رقطاء الرمال المتحركة: كيف باع آل سعود فلسطين؟

لقد قلبتُ كتاب التاريخ الفلسطيني صفحةً صفحة ونقبته كلمةً كلمة بحثاً عن تلك الأمجاد الأخلاقية الّتي تتغنّى بها فئةٌ من حملة الأقلام الرخيصة الّتي أضفت على شخصية عبد العزيز إبن سعود أسفاراً من القيم السامية المتفانية في عروبته وقوميته فلم أعثر على صورة واحدة من صور الكرامة الّتي نسبوها إلى هذه الشخصية الساقطة وإنّما عثرت على نماذج من شريعة التخاذل والخيانة، وأعمال المكر والخداع الّتي مارسها هذا العبد العزيز على الصهاينة بحق فلسطين قضيةً وشعباً ومقاومة، لذا إستطاع هذا المكر السعودي أن يبصم الوجدان العربي بسمات مفادها أنّ آل سعود هم النبع الّذي تستمد منه العروبة روحها وقيمها وخطابها وبأنّ السعودية هي صاحبة الفضل على العرب وظلّ هذا ديدن عبد العزيز آل سعود حتّى مماته:

التظاهر بالعروبة وهو أبعد ما يكون عنها وبالدين وهو أدهى مستغليه وبالشورى وهو من أقسى الطغاة وأشدّهم وطأة، ولا يعني هذا أنّ عبد العزيز كان في نفس مستوى العمالة الساقطة الّتي كان يمارسها آل الصباح أو حكّام مصر أو شاه إيران فالعمالة درجات ومراتب وأنواع وقد أثبت عبد العزيز أنّه بلغ ذروة العمالة على نحو يثير الإشمئزاز وتجاوز بأشواط مفهوم العمالة الّتي كانت تحافظ على حد أدنى من الإستقلالية لأنّه تهافت تهافتاً عجيباً تحت أقدام المستعمرين بامتدادهم العثماني بدايةً ومروراً بالبريطاني وصولاً إلى الأميركي، لذا ألقيت في كتابي هذا بقعة من الضوء على عتمة شريعة آل سعود البغيضة حتّى نتكشف البون الشاسع بين الحقيقة والواقع، بين واقع ما سمعناه ونسمعه، وقرأناه ونقرأه في الصحف المرتزقة والإعلام الرخيص وبين حقيقة ما إكتنفته كواليس أمراء آل سعود من مؤامرات ودسائس على فلسطين وشعبها من أجل تصفيتها وتشريدهم.

وأنّ الداعي الموجب لهذه السطور ليس فقط تعرية آل سعود وتجريدهم من لبوسهم المخادع وإنّما لأنّهم يتمسّحون بالشريعة الإسلامية ويخادعون النّاس بإقامتهم لبعض الحدود الشرعية على الضعفاء والسذّج حتّى يتوهّم النّاس بأنّهم يطبّقون الأحكام الإسلامية ولكن الحقيقة أنّ إسلام آل سعود الّذي يتلطّون خلفه نفاقاً وتضليلاً للشعوب العربية والإسلامية للمحافظة على العرش ليس سوى إسلاماً مشوهاً، ممسوخاً ومبتوراً فدينهم هو دين اللواط والزنا، دين القمع والإضطهاد، دين الحكم الجبروتي المطلق من مافيا عفنة متسلطة لا هَم لها إلى فواحشها وملذّاتها.

ولأنّ غالبية الشعوب العربية والإسلامية لا زالت إلى اليوم مخدوعة بآل سعود وتعتبرهم مثالاً يحتذى ونموذجاً يقتدى آثرت قول كلمة حق في وجه سلطان جائر قد لا تعجب الكثيرين وقد لا يرضى عنها أكثر النّاس خصوصاً أولئك الّذين يتعلّقون مذهبياً بأصنام المملكة السعودية ويتخذونهم أئمة للعفّة والقداسة.

يقول حاييم وايزمن أوّل رئيس للكيان الصهيوني في كتابه التجربة والخطأ الصادر عام 1949م في الصفحة 96: « إنّ إنشاء الكيان السعودي هو مشروع بريطانيا الأوّل … والمشروع الثاني من بعده إنشاء الكيان الصهيوني بواسطته ». ولا بدّ لمن تتبّع المسار التاريخي للمشروع الإستعماري الّذي أوجد هذا الكيان السعودي اللقيط أن يلحظ بشكل جلي التزامن الواضح بين توقيع إتفاقية دارين والّتي إعترفت بريطانيا بموجبها بعبد العزيز آل سعود ملكاً على نجد والإحساء وبين صدور وعد آرثر جيمس بلفور عام 1917م والّذي يقضي بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أي بعد عامين من توقيع المعاهدة المشؤومة.

وعقب هذه الإتفاقية إنبرى الكيان السعودي إلى وضع الخطط ورسم الدسائس وحياكة الفتن والمؤامرات الكفيلة بتحقيق مآرب أسياده الإنكليز والصهاينة الّذين وجدوا فيه جسر عبورهم إلى تنفيذ أجنداتهم الإستعمارية والّتي إنطوت أولوياتها على خلق كيان عنصري صهيوني في فلسطين، وقد تمظهرت جريمة العار السعودية الّتي أودت بفلسطين في الوثيقة البريطانية الّتي نشرها جون فيلبي في مذكراته وأعاد نشرها الكاتب الحجازي ناصر السعيد في كتابه تاريخ آل سعود صفحة 107.

وجاء النّص الحرفي لهذه الوثيقة في سطور تمارت على وجناتها كلمات العهر السعودي وفجوره: « بسم الله الرحمن الرحيم، أنا السلطان عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل آل سعود أقر وأعترف ألف مرّة للسير برسي كوكس مندوب بريطانيا العظمى أن لا مانع عندي من إعطاء فلسطين للمساكين اليهود أو غيرهم كما تراه بريطانيا الّتي لا أخرج عن رأيها حتّى تصيح الساعة »٤٥.

وبعد توقيع هذه الوثيقة بحبر العار السعودي ودمغها ببصمات حقده الأسود، ذهل الإنكليز من هذا التعاطي السعودي إتّجاه المساكين اليهود ودهش قادتهم من حجم هذا التنازل الّذي فاق تصورهم وأمانيهم حتّى إنبرى جون فيلبي الّذي شهد فصول أحد الإجتماعات بين برسي كوكس وعبد العزيز إلى سؤال الأخير متعجباً: « كيف تبصم يا عظمة السلطان بهذا الشكل ألا تتوقع أن يغضب العرب على عظمتكم فيما لو عثروا على هذه الوثيقة؟ » فردّ عبد العزيز ساخراً: « العرب وين العرب!؟ نحن سلاطين العرب يا حاج فيلبي، لورنس إسمه ملك العرب وفيلبي إسمه شيخ العرب ولو انتظرنا رأي العرب لما أصبحنا سلاطين وما دامت بريطانيا راضية فلا يهم غضب العرب أو رضوا وما دامت هذه الورقة عند كوكس فهي في مأمن »٤٦.

وواصل جون فيلبي حديثه مخاطباً عبد العزيز: « ربما يسبب هذا التوقيع تشريد شعب فلسطين بكامله من فلسطين ». فردّ عبد العزيز ضاحكاً: « تريدني أن أغضب بريطانيا لأنّ عدداً من أهل فلسطين سيشرّد ».

ونقل فيلبي في كتابه أيام عربية كلاماً حرفياً لأحد الوصايا الّتي حمّله إياها الملك عبد العزيز وجاء فيها: « وانتهى اللقاء بتحميلي وصية شفهية من عبد العزيز إلى بن غوريون يقول فيها:

قل للأخ بن غوريون إنّنا لن ننسى فضل أمّنا وأبينا بريطانيا كما أنّنا لن ننسى فضل أبناء عمّنا اليهود في دعمنا وندعو الله أن يوفقنا في أقصى ما نريده ونعمل من أجله وهو تمكين هؤلاء اليهود المساكين المشرّدين في أنحاء العالم لتحقيق ما يريدون ».

هذا غيض من فيض المثلية السياسية الّتي مارسها عبد العزيز في مخدع العمالة والخيانة، إنّه الإنحراف الأخلاقي الّذي بلغ ذروة العداء للعروبة وقضاياها المحقّة وذروة التآمر على المنطقة وشعوبها فما دامت الغاية في العرف السعودي تبرّر الوسيلة فبئس هذه الغاية الّتي أباحت إستخدام أقذر الوسائل لبلوغ أقبح الأهداف، وعلى كل حال فهذه العائلة ليست ملومة لأنّها تقتدي بشريعة ربّها يهوه تلك الشريعة الّتي تزرع في قلوبهم بذرة الحقد والكراهية فلم تكن تلك الشريعة بالنسبة إليهم سوى آلة وقوّة قاهرة تخضع السواد الأعظم من بدو الجزيرة العربية لمشيئتها ومن هذه الشريعة وهذا الفقه إستنبط آل سعود حكم القضاء على فلسطين وإسكات تاريخها العربي وإختلاق تاريخاً صهيونياً لم يضمر لهذه الأمّة سوى ما أضمره آل سعود لها.

ففي العام 1926م إنعقد المؤتمر الإسلامي الأوّل في مكّة للبحث في السبل الكفيلة بإنهاء الإستعمار والنظر في أسلوب حكم الحجاز بعد إنتزاعه من قبضة الأشراف وتجلّت أهمية هذا المؤتمر كونه شكّل الإختبار الأوّل لموقف إبن سعود من فلسطين وقضايا التحرر العربية، وعندما طرحت الوفود المشاركة في المؤتمر إقتراحاً يدعو إلى تطهير البلاد العربية من رجس الإستعمار وشموله ضرورة إجهاض المخطط الصهيوني الرامي إلى إغتصاب فلسطين إعترض عبد العزيز على الإقتراح وأصرّ على حذفه من جدول أعمال المؤتمر وتابع قائلاً : « إنّكم أحرار اليوم في مؤتمركم هذا وراء ما يفيدكم به دينكم إلاّ بشيء واحد وهو عدم الخوض في السياسة الدوليّة ».

وبهذه الكلمات أفصح عبد العزيز صراحةً عن موقفه اتّجاه فلسطين لأنّه بمجرّد سماع إقتراح المؤتمر أظلمت الدنيا في عينيه وخارت قواه حتّى عن إمتلاك أعصابه فظهرت على فلتات لسانه ما أضمره في قلبه ومن خلال هذا المؤتمر سعى إبن سعود إلى تسويق صورة قوية له عند أسياده الإنكليز واليهود لأنّه أدرك أنّ كيان دولته المصطنعة يستمد قوّته من مدى إرتباطه بالمصالح الإستعمارية وبالتالي فإنّ إستمرار دولته المسخ لا يكون إلاّ على هذا الأساس ومن هنا فإنّ أي نقص أو ضرر يلحق بهذه الصورة قد يشكّل تهديداً إلى وجود كيان آل سعود المبتور.

إنّ هذا العداء السعودي لقضايا الأمّة وعروبتها لا يثير فينا الإستغراب والدهشة لأنّه سمة من سمات السياسة السعودية القائمة على العداء والكراهية ولكن المثير للإستغراب والدهشة هو الإدّعاء بحرص آل سعود على فلسطين وشعبها ففي زيارة لأمين الريحاني – مستشار عبد العزيز لاحقاً – إلى الجزيرة العربية إلتقى خلالها الملك عبد العزيز ووجده كما يقول عنه:

« شديد الإهتمام بقضية فلسطين وأنّ المؤامرة المبيتة ضد البلاد المقدّسة تقضُّ مضجعه وتثير قلقه وكثيراً ما ضرب كف على كف حزناً لأنّه لا يستطيع مديد المساعدة إلى فلسطين والقيام بواجب الجهاد في سبيلها ».

وفي خطابه أمام اللجنة العربية العليا الفلسطينية قال عبد العزيز: « فلسطين بؤبؤ عيني أنا مسلم قبل كل شيء ولا يمكن أن أفرّط في فلسطين »٤٧.

ولم يغيّر خلفاء عبد العزيز تلك السياسة المثلية في بغاها اتّجاه فلسطين فيقول الملك فيصل في خطاب تولّيه العرش السعودي: « إنّ قضية فلسطين المغتصبة ليست سياسية ولا إقتصادية إنّها إسلامية وإنسانية »٤٨، ويدعم هذا النفاق بموقف آخر قال فيه: « إنّني أتطلّع أن أؤدي الصلاة في المسجد الأقصى قبل أن يدركني الموت »٤٩.

أمّا الملك خالد فلم ينحرف بدوره عن مسار البغاء السياسي إتّجاه القضية الفلسطينية فيقول: « إنّ حل القضية الفلسطينية يبدأ من نقطة رئيسية وجوهرية، تحرير القدس من براثن الصهيونية وعودتها إلى حالتها السابقة عندما كان بيرق الإيمان يرفرف في سمائها »٥٠.

وقد سلك الملك السعود أيضاً مسلك أبيه في سياسة زنا المحارم ويظهر ذلك خلال خطاب تولّيه العرش حيث يقول: « إنّ الصهاينة يهدّدون الإسلام والمسلمين في أقطار الأرض كافة »٥١ .

وما هذا الخداع والنفاق إلاّ مظهراً من مظاهر الشخصية السعودية المخادعة الّتي ما فتئت تتآمر على القضية الفلسطينية، ففي العام 1932م حدثت صدامات بين المسلمين واليهود في فلسطين مارست فيها بريطانيا سياسة البطش إتّجاه العرب الّذين تفاقم غضبهم بتزايد التوافد اليهودي إلى بلدهم فلسطين واندلعت ثورة عارمة سقط على أثرها مئات الشهداء الّذين رفضوا سياسة الإستعمار في صهينة تاريخهم وأرضهم ومقدّساتهم وطوال مدة الثورة الدموية ظلّ عبد العزيز إبن سعود صامتاً لم يرف له جفن ولم ينبت ببنت شفة سوى أنّه واصل جهاده بضرب الكف تأسفاً دون أن تثير فيه هذه الدماء المراقة عاطفة إهتمام أو إلتفاتة رغم أنّها شحنت الأرض الفلسطينية من نهرها إلى بحرها بطاقة ثورية تحوّلت إلى إنفجار ثوري عام 1936م تمخّض عنه إضراب عام في جميع أنحاء فلسطين إستمر أكثر من مائة وثمانون يوماً تشكّلت على إيقاعه لجان قومية ولجان حرس وطني ولجنة عربية عليا إحتضنت جميع الأطراف والقوى الفلسطينية من أجل الإشراف على الثورة وتنظيمها.

وطالبت هذه اللجنة العليا الحكومة البريطانية بمنع الهجرة اليهودية ومنع إنتقال الأراضي الفلسطينية إلى اليهود، إلاّ أنّ بريطانيا رفضت المطالب العربية وردّت بعنف على هذه الثورة والقائمين عليها مستخدمة كل أساليب القمع والإضطهاد لكن من دون أن تثمر هذه السياسة القمعية سوى مزيد من إتّساع رقعة الثورة الّتي تهدّدت الإستعمار البريطاني وربيبه الصهيوني في وجودهم ووضعتهم في موقف لا يحسدون عليه، فلا القوّة أخمدت نيران الثورة المتأججة ولا الوعود الزائفة زحزحت الثوّار عن مطالبهم وعندها لم تجد بريطانيا بداً من توسيط رجل المهام العصبة عبد العزيز آل سعود أملاً في إيجاد مخرج يجهض الثورة وأهدافها.

وهكذا إتّصلت الحكومة البريطانية بإبن سعود ونقلت إليه رغبتها في توسيطه لحل القضية ولجم بركانها وأومأت إليه ضرورة القيام بمساعٍ مشتركة مع الحكومات العربية الصديقة من أجل حلحلة العقدة الفلسطينية الّتي إستعصت على آلتها العسكرية وجهودها القمعية فما كان من إبن سعود إلاّ أن طأطأ برأسه مؤذناً في أذن فلسطين ترنيمة الغدر الجديدة، وشرع يطرق أبواب القضاء على الثورة بمكره الموروث حينما حاول إظهار حسن نيته لدى اللجنة العربية العليا من خلال إرساله فتات من المؤن والمواد الغذائية بغية تلميع صورته وإظهار نفسه بمظهر الحريص على الثورة الفلسطينية وشعبها المقاوم أمّا السلاح والعتاد الحربي الّذي تحتاجه ديمومة الثورة فلم يكن ضمن قوافل المساعدات الوهمية لأنّه يخالف أصول المهمة الّتي أنيط به تنفيذها، ولأنّ هذه التجارة السعودية الجديدة تحتاج إلى رأسمال يفي بإستمالة اللجنة العربية العليا ويدفعها للتمسك بإبن سعود، إستجابت الحكومة البريطاينة لرغبة عبد العزيز القاضية بضرورة الإفراج عن بعض المعتقلين خلال الأحداث الأخيرة من أجل تعزيز أوراقه ودعم إعتماده وسيطاً موثوقاً به من الجانب الفلسطيني. وبعد جولات من المناورات السعودية الرامية إلى إجهاض الإنجازات الثورية والإلتفاف عليها بعث الملك عبد العزيز ببرقية نداء عبر اللجنة العربية العليا مدموغة بتوقيع عرب الإستعمار إلى الشعب الفلسطيني الثائر يدعوهم بها ويتوسلهم « إلى ضرورة وقف الإضطرابات حقناً للدماء معتمدين على رغبة الحكومة البريطانية في التعاون على تحقيق العدل »٥٢.

وقد صدر هذا النداء بتاريخ 11 تشرين الأوّل عام 1936م وجاء فيه: « إلى أبنائنا عرب فلسطين…

لقد تألمنا كثيراً للحالة السائدة في فلسطين، فنحن بالإتفاق مع ملوك العرب ندعوكم للإخلاد إلى السكينة وإيقاف الإضراب حقناً للدماء، معتمدين على الله وحُسن نوايا صديقتنا الحكومة البريطانية ورغبتها المعلنة لتحقيق العدل وثقوا بأنّنا سنواصل السعي في سبيل مساعدتكم».

وبعد صدور هذا النداء – الفخ – إنقسم الثوّار على أنفسهم بين مؤيد للإستمرار في الثورة ومعارض لهذه الإستمرارية إلى أن إستقر الرأي على ضرورة الإخلاد للسكينة إفساحاً في المجال أمام الدبلوماسية السعودية والنوايا البريطانية فتوقف القتال وخبت نيران الثورة على إيقاع هذا المكر السعودي الّذي فتح الباب الفلسطيني على مصراعيه أمام إعتماد عكازة الدبلوماسية والإحتكام إلى الخيارات التفاوضية بديلاً عن الثورة المسلّحة وهو الخيار الّذي وضع القضية الفلسطينية منذ نكبتها عام 1948م على سكة التآكل التدريجي الّتي إنتهت بمحطة ما سمي بإتفاقية أوسلو.

وعندما أينعت هذه المناورة السعودية قطاف القضاء على الثورة وإجهاضها إستبشر الإنكليز والصهاينة خيراً في مستقبل مصالحهم وتلألأت أساريرهم بومضات الإطمئنان إلى مآلات إستراتيجياتهم وسُرّت وجناتهم بقدرة الدهاء السعودي على ترويض الأعراب واستمالتهم إلى حظيرة الركون للضمير الوهابي الّذي أبحر في عباب الخيانة إلى أفق اللانهايات.

يقول صانع العرش السعودي جون فيلبي في كتابه أيام عربية أنّه بعد نجاح عبد العزيز آل سعود بإخماد الثورة « لقد سُرّت القيادة البريطانية أعظم سرور ونلنا على أثرها ثلاثة أوسمة تقديرية الأوّل لي والثاني لعبد العزيز لهذا الدور بل لهذا الفاصل التاريخي الّذي قام به كما سرّ قادة اليهود في فلسطين لهذا الجهد السعودي الجبّار »٥٣.

ويقول تقرير نشرته منظمة التحرير الفلسطينية ونقلته صحيفة آخر ساعة المصرية عن هذه البرقية أو النداء الّذي وجهه عبد العزيز آل سعود إلى الشعب الفلسطيني « هي الّتي استطاعت أن تجهض الروح الكفاحية العالية للشعب الفلسطيني الّتي سادت طوال السنوات السابقة كرد طبيعي وثوري على محاولات تهويد فلسطين وذلك حين تمكّن من أن يبدل الأسلوب الثوري بأسلوب المساومة والتنازلات بالإعتماد على نوايا الدّول الإستعمارية وهي نفسها الّتي خلقت إسرائيل، أجل لقد كان هذا النداء بمثابة المحاولة الأولى لسحب القضية الفلسطينية من تحت أقدام أبنائها ودفع النضال الفلسطيني بعيداً عن مرتكزاته الفعلية ».

ويقول وايزمن مؤسس دولة الصهاينة في فلسطين في 1942/3/11 عندما كان يودّع جون مارتن سكرتير رئيس الوزراء البريطاني تشرشل « قال تشرشل لي: أريد أن تعلم أنّني وضعت مشروعاً لكم وهو لا ينفّذ إلاّ بعد نهاية الحرب، إنّني أريد عبد العزيز آل سعود كبير كبراء هذا الشرق على شرط أن يتفق معكم أوّلاً ومتى تمّ هذا فعليكم أن تأخذوا منه ما تريدون أخذه وليس من شك في أنّنا سنساعدكم في هذا وعليك أن تحتفظ بكتمان السر ».

وفي اليوم الّذي أعقب تعليق الثورة والخلود إلى السكينة أصدرت حكومة الإنتداب ستمائة تصريح بدخول يهود وتوطينهم في فلسطين، فاحتجّت اللجنة العربية العليا وعاد عبد العزيز كرّة المناورة بالضغط على اللجنة العربية للإذعان لقرار الإنتداب البريطاني، وفي تموز 1937م قطف الصهاينة ثمار الجهود السعودية عندما حصلوا على إصدار من سلطات الإنتداب أوصى بتقسيم فلسطين. وكخلاصة لا بدّ من تقرير حقيقة هامّة أنّ هذا النداء السعودي لم يكن سوى قطرة في بحر الخيانات السعودية وأنّ الصهيونية العالمية لم تستند على بريطانيا وأميركا وحدهما في إيجاد حق تاريخي مزعوم للصهاينة في فلسطين بل إعتمدت على يهود الجزيرة العربية أحفاد مردخاي الّذين اعتنقوا الإسلام بقصد الإساءة إليه وإلى مقدّساته.


٤٥ – ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 107.
٤٦ – ناصر السعيد، تاريخ آل سعود، ص 107.
٤٧ – أكرم زعيتر، الحركة الوطنية الفلسطينية (1935 – 1939م)، ص 256.
٤٨ – غسّان سلامة، السياسة الخارجية السعودية منذ عام 1945م، ص 544.
٤٩ – مبارك الأدغم، موقف آل سعود من القضية الفلسطينية، ص 70 .
٥٠ – غسّان سلامة، السياسة الخارجية السعودية، ص 544.
٥١ – فؤاد شاكر، الملك سعود من أحاديثه وخطبه، ص 18 .
٥٢ – خير الدّين الزركلي، كتاب شبه الجزيرة العربية في عهد الملك عبد العزيز، ص 1074.
٥٣ – عبدالله أكسل، خطر اليهودية العالمية، ص 270.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock