سوريا بيضة القبان في موازين القوى الإقليمية

متغيرات كثيرة شهدها الشأن السوري في الاشهر الماضية، بدءً من تداعيات القرار الأمريكي الملغوم المتعلق بالانسحاب من سوريا، مرورا بالمناورات التركية في إدلب و شرق الفرات، و وصولا إلى قُرب إعلان ساعة الصفر التي سيُطلقها الجيش السوري لتحرير ادلب من الارهاب، هي ملفات غاية في الدقة و الحساسية، و تتطلب تنسيقاً عال المستوى بين أركان محور المقاومة، حيث أن الاجتماع الذي عُقد في دمشق بين رؤساء جيوش سوريا و ايران و العراق، يأتي في سياقه الطبيعي لجهة التنسيق بين الجيوش الثلاث لجهة محاربة الارهاب، بينما إذا تم وضع اللقاء في سياق التوقيت نجد أن غايته تتجاوز بروتكولات اللقاء و التصريحات الإعلامية التي جاءت عقب الاجتماع العسكري الصرف، حيث أن الملفات الساخنة تحتاج حضوراً قوياً و تنسيقاً دقيقاً، و بالتالي في تفاصيل المشهد هناك رسائل الى محور واشنطن، تبدأ من طهران مرورا بدمشق و وصولا إلى بغداد، الأمر الذي سيكون له تداعيات كثير على مسار الأحداث خلال الفترة الماضية ليس في سوريا فحسب، بل تشمل كافة أطراف محور المقاومة.

الاجتماع في دمشق ليس بجديد، فقد سبقه العديد من الاجتماعات كانت تهدف إلى التنسيق العسكري و الاستخباراتي، و ليس بجديد أن تأتي تصريحات قادة الجيوش الثلاث حول الهدف الرئيسي المتمثل تطهير الجغرافية السورية من الإرهاب، و اجبار القوات غير الشرعية على مغادرة الجغرافية السورية، لكن الجديد أن التحولات المفصلية أرخت بظلالها على العواصم الثلاث، لذلك سيكون شكل هذا الاجتماع و ما سيعقبه خلال الفترة القادمة، بمثابة نقطة مفصلية تشهدها سوريا والمنطقة، سياسياً وعسكرياً واستراتيجياً، خاصة مع انتهاء المعركة مع داعش وسط تعتيم متعمد من قبل واشنطن و وكلاءهم الأكراد حول تفاصيل هذه المعركة و الصفقات التي مُررت من خلالها، و ما ستؤول اليه تداعيات تغييب داعش عن المشهد، مع بقاء القرار الامريكي مدعاة للقلق في سوريا و ايران و العراق.

أقرأ أيضاً:

  رأي صحفي | شمال شرق سوريا.. تحديت متزايدة.

في واقع الحال، يبدو أن محور المقاومة و خاصة ايران و العراق، يدركون ماهية الخطط الأمريكية الرامية إلى اقصاء الدور المحوري لـ ايران و العراق من المنطقة، فضلا عن ابعاد ايران و العراق عن مياه البحر الابيض المتوسط، و بهذا الهدف الاستراتيجي لـ واشنطن، لابد لأركان محور المقاومة مجابهة الخطط الامريكية الرامية أصلا الى تقسيم المنطقة، و بلورة مشهد اقليمي جديد، يتناسب و طموحات الادارة الامريكية، لذلك و ضمن ديناميكية السياسة، تحاول واشنطن الحد من تحركات ايران في المساحات المائية، و كذلك منع العراق من الربط و التشبيك مع سوريا و بالتالي ايران، فضلا عن المحاولات الامريكية الرامية لمنع العراق من أن يكون له منفذ مائي، يُشكل تواصلا استراتيجياً مع دول المحور، من هنا يمكننا القول، بأن ما لخصه الاجتماع الثلاثي في دمشق، جاء وفق رؤية استراتيجية بعيدة لمحور المقاومة.

ضمن هذا المشهد الضبابي، يبدو ان واشنطن لا تزال تملك ورقة ستمكنها من العبث مجددا بمفاعيل الانتصار السوري، فضلا عن النوايا الامريكية تُجاه ايران و العراق، هي نقاط لا يمكن اغفالها بالنظر الى الجغرافية التي تربط دمشق بـ العراق و ايران، و بالتالي فالأمر الحتمي المتعلق بضرورة مواجهة الخطط الامريكية لابد من تفعيل الجهود العسكرية و الأمنية لإحباط المخطط الامريكي، فالهدف الذي يسعى محور المقاومة لتحقيقه يتمثل بالربط الجغرافي بين الدول و فتح الطرقات و تطهير الحدود السورية العراقية من البؤر الإرهابية، التي تعمل واشنطن على إعادة الحياة اليها، فالكل يعلم أن القضاء على داعش لا يعني إطلاقا أن المعركة ضد الارهاب المدعوم امريكيا قد انتهت، بل على العكس فهذا هو التوقيت المثالي لضرب بقايا الارهاب الامريكي في سوريا و العراق و محاولة تصديره إلى ايران، و بالتالي فإن الغاية الرئيسية من هذا الاجتماع قد بُلورت في دمشق، و الرسالة الأهم أن لا تراجع عم المنجزات التي تم تحقيقها في سوريا و العراق، و على الأمريكي و بيادقه فهم الرسالة العسكرية جيداً.

أقرأ أيضاً:

  الخالصي: القوات التي اطلقت النار على المتظاهرين ليست بأمرة عراقية!

لا شك بأن التحديات التي تواجه سوريا و ايران و العراق لا يمكن اغفالها او التغاضي عنها، و لا بد من الربط الميداني و الجغرافي لكافة اطراف محور المقاومة، وتأمين الحدود العراقية السورية بالكامل، فضلا عن توجيه رسائل تحذيرية لـ واشنطن من خطورة المساس بوحدة الجغرافية، و عليه فإن رفع السقف المتعلق بالمواجهة لابد منه في هذا التوقيت، و بالتوازي مع الضغط السياسي بُغية إخراج القوات الامريكية من سوريا و العراق، و الالتفاف على المناورات الامريكية و التركية المتعلقة بالاستثمار في الارهاب، لذلك جاء هذا الاجتماع و انطلاقا من دمشق، ليكون خارطة طريق سياسية و لكن بصبغة عسكرية واضحة، لعل واشنطن و تركيا تفهمان فحوى هذا الاجتماع.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock