زيارة أربعينية الإمام الحسين صرخة ضد أعداء الإنسانية

لم تعد كربلاء اليوم في نطاق حدودها الجغرافية بل انطلقت إلى كل بقعة من الأرض يحتدم فيها صراع الحق ضد الباطل، والنور ضد الظلام ، والخير ضد الشر.

لقد تحول أسمها إلى نداء عالمي يطلقه كل الرافضين للفساد والعبودية، وحكام الظلم والإستكبارالذين تسلطوا على رقاب الشعوب ، ويسعون لتمزيق دول المنطقة إلى إمارات طائفية بقوة المال البترولي والسلاح الذي صدره إليهم أسيادهم في أمريكا والغرب إليهم للوصول إلى أهدافهم الخبيثة. وما يجري في المنطقة العربية من حروب دموية طائفية يذهب ضحيتها الآلاف من البشر هو مثل صارخ لهذا المخطط الإجرامي من أجل أن يبقى هؤلاء الحكام متربعين على عروشهم إلى اليوم الذي تنقطع فيه أنفاسهم، وتصبح لدويلة الصهاينة اليد الطولى في هذه المنطقة العربية.

ولابد أن تضع شعوب المنطقة نصب أعينها هذه الحقيقة، وأن تقف ضد مخططات الأعداء بكل ماتمتلك من قوة مادية وبشرية جاعلة من مبادئ ثورة الحسين منطلقا لهذا الهدف النبيل الذي لاخيار آخر له بغض النظر عن قومياتها وانتماآتها المذهبية .

وزيارة الأربعين هي مسيرة الولاء الحسيني لملايين المؤمنين نحو كربلاء الطهر والكبرياء، وهم يتحدون قسوة الطبيعة، وتهديدات قطعان الإرهابيين الظلاميين الذين يتسللون كاللصوص متخفين تحت جنح الظلام ليزرعوا عبوة متفجرة هنا وسيارة مفخخة هناك حتى يقتلواعددا من الأبرياء الموالين لأبي الأحرار الإمام الحسين ع. وكلما تعرضوا إلى هزيمة على أيدي صناديد العراق في جبهات القتال فإن حقدهم الدموي يشتد ويتصاعد على هؤلاء الزوار أثناء توجههم إلى مرقد سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين ع .

إن هذه المسيرة السنوية الجليلة دافعها الأساس هو السير على طريق نهضة الإمام الحسين نتيجة للحب الحسيني الصادق الذي تغلغل في نفوس هذه الملايين الظامئة والتواقة للحرية والكرامة . وهي بحق مسيرة إنسانية نبيلة زاخرة بكل القيم الطاهرة التي تركها الحسين ع ذخيرة حية للأجيال من بعده جيلا بعد جيل.

وبمعناها الأشمل هي مسيرة ولاء لرسول الله ص ولأهل بيته الغر الميامين الذين أقرنوا القول بالعمل، وجاهدوا لتنقية الدين الإسلامي من دعوات المنحرفين والضلاليين الذين جعلوا من الدين غطاء لإخفاء مفاسدهم وتجنياتهم بحق شعوبهم المضطهدة.

ومن حقي كمسلم أن أدون كلمة دون أي لبس وغموض وهي لابد أن يكون الرد من هذه الملايين بمستوى التآمر الذي يحيكه أعداء الأمة. ولكن حين يجعلها البعض مناسبة لضرب الرؤوس والظهور بالسيوف والسكاكين والآلات الجارحة، ولطم الخدود وشق الجيوب والنياحة فإنه يخرجها من مضمونها التحرري، ويبعدها عن هدفها الرئيسي. لأن هذه الظواهر نهى عنها رسول الله ص وحفيده الحسين ع.

وتخالف منطق العقل والواقع الذي نعيشه اليوم وسط هذه الأحداث الرهيبة المحيطة بنا، وتؤدي إلى تجاهل مايجري من حولنا من أحداث خطيرة، وكأننا نعيش في عالم آخر. والأمر الذي يحز في نفس كل من أستوعب أبعاد نهضة الإمام الحسين حين يرى أشخاصا يضربون رؤوس أطفالهم الذين هم دون الخامسة من العمر بالسيوف، ويغرقوا وجوههم بالدماء متباهين بذلك.!!! وتلتقط الفضائيات المعادية تلك المشاهد المرعبة لتعرضها للعالم وتقول هؤلاء هم الشيعه إنظروا إليهم إنهم لايختلفون عن الدواعش. وأقولها بكل أسف ومرارة إن هذه التصرفات الشاذة المزرية هي تشويه صارخ لمبادئ الإمام الحسين ع، وقد جلبت أفدح الأضرار لسمعة هذه الطائفة وأنا منها، وأستغلها الأعداء في وسائل إعلامهم أبشع استغلال لحث الإرهابيين على سفك المزيد والمزيد من دماء أبنائها. ويتمنى الأعداء إستمرارها لطعن مذهب أهل البيت ع وإظهاره على غير صورته الحقيقية.

ولا شك إن المرجعيات الدينية الكريمة لها الرأي الأول والأخير وهي تدرك أكثر مني ومن غيري أبعاد المخاطر المحدقة بنا جيدا واحرص ماتكون على دماء المسلمين على اختلاف مذاهبهم. ولكن من حق كل إنسان أن يدلي برأيه .

لقد تحدى الإمام الحسين ع حكام القهر والإستبداد بإباء وشمم قل نظيرهما في التأريخ ، وقدم دمه ودم أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ع قرابين على مذبح الحرية ليعبر بمبادئه وتضحياته عن جوهر الإسلام المحمدي الناصع . وبذا أكد الحسين ع وبالبرهان القاطع إن الدم المسفوح على مذبح الحرية لابد أن ينتصر على السيف في أشد الأوقات حلكة. وقد عبر أحد الشعراء عن هذه النظرية خير تعبير حين قال:.

يظنون قد قتل الحسين يزيدهم
لكنما قتل الحسين يزيدا.

إن شهادة الحسين ع تحمل وبجدارة نادرة كل قيم الإباء والشموخ والتوق إلى الحرية ورفض قيود الذل والعبودية واختيار التضحية بالنفس من أجل المجموع عن طيب خاطر وقناعة إيمانية راسخة لاتعرف المهادنة مع قوى الشر والظلام رغم كل ماتمتلكه من ثروات هائلة وأعوان ورغبة جامحة في القهر امتثالا لأمر الله جلت قدرته الذي قال في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

( فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا. ) النساء-74

أذن لابد لمن تغلغلت نهضة الحسين ع في كيانه أن يسعى إلى مواجهة الأعداء بالطرق الفعالة التي تردعهم وتوقفهم عند حدهم .وعلى السلطات المسؤولة في العراق أن تسعى حثيثا لإعداد جيش قوي رادع لكل من تسول له نفسه الإعتداء على أرض العراق، يصاحب ذلك وسائل إعلام قوية تفضح مخططات الأعداء المتربصين بالعراق مهما جندوا من وسائل إعلامية مضللة ومهما حشدوا من إرهابيين ظلاميين لتحطيم هذا الوطن وتقسيمه على أساس عرقي ومذهبي لجعله لقمة سائغة لهم ولأسيادهم. لأن هؤلاء الطغاة إذا سادوا دون أن يرفع أحد صوته ضدهم ستسود شريعة الغاب، وتنقلب الموازين، وتختل القيم ، وينتشر الفساد ويتحكم أراذل البشر في رقاب الشعب حيث يقول الله في محكم كتابه العزيز :

(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا.) النساء-76

وهكذا كانت ثورة الحسين ع التي هبت بوجه الطاغوت المتمثلة في شخص يزيد الذي سعى إلى تحريف العقيدة الإسلامية السمحاء التي أمر الله جلت قدرته نبيه الكريم محمد ص أن يبلغها للبشرية جمعاء.وما هذا الزحف المليوني الهادر، وهذه الأمواج البشرية المتطلعة لغد أفضل إلا انعكاس صادق، واستلهام حقيقي من معين تلك الثورة الغراء الخالدة.

لقد تعرض بلدنا الجريح العراق لظلم الظالمين وجبروتهم وغدرهم لحقب طويلة من الزمن فصادروا حقوق الملايين وبنوا قصورهم الأسطورية الفارهة على ضفاف الأنهار ووفروا فيها كل وسائل الترف بسرقاتهم وفسادهم متجاهلين تماما معاناة الملايين الذين يسكنون البيوت الطينية وهم محرومون من أبسط متطلبات الحياة.

ولسان حال هذه الجماهير المليونية يهدر معلنا إن مدرسة الحسين وثورة الحسين ع هي الطريق الأمثل للخلاص من ربقة المجرمين والظالمين والطغاة ولن نحيد عنها مهما بلغت التضحيات وتنوعت وسائل الإرهابيين الخبيثة الهادفة إلى إيقاف هذه المسيرة المليونية المباركة.

وحين تستلهم مبادئ الحسين ع ونفهمها فهما صحيحا فإنها تتسع وتكبرعاما بعد عام بملايينها الزاحفة نحو مرقد الأمام الحسين ع ولا تبالي بكل حملات التشويه التي يبثها الأعداء والمشككون والمغرضون الذين في قلوبهم مرض حين يتهمون كل هذه الملايين بـ (الجهل والتخلف والانقياد لأقوال بعض المشايخ الذين يدفعونهم دفعا إلى هذه المسيرات !!!).

إن هذه الطعنات البائسة لهؤلاء غايتها الأولى والأخيرة التغطية على عورات الحكام الفاسدين المتربعين على جماجم شعوبهم حتى النفس الأخير وقد قال الله في كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

( وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. )هود-113.

إن هذه المسيرة المليونية السنوية لابد أن تكون حركة واعية وتصميم ثابت على انتهاج الحق. وصرخة مستمرة بوجه كل من تسول له نفسه بإتباع نهج الظلم والغدر ومصادرة حق الإنسان في الحرية والكرامة والوجود.

وهي تقول للسياسيين الذين نزعوا إلى الخلافات العقيمة في عراقنا الجريح لقد طفح الكيل وبلغت القلوب الحناجر. وعلى اللاهثين لكسب المال الحرام والحصول على مغانم حزبية وطائفية ضيقة أن يدركوا إن الشعب يراقبهم. وإن الكلمات المعسولة الخالية من أي عمل على صعيد الواقع لايمكن أن تمر مرور الكرام بعد اليوم. وقد شبعت هذه الملايين من الشعارات الرنانة ومن الوعود الكثيرة التي لم يتحقق منها الا النزر اليسير واليسير جدا .وإن الوضع العراقي المتأزم والمتخم بالألغام يتطلب من ذوي الخبرة والكفاءة والإخلاص، وأهل العقل والحكمة والعلماء الأعلام في العراق المزيد من الجهد والمثابرة لإنقاذ الوطن مما هو فيه . أما الصراع على المكاسب والمغانم فإنه سيوصل العراق إلى الهاوية بعد القضاء على داعش الظلامية.لأن في الطريق الكثير من الألغام التي يحاول يزرعها أصحاب النوايا الخبيثة في خارج العراق وداخله والذين يريدون أن يعيش هذا الوطن في دوامة الفوضى والتخبط والإقتتال الطائفي المقيت لكي تتحقق أهدافهم الخبيثة في الإنتقام والحقد وبث النعرات الطائفية في المجتمع. ولابد من كشف المفسدين الذين يمتصون دماء الناس ويسرقون ثروات الوطن .ويبقون الملايين في حالة البؤس والشقاء والحاجة.ومن واجب الحكومة أن تضع أسماءهم في قائمة سوداء يطلع عليها الشعب بعد صدور الأحكام القضائية بحقهم ، وأن يُمنعوا من ترشيح أنفسهم للإنتخابات حتى تتوطد الثقة بين الشعب وحكومته . وأن لاتتوقف عملية الإصلاح بحجة محاربة داعش فقط لأن أحدهما يكمل الآخر لكي يقف الوطن على قدميه. فثورة الحسين ع ماقامت إلا على قيم الحق والفضيلة واجتثاث المفاسد والانحرافات. ورفض النزوع للشهوات المحرمة التي نهى عنها الإسلام وشن عليها حربا لاهوادة فيها.

أن هذه المسيرة المليونية الهادرة تقول لا لآكلي قوت الفقراء، وثروات الوطن، وأن تستروا بالدين والدين منهم براء. إنها تطالب بدولة المواطنة والمؤسسات والقانون الذي يقول للمسيئ قف عند حدك مهما كان موقعه في السلطة وبغير ذلك لاتتحقق دولة المواطنة أبدا.

لقد غرق الوطن في فوضى الغايات المحرمة . واستنزفت الكثير من الأموال والدماء ومازال الملايين يعيشون في فقر مدقع وأفواج العاطلين يغص بهم الوطن وقيمة كل امرئ مايحسنه. وليس من المعقول أن يكون راتب كبار موظفي الدولة يعادل ستين ضعفا لراتب الموظف البسيط. ولرئيس الجمهورية ثلاثة نواب يتمتعون بإمتيازات خيالية ويطالب رئيسهم بزيادة مخصصاتهم وتستقطع الحكومة من راتب الموظف البسيط والمتقاعد الذي لايكفيهما لسد الرمق هذه هي مطاليب هذه الجموع المليونية الزاحفة نحو مرقد سيد الشهداء الإمام الحسين ع فهل أدرك السياسيون ذلك أم إنهم سيدركون بعد فوات الأوان؟.

بسم الله الرحمن الرحيم:

(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)التوبة -105.

تحية إلى أبناء العراق الغيارى الرابضين كالأسود في جبهات القتال وهم يصدون الطاعون الداعشي الأسود لكي يعيش الشعب العراقي وأجياله القادمة بأمن وأمان. وطوبى لشهداء العراق الأبرار الذين ضرجت دماءهم أرض العراق الطاهرة.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock