاء مسحة دينية على فتوحاته وغزواته الّتي عزّزها بفريضة الجهاد، ودأب أبناء إبن سعود في الدولة السعودية الثانية والثالثة على الحرث في نفس الحقل حتّى بلغ الإرهاب أوجه في العقد الحديث، وأضحت مملكة آل سعود هي مفتاح الإرهاب العالمي الجديد لأنّها لم تنتج الأيديولوجية الّتي تحفّز الإرهاب وتبرره فحسب بل ساعدت على عولمة الإرهاب وانتشاره، فلولا شبكات التربية الدينية ومدارسها وقنوات الدعم السياسي والمالي والإعلامي لما بلغ الإرهاب هذه الذروة الّتي منحته إمتداداً عالمياً.


٧٣ – WWW.Saaid.net/ book / kotop.htm
٧٤ – تصريح زكريا الموساوي لقنات C.N.N الأميركية بتاريخ 20 أيلول 2002.
٧٥ – مقالة للشيخ عبد العزيز إبن باز بعنوان ” وجوب عداوة اليهود والمشركين ” على الموقع الإلكتروني WWW.binbaz.org.sa
٧٦ – إبن غنّام، تاريخ نجد، ص 299.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock