صراع الإرادة بين طهران وواشنطن

لم يعلن ترامب في مايو من العام 2018 الإنسحاب الأمريكي من الإتفاق النووي المبرم بين إيران والدول الكبرى في فيينا 2015، والذي جاء ثمرة لأشواط كبرى مريرة وشائكة إقتربت إلى حافة عسكرة الدبلوماسية عدة مرات على مدى قرابة الأربعة عشر عاماً كتمت العواصم أنفاسها مراراً خشية تفجير الدبلوماسية وتفخيخها لتندلع الحرب التي حال اندلاعها ستمتد ألسنة اللهب في كل الإتجاهات.

ويدفع شعوب المنطقة أثمانا باهظة التكلفة ويتم تسوية الطبخة النيئة لعالم من إثنين.. أحادي القطبية تسليما نهائياً أم متعدد الأقطاب يحفظ للكوكب الأرضي قدر من التوازن_ وإن ظل توازناً للرعب_. ويمضي عام كامل والعالم يدعو واشنطن العودة إلى رشد الإتفاق.

قراءة في الحرب إن وقعت

لكن تل أبيب لم تكن لتهنأ بعودة دفعت عبر وسائلها الصهيونية إلى اتخاذ قرار الإنسحاب. ولم تشأ مملكة الرمال أن تهنأ بثمة إنتصار في الجغرافيا السورية.. وشكلت انتصارات محور المقاومة كابوساً ثقيلاً على الذهنية الخليجية التي خططت في مسعاها إلى تحقيق إزاحة حقيقية للجيش العربي السوري وللدكتور بشار الأسد. بُغية الإنتشاء بفتح الملعب الإقليمي لتل أبيب من دون منازع.. ففي الذهنية الحاكمة كانت أن إسقاط الأسد ومعه الجيش العربي سيسلم سورية إلى تناحر داخلي يستمر لقرن من الزمان. وينقطع جغرافية المقاومة_ إيران.سورية.لبنان. والعراق الٱخذ في التعافي ضد المحتل الأمريكي.

وأن القاهرة منشغلة أو يتم إشغالها بمحاربة الإرهاب مبعوث غرفة تشغيله وتنظيماته في بلادنا مدعوماً وممولا من خزائن النفط على جانب، وعلى الجانب الآخر محاولات الخروج من الأزمة الإقتصادية. الأمر الذي يضع الثقل المصري خارج الفعل الإقليمي والدولي. وتذهب دول الخليج إلى تعميد اسرائيل في المنطقة وضد المصالح الجمعية للشعوب العربية.

ولما وجدت واشنطن أن عشرات الآلاف من الإرهابيين وعشرات الخزائن الممولة وعشرات من رجالات المخابرات المركزية والتركية والغربية والعربية، وتعدد الغرف التي يُدير الجنرالات الغربيين التنظيمات الإرهابية على الأرض.. والتحالف الدولي الذي تقوده واشنطن ويتألف من 60 دولة من بينها أكبر عشرة جيوش في العالم_ جيوش الناتو_ والحدود المفتوحة والمشافي التي تقدم العلاج للمصابين من النصرة وداعش وأحرار الشام وجيش الإسلام وجيش محمد، وعشرات أخرى من المسميات، وأسراب الطائرات الحربية التي تلقي للعصابات الإرهابية صناديق الأسلحة وصور الأقمار الاصطناعية والخرائط. وأصحاب الخوذ البيضاء.

أقرأ أيضاً:

  القادم أعظم والدم للركب في القصور الملكية

كل هذه المشروعات القذرة أصيبت بالهزيمة. في كل المعارك في الجغرافيا السورية. وتستجيب موسكو لطلب الحكومة السورية بالتدخل، فيصاب العقل المدير لمشروع إعادة المنطقة إلى العصور الوسطى بإسقاط الجيش السوري وإرهاق الجيش المصري بالشلل التام. ويتشكل في الميدان دول فريق المحور وفريق التحالف.

ليذهب ترامب إلى محاولة تأديب إيران على وقفتها إلى جانب سورية. ومعها حزب الله اللبناني. وتنسحب واشنطن من الإتفاق النووي بغية دفع الدول الكبرى الموقعة على الاتفاق لسلوك مسلك واشنطن، ولدفع طهران إلى الرضوخ للمطالب الأمريكية التي في أولها التخلي فوراً عن سورية وحزب الله، لكن الشركاء الأوروبيون صعقتهم مصالحهم عندما قررت إيران التحدي، والمعارك في سورية تقترب من الإعلان النهائي عن هزيمة الإرهاب وافلاس واشنطن.

ورأى ترامب أن الرياض لها في عنقه دين يساوي 650 مليار دولار هدية تم دفعها مقدما لنتيجة باتت مستحيلة، لا سقط الجيش العربي ولا تم إسقاط الأسد. في حين سقطوا جميعاً في كل العواصم.. رحل عن الحكم كل أطراف المؤامرة وبقي الجيش والأسد وإيران وحزب الله كمحور للمقاومة.

فيقرر ترامب بعد عام من الإنسحاب من الإتفاق النووي دون تحصيل أية مكاسب ضد محور المقاومة إرسال حاملة الطائرات ابراهام لينكولن إلى الخليج لإخافة طهران ودفعها إلى الخطوة الأولى نحو تفكيك محور المقاومة، ليبدأ عمليا سقوط ٱخر جبهات العمل ضد إسرائيل في المنطقة العربية.

وهللت السعودية وباركت الذهاب الترامبي إلى مقاتلة إيران، فتأخذ طهران الخطوة الدبلوماسية الأهم وترسل جواد ظريف إلى العراق ليصرح أن إيران مستعدة الآن لتوقيع معاهدة عدم الإعتداء مع دول الخليج، لتفوت بضم التاء وتشديد الواو وكسرها إيران الفرصة على المتشدقين بتهديد إيران للخليج.

أرادت إيران أن تغتسل من أدران إتهام العالم لها بحسبها تهدد أمن الخليج، وبالتالي إمدادات الطاقة. وأن تنتزع من أسانيد أمريكا في الخروج للحرب حجة أمن الخليج.. ورفضت دول الخليج الذهاب إلى دبلوماسية تفضي إلى توقيع معاهدة عدم التدخل واحترام السيادة مع إيران.

أرادت إيران أن تمهد الطريق لشرعنة ماهي مقبلة عليه في إطار التحدي مع الولايات المتحدة الأمريكية، فأعلنت أنها لا تسعى إلى الحرب مع واشنطن لكن إذا إرادتها أمريكا فستكون الحرب فرصة لطهران، فتصل الرسالة إلى البيت الأبيض ليكتب ترامب تويتة يقول فيها أنه “منتظر إتصال هاتفي من طهران”، ليأتيه الرد سريعاً وحاسما وملبيا لإرادة إيرانية في التحدي وخوض غماره إلى نهايته.

أقرأ أيضاً:

  مجموعة العشرين في قمة "استثنائية" برئاسة السعودية لـ"توحيد الجهود" ضد وباء كورونا

إن طهران لن تتصل بأمريكا ولن تقبل الحوار معها لأن الأمريكان لايصونون إتفاق ولاعهد لهم. وإذا رغبت واشنطن طلب الحوار مع طهران لن يكون مقبولاً مالم تعد واشنطن إلى الإتفاق النووي وأن ترفع كل العقوبات التي فرضتها على إيران، “هذا شرط قبول إيران للحوار”.

وتحاول البحرية الأمريكية في الخليج تجريب سياسة العجرفة وجس النبض بإطلاق طائرتها من دون طيار لتدخل المجال الذي تنبسط عليه السيادة الإيرانية وتفاجئها طهران بإسقاطها. وتحذير إيراني من معاودة ذلك وإيصال قدر من الحكمة والمقدرة أن إيران كان بإمكانها إسقاط المقاتلة الأمريكية التي كانت ترافقها وبمن على متنها من العسكريين.

ودول الخليج تمتعض من الأداء الأمريكي ومدى جدية واشنطن في حماية الرياض وحلفها مقابل المدفوع من المليارات، ” ناهينا عن لعبة أمريكا ترامب في فخ جمال خاشقجي“.

وتجرب أمريكا خيبة أخرى من خيباتها في الصراع باحتجاز الناقلة الإيرانية لدى حكومة جبل طارق الموالية لبريطانيا، بهدف الضغط على إيران لدفعها إلى الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية.

ليبدأ وضع جدول الشروط للتغطية على الخيبات الكبرى الإستراتيجية والعسكرية التي فقأت عين الصلف الأمريكي وحلف واشنطن في سورية. في واحد من أهم الميادين التي اختارتها وخططت لها جيداً أمريكا لمواجهة محور المقاومة مواجهة حسبتها الذهنية الكاوبوية مواجهة أخيرة وقاتلة للمحور ودفنه إلى غير رجعة ليبدأ العصر الصهيوني بالأحضان الإسرائيلية الخليجية وتنتهي حكاية فلسطين والعرب.

لكن طهران التي قبلت التحدي لخوض صراعاته للنهاية، كانت لها قول آخر غير ذلك الذي أرادته أمريكا وحلفها.. طبقت القاعدة.. ناقلة بناقلة.. بل وبناقلتين وبثلاث وبأربع.

وتذهب إلى إعلان تخفيض التزاماتها بالاتفاق النووي، وتعطي هي_ طهران_ زمناً محدداً باليوم والساعة للأطراف المقابلة، الأمريكي والأوروبي. ثم وفي الموعد تذهب طهران إلى تنفيذ ما تُهدد به بتخفيضها للإلتزامات، وتنفذ ما تعلن عنه.

وتدعي أمريكا وأوروبا أن احتجاز الناقلة الإيرانية كان لسبب أنها محملة 4,1 مليون طن بترول ومتجهة إلى سورية_ تماشياً مع وحدة محور المقاومة في صموده وتحدياته_.

وقررت واشنطن أن تعطي لحكومة جبل طارق تعهداً بعدم ذهاب الناقلة إلى سورية، وتمارس من فور إطلاق الناقلة والإفراج عنها سياسة التحدي التي تليق بالكاوبوي المتغطرس واعتقاده ملكيته لأنهار ومحيطات العالم ولا قانون غير قانونه، وأن ما استقرت عليه البشرية عبر ممارساتها وخوضها لحربين عالميتين من قواعد لا قيمة لها حال حضور المصلحة الأمريكية.

أقرأ أيضاً:

  هل ستجد قضية اغتيال خاشقجي طريقها الى العدالة؟

اتجهت الناقلة الإيرانية بطريقتها في إطفاء أجهزة الإرسال، وسارت في أكبر عملية تحدي لأمريكا وصلفها وعنجهيتها إلى طرطوس لتفرغ حمولتها إلى الشعب العربي السوري المقاوم. ليستدفيء أطفالنا وشيوخنا وسيداتنا في سورية عندما يحل الشتاء .

وقدم ترامب خطوة احتجاز الناقلة الإيرانية في جبل طارق إلى الرياض أنه عملا حاسماً في الصراع الدائر في اليمن، وأن التسويات ستطال إرغام إيران على وقف عمليات الحوثي لمساعدة السعودية في الخروج من مستنقع ما ذهبت إليه واعتبرته في البداية نزهة.

ولم تدخر الولايات المتحدة الأمريكية جهداً في صراعها وهي تمارس تحدي إيران بغية تركيعها، فقد لجأت إلى ماهي- أمريكا- متمرسة فيه دون أدنى أخلاق. فعرضت ملايين الدولارات على قبطان الناقلة ليقوم بالانصياع والذهاب بها إلى ميناء يريده ترامب، لكن الرجل أبى إلا أن يوصم السياسية الأمريكية بالعار .
ويستمر التحدي. ولم تجد أمريكا إلا أن تتشارك مع أردوغان في تسيير دوريات مشتركة في شمال شرق سورية.

إنها مسألة وقت.. وتعلن أمريكا كعادتها تخليها الكامل عن حلفائها وتهرول نحو مصالحها ملقية بالخلايجة من العربة ومن دون سابق إنذار، وهكذا فعل أوباما عندما فاجأهم بالتخلي ومن دون حتى إخبارهم، ألقى بهم من العربة التي وجه سيرها وسرعتها لوجهة توقيع الإتفاق النووي مع إيران.

تحدي بتحدي.. تُمارس إيران قواعد اللعبة.. تهديد بتهديد يعلن محور المقاومة، وعلى البيت الأبيض أن يبحث مع موسكو عن مخرج سياسي يمكنه من الخروج من سورية وسحب المائتي عسكري أمريكي من شرق الفرات، أو ليترك الصبي المدلل نتنياهو ينفذ وعده للناخب الإسرائيلي بعد غلق صناديق الاقتراع وتأليف حكومته اليمينية_ في حال فوزه_ في الإنتخابات الإسرائيلية يوم 17 سبتمبر الجاري، بالاعتداء على إيران لينفذ محور المقاومة ما وعد به بحرب كبرى مع إسرائيل.

لكن إرادة التحدي الإيرانية للأمريكي تبعث برسائل مهمة إلى دول المنطقة، هل هذه الرسائل محل إهتمام ودراسة؟، أم فوق القدرة على الإستيعاب..؟!

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق