سوريا والمنطقة في عهد ترامب

*عمر معربوني | أول رئيس من خارج المنظومة التقليدية يحكم الولايات المتحدة الأميركية، بخطاب طغت عليه الشَعبوية خاطب الأميركيين والعالم، الملف الداخلي كانت له الأولوية في خطاب ترامب الإرتجالي مع التركيز على البعد العاطفي دون طرح واضح لخطط وبرامج تحاكي هذا الإرتجال، طرقات وجسور وضمان للشيخوخة وتأمين لفرص العمل بمقابل تخفيض للضرائب، المتناقضات في سياق واحد، فكيف يمكن ان ينفذ ترامب كل هذه الوعود دون تأمين الواردات المالية خصوصاً اننا امام تحدٍّ واضح للمؤسسات “منظومة المؤسسات التقليدية” التي تتحكم باميركا منذ نشوئها .

في الشكل، إنها خطوة جريئة ولكنها قد تكون كارثية على اميركا اذا ما قاربنا تاريخية الولايات المتحدة وانماطها الإقتصادية القائمة على النهب “سرقة ثروات الشعوب”، وهنا يبرز السؤال المركزي: هل سيتخلّى ترامب عن البعد الإستعماري في سياسة اميركا؟ وهل ستسمح له اللوبيات “شركات النفط والأسلحة ومراكز الأبحاث والدراسات التي تشكل منذ زمن ما يشبه حكومة الظل” .

بما يرتبط بالملفات خارج اميركا، كان ترامب واضحاً لجهة تقليص الإهتمام بالتدخل الخارجي وخصوصاً منه الجانب العسكري، حيث قال إنه آن الآوان ان تهتم اميركا بحدودها بعد ان انشغلت لفترة طويلة بحدود الآخرين “مشكلة كبيرة مع المكسيك” .

في الوقت نفسه لا يخفي ترامب عداءه لإيران والصين، فكيف سيوفّق بين تقليص إهتمامه بالخارج والإستمرار بهذا العداء .

في النظرة الى القضية الفلسطينية، اتحفنا ترامب بتناقضات كبيرة حيث اعلن في مكان ما ان اميركا يجب ان تكون على مسافة واحدة من “اسرائيل” والفلسطينيين، وفي نفس الوقت يذهب باتجاه نقل سفارة اميركا من تل ابيب الى القدس اضافة الى تعيين سفير من اشدّ الكارهين للعرب والمسلمين “ديفيد فريدمن”.

تناقضات اخرى بين ما اعلنه ترامب حول روسيا وما اعلنه وزير دفاعه، حيث اتهم وزير الدفاع الاميركي المعين جيمس ماتيس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالسعي الى «تقويض» الحلف الاطلسي.

وقال ماتيس امام مجلس الشيوخ خلال جلسة تثبيته “ان الأمر الاهم حالياً هو ان نقرّ بالواقع الذي نواجهه مع السيد بوتين وان نقر بانه يسعى الى تقويض حلف شمال الاطلسي”.

واضاف “علينا ان نتخذ خطوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وتحالفية والعمل مع حلفائنا للدفاع عن انفسنا حيث يلزم”.

وحول روسيا، وجّه الجنرال ماتيس رسالة حازمة من اجل طمأنة البرلمانيين الجمهوريين القلقين من إحتمال تساهل الرئيس المنتخب حيال الرئيس الروسي.

وقال إنه “يؤيد رغبة” ترامب في اعادة الحوار مع روسيا، لكنه اكّد في الوقت نفسه ان موسكو ” اختارت ان تكون منافسا إستراتيجياً للولايات المتحدة “اضافة الى مواقف ماتيس العدائية لا بل الشديدة العداء لإيران في حين لم يعلن ماتيس بعد مواقف واضحة من الكيفية التي ستتم فيها محاربة الإرهاب” .

ترامب كان واضحاً في موقفه من سوريا الذي اكد أن تحالفا مع روسيا وسوريا لهزيمة تنظيم “الدولة الإسلامية” هو السياسة التي يفضلها للتعامل مع الأزمة السورية، رغم انه قال بأنه لا يحب الرئيس الأسد “لكن تعزيز نظامه هو الطريق الأفضل للقضاء على التطرف الذي ازدهر في فوضى الحرب الأهلية والذي يهدد أميركا”

في الشكل ما قاله ترامب عن سوريا كلام جيد ولكن كيف يمكن ان تتم ترجمة هذا الكلام؟ هل ستستمر القيادة العسكرية الأميركية بسلوكها الحالي ام ستصدر اوامر جديدة بمؤازرة الجيش السوري في دير الزور وتدمر؟ حيث كان واضحاً الدور السلبي الذي قامت به الطائرات الأميركية في غاراتها على جبل الثردة وتمَكُن داعش من السيطرة على الجبل وهو ما ساعده على اطلاق هجماته الأخيرة .

انطلاقاً من كلام ترامب الذي حدّد في خطاب القسم عدواً واحداً وهو الإسلام الراديكالي والذي لا نعرف ان كان يعني به “داعش” و”النصرة” او الإسلام بشكل عام استناداً لما جاء في كلام بعض الناشطين الأساسيين في حملته، وخصوصاً بريجيت غابرييل التي اعلنت موقفاً حاقداً وعدائياً للإسلام، وهنا نسأل: هل ستتغير السياسة في التعاطي مع الميدان السوري، وهل ستبدأ الطائرات الأميركية بالإنتقال من مهمة تقديم الدعم الجوي ولو تحت مسمى الخطأ لـ”داعش” الى مهمة اسناد الجيش السوري؟

هذه الأسئلة هي الأسئلة المركزية التي يجب ان نطرحها في هذه المرحلة الحرجة والخطيرة والتي يمكن اذا ما نفذ ترامب كلامه ان تأخذ المنطقة الى مسار آخر ومختلف، انا شخصياً اشك اننا سنكون امام هكذا مشهد لمجموعة من الأسباب على رأسها ان المحافظين الجدد وهم في غالبيتهم من الجمهوريين لن يسمحوا لترامب ان يذهب بعيداً في تنفيذ طروحاته، خصوصاً ان سحق “الإسلام الراديكالي” كما يرى ترامب تنطلق من رؤية معادية للإسلام وليس للإرهاب الذي تمثله جماعات هي في غالبيتها صناعة اميركية او تحت الرعاية الأميركية .

اذن نحن امام مرحلة شديدة الضبابية وامام شخصية إشكالية ومتناقضة يمثلها ترامب، وهو ما سيبدو لنا واضحاً اقلّه في الشهور الستة القادمة لجهة ممارسات الإدارة الجديدة وطرق تعاطيها مع الملفات ومن ضمنها ملف المنطقة الذي اصبحت فيه روسياً طرفاً اساسياً، وهو امر لا يعني ان اميركا خرجت من المشهد بشكل نهائي .

الإنتظار وحده هو الذي سيجيب على تساؤلاتنا جميعاً وسنتبين حينها الخيط الأبيض من الخيط الأسود .

ضابط سابق – خريج الأكاديمية العسكرية السوفياتية

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock