شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد مهدي أحمد مرتضى

  • شهيد الدفاع عن المقدّسات محمّد مهدي أحمد مرتضى (السيّد مالك)
  • محل وتاريخ الولادة: بعلبك 1/1/1985
  • الوضع الاجتماعي: متأهّل وله ولدان
  • رقم السجل: 56
  • تاريخ الاستشهاد: 20/5/2013

“السلام عليك يا منفّذ أمر الله عزَّ وجلَّ؛ أيها العزيز… أقسمُ عليك بمن استأذنته قبل قبض روحه؛ رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن تشعرني باقترابك، لا لأوصي لشيء من الدنيا، أو لأودّع أحداً، بل أمهلني لأسلِّم على الحسين عليه السلام. كما وأقسم عليك أن لا تبدأ بقبض روحي من لساني، بل اجعله آخر ما ينطفئ منّي، ودعني حتّى آخر لحظة أقول: يا عليّ…”.

لم تكن مجرّد كلمات خطّتها يده، أو خاطراً طرأ في باله، بل كان بوحاً ذُرف ذات لحظة على سطورٍ من رجل، همسَ والداه بمصيره وهو وليد لحظته، فبعد أن شكرا الله عزَّ وجلَّ على النعمة التي أنعمها عليهما في بكرهما محمّد مهدي، لم يغفلا عن كونه أمانة لا بدّ أن يستردّها صاحبها ذات يوم، فنذراهُ خادماً في مسيرة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومشروع شهيد.

ممهّداً للظهور ومشروع شهيد

وأن تكون ممهّداً لظهور صاحب الزمان ومشروع شهيد، يعني أن تبني حياتك على ما يتناسبُ مع هذين المدماكين. ويحتاج الأمر إلى توفيق من المولى في أن يكون المرء ولداً صالحاً، لا يُسوِّد وجهَي والديه يوم تسودّ الوجوه، لا بل يجعلهما ناصِعَي البياض، ويكون ذُخراً يوم لا ينفع مال ولا بنون.

محمّد مهدي، الفتى الذي عاش حياته مُراقباً لنفسه، يخشى أن يسوّد قلبه، قد ضجّت حياته بالكثير من التفاصيل، فلم يتسلّل الفراغ إلى أيّ جزء منها، واجداً دوماً ما يشغَله. فبغياب والده المجاهد عن المنزل، تولّى أمر مساعدة أمّه، ورعاية إخوته الصِّبية الأربعة الصغار. وليس الأمر سهلاً لمن كان طريّ العظم ما لم يشدد حيازيمه لخوض الحياة بتفاصيلها متفكّراً فيها، فكان إلى جانب دراسته يدرّس إخوته ويتصدّى لحلّ نزاعاتهم ويسايرهم بالحُسنى. وقد تعلّم قيادة السيارة في سنّ مبكرة كي يخفّف عن كاهل والديه عبئاً ثقيلاً، إذ صار يؤمّن احتياجات المنزل، ويسعى في خدمة العائلة، مُقدِّراً في نفسه قيمة ما يقوم به تجاه والديه وإخوته المؤمنين. هذه الفكرةُ لم تغبْ عن باله طرفة عين.

يدرس وينظم الشعر للآل الأطهار

في كنف منزل يسوده الالتزام شقَّ محمّد مهدي طريقه. لم يترك فرصة زيادة معارفه الإسلامية، فكان إلى جانب تفوّقه في دراسته ناظماً للشعر، يلجأ إلى أوراقه يسكبُ على سطورها من روحه ما يمدح فيه أهل البيت عليهم السلام، أو يرثيهم. وقد شَهِد *المنبرُ الحسينيّ في عاشوراء وقوفه وهو يقول لطميّات من تأليفه، منها واحدة استغرق طويلاً في نَظمها لتكون مدّتها ساعتين، ورغم ذلك فإنّ الحضور في مسجد الإمام عليّ بن أبي طالب عليه السلام، سَلَبَ منهم الشعور بالوقت، حين استمرّ اللّطم على وقع صوته لساعات، لم تتعب خلالها الأيدي مِنْ لطْمِ الصدور.

❍تميّز محمّد مهدي بروحيّة العطاء والمبادرة، فمنذ أن دخل رياض الأطفال صغيراً كان يقسم حصته من الطعام أو يهبها لرفاقه. وكذا مصروفه، خاصّة إذا عرف أنّ أحد رفاقه يتيم، فتراه يتحيّرُ كيف يهتمّ به، ويظهر معه تعاطفاً غريباً، وقد امتلك حسّاً عالياً بالآخرين، حتّى كأنّه يعرف ما يختلج في قلوبهم من هموم دون أن ينبسوا ببنت شفة.

طفولة ومقاومة

منذ طفولته، كانت المقاومة طريقه، ومع مجموعة من رفاقه، أحدهم ابن عمّته عليّ الرضا حسّان اللّقيس، كانوا يدّخرون مصروفهم لشراء اللباس العسكريّ، وفي عطلتهم يذهبون للتدرّب وحدهم، فإذا ما لاحت أمارات الشباب على وجوههم، التحقوا بالدورات العسكريّة والثقافيّة على حدٍّ سواء، إلى جانب متابعة دراستهم الجامعية.

❍لم يخطر في بال محمّد مهدي أن يفقد ابن عمّته “عليّ الرضا” على حين غرَّة من الزمن في حرب تمّوز 2006، فصار قبره ملاذاً له، وحين يُفتقد محمّد مهدي، فلا شكّ في أنّه هناك يلتصق بقبر صديق عمره الذي حجز لنفسه بالقرب منه قبراً له، فإذا ما تزوّج أنجب صبياً أسماه عليّ الرضا، وعندما كَبُر قليلاً صار يصحبه كلّ يوم إلى قبر ابن عمّـه، يحكي له عن الشهيد البطل، ومخبراً أنّ القبر الذي إلى جانبه هو منزله عندما يستشهد.

زوج ووالد رؤوف حنون

عندما قرّر محمّد مهدي الزواج لم يبحث عن عروس ملتزمة متديّنة فحسب، بل عمَّن تتقبّل فكرة استشهاده، فإذا ما وفَّقه الله بها، كان زوجاً رحيماً، ووالداً محبّاً لطفله الذي وُلِد مريضاً وخضع لعمليّة في القلب. كان محمّد مهدي سنداً لمن حوله في الوقت الذي قطّع الألم على ولده نياط قلبه.. أمّا ابنته زهراء التي رُزق بها بعد طفله عليّ الرضا، فقد استولت على قلبه وعقله، وهو الذي لم يشعر بحنان الأخت وحبّها، فكانت زهراء الابنة مدلّلة أبيها.

ما إن التحق محمّد مهدي بقافلة المجاهدين للدفاع عن المقدَّسات، حتّى تجلّى نور على جبينه، وصار كلامه حديثَ مودِّع، وقد ضاقت الدنيا برحبها عليه، فإن عاد من الجبهة لم يؤنسه شيء سوى إعداد حقيبته للرحيل، فقلبه قد وصل إلى الحضرة الإلهية ولم يعد يحبس روحه المحلّقة سوى جسده الفاني.

اللهمَّ تقبَّل قرباننا

وأثناء مشاركته في معركته الأخيرة أصيب في وجهه، فضمّد جراحه وأكمل القتال. بعد قليل، سمع، على اللّاسلكي بأمر احتجاز مجموعة من المجاهدين، عند ذلك هبَّ لفكّ الحصار عنهم، وفتحَ منفذاً لهم، ولكنّ رصاصة استقرّت في خاصرته حالت دون عودته، فقال لرفاقه عبر الجهاز: “أنا شهيد.. انسوا أمر سحبي، ولكن لا تدعوهم يأسرونني”.. وبهذا صدق محمّد مهدي وعده لرفاقه إذ قال لهم قبل يوم من استشهاده إنّه سيستشهد..

وعادت الأمانة إلى بارئها ومنتهى العشق يكلّلها، ورجع الابن إلى والديه شهيداً مصبوغاً بدم الولاية، فرفعاهُ إلى السماء: “اللهمّ تقبَّل منَّا إنك أنت السميع العليم”.

نسرين إدريس قازان

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق