صالحة وتَشكّل وعي حسن نصر الله

في الأيام القليلة الماضية، احتل هجوم وحدة قتالية صغيرة من حزب االله على مركبة عسكرية إسرائيلية في أعلى الجليل وتدميرها، عناوين وسائل الإعلام العالمية والعربية. الهجوم كان رداً على هجوم إسرائيلي لبلدة عقربا جنوب دمشق حيث استشهد عنصرين للمقاومة الإسلامية – حزب الله، هو الأول من نوعه منذ آب 2006، ما يُخلّ بـ«قواعد الاشتباك» التي استقرت بين الطرفين.

في خضم الحدث، برز وتكرر اسم مستوطنة أفيفيم، لكون الشارع الذي ضُربت فيه المركبة الإسرائيلية ملاصق لشمال المستوطنة التي لا تبعد عن الحدود اللبنانية – الفلسطينية (أو ما يسمى الخط الأزرق) سوى 900 متر (في مواجهة قرية مارون الرأس).

لن أخوض في هذا الموضوع إلا من خلال زاوية محددة، هي زاوية الذاكرة. فما أحزنني هو عدم التطرق إلى أن مستوطنة أفيفيم أُقيمت عام 1958 على أنقاض قرية عربية اسمها «صالحة» (أو «صلحا»).

كانت صالحة قرية سكانها من الشيعة في «جبل عامل». ولهذا السبب، حُدِّدَت صالحة جزءاً لا يتجزأ من لبنان في اتفاقية الحدود الفرنسية البريطانية عام 1920. لكنها كانت واحدة من سبع قرى شيعية، وواحدة من 24 قرية نُقلَت إلى السيطرة البريطانية في عام 1924 بعد ترسيم الحدود عام 1923 بين الانتداب البريطاني على فلسطين والانتداب الفرنسي لسوريا ولبنان. التغيير الجديد لمصلحة البريطانيين حصل بتواطؤ فرنسي، والهدف: توسيع حدود المشروع الصهيوني على حساب لبنان. بذلك، أصبحت صالحة قرية فلسطينية خاضعة للانتداب البريطاني على فلسطين. لاحقاً، بموجب قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، واحدة عربية والأخرى يهودية، الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947 (القرار رقم 181)، كانت صالحة ضمن حدود الدولة العربية المقترحة.

بلدة صلحة - صلحا المحتلة
بلدة صلحا المحتلة او ما تسمى اليوم بـ أفيفيم

هٌجر جميع أهل صالحة على الأغلب في الأيام الأخيرة من شهر تشرين الأول/ أكتوبر 1948 بعد مجزرة هي واحدة من الأشنع التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1948. احتُلت القرية بعد استسلامها ورفع أهلها للأعلام البيض من قبل الكتيبة 79 التابعة للواء السابع ضمن «عملية حيرام»، التي شنت في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر ومطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 1948 والتي استهدفت احتلال ما بقي من الجليل، وخصوصاً الجليل الأوسط وتفريغه من السكان.

أقرأ أيضاً:

  تحضيرات جيش الاحتلال الصهيوني وجهوزية المقاومة

تتفق المصادر الإسرائيلية المبنية على وثائق إسرائيلية متنوعة، منها أرشيف عمليات الجيش ومذكرات قادة صهاينة كبار وتقاريرهم، في أن مجزرة شنيعة ارتُكِبَت في القرية (حتى وفق المقاييس الإسرائيلية)، لكنها تتناقض في عدد قتلى المجزرة، مع أن أغلبها يتحدث عن 94 قتيلاً، بينهم أيضاً نساء وشيوخ وأطفال. وتعود المصادر الإسرائيلية لتتفق على شكل المجزرة، فتتحدث عن تجميع الضحايا في داخل مسجد القرية ونسفه عليهم (بدم بارد ومن دون أي «ضرورة» عسكرية).

لكن ذلك لم يكن في الواقع إلا أحد فصول المجزرة التي جرت على عدة مراحل. في البداية، جُمع الأهالي في ساحة القرية بالقرب من المسجد، ثم نسفت القوات جزءاً من بيوت القرية، فأدى الركام المتطاير إلى جرح ومقتل البعض، تلاه إعدام شبان جُمعوا في الساحة لهذا الغرض. وهو إعدام أعقبه انسحاب الجيش من القرية. الأحياء من الأهالي المرعوبين، وغالبيتهم الساحقة من النساء وبعض كبار السن من الرجال، نقلوا القتلى والجرحى إلى مسجد القرية الوحيد. لم يكن في القرية من مسعف أو طبيب، وكان الجرحى يموتون بصمت، ولم تكن لدى من بقي من النساء المرعوبات والمصدومات أي مقدرة على دفن عشرات الضحايا، وغالبيتهم من الفتية الشبان والرجال.

في اليوم التالي عادت قوات الجيش إلى القرية، وصبّت النفط على الجثث وأشعلت النار في المسجد قبل أن ينسفوه على رؤوس من كان فيه من قتلى أو جرحى أو مرافقين لهم، ثم أخبروا القليل الباقي في القرية، أن «ارحلوا وإلا فسنحرقكم أحياءً». توجه معظم الهاربين إلى قرية مارون الرأس قبل أن يتوزعوا لاحقاً على مخيمات اللاجئين في لبنان، وبعضهم استضافتهم عائلات لبنانية في البداية، ثم استأجروا غرفاً لفترة محدودة في القرى الشيعية. بعض لاجئي صالحة وصل واستقر في قرية البازورية، مسقط رأس (الأمين العام لحزب الله السيد) حسن نصر الله.

أقرأ أيضاً:

  ورقةٌ ناصعةُ البياض

لم تتوقف محنة أهل صالحة، فقد قتلت القوات الإسرائيلية معظم من حاول العودة إلى القرية في الأيام أو الأشهر أو السنوات التالية، وكان دافع العودة العوز والفقر والحاجة. في الغالب، كان الرجال يدفعون بنسائهم إلى هذه المهمة الخطيرة، على أمل أن يكون الإسرائيليون أرحم بالنساء. دُفع ثمن باهظ لهذا التصور الخاطئ، في حالة واحدة فقط، وفي يوم واحد قتلت 4 نساء من عائلة واحدة. في منتصف التسعينيات، وعلى متن طائرة متجهة من عمان إلى القاهرة، التقيت بعجوز لبناني من البازورية، أكد لي مأساة ما حلّ بالفلسطينيين واللبنانيين خلال النكبة الفلسطينية، ومن ذلك ما حلّ بقرى صالحة والحولة (الحولة قرية لبنانية قتل عشرات من سكانها تحت أنقاض مسجد القرية الذي جُمعوا فيه) والذي تناهى إلى مسمع نصر الله وهو صغير، وهو ما أسهم في تشكّل وعي «السيد» المبكر في طفولته.

* كاتب فلسطيني، رئيس سابق لبلدية البيرة – رام الله، وعضو سابق في المجلس التشريعي الفلسطيني. مقيم في البيرة.

بواسطة
عبد الجواد صالح
المصدر
صحيفة الأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock