صراع الخطوات لشرق أوسط جديد

تُقرع أجراس السلام ويُرفع آذان الفلاح مع مرور ذكرى وقف إطلاق النار في 12 آب 2006 من كل عام. وفي كل عام يشغلني الفضول مرةً بعد مرة إلى اكتشاف السر الكامن وراء ثقة السيد حسن نصرالله في كل حرف من كل كلمة يقولها وعلاقة ذلك بثبوت تحققها على أرض الواقع من تحرير جنوب لبنان عام 2000 مروراً بتطورات العام 2006 وحتى هذه اللحظة. فجاءت بعض من الإجابة عن ذلك السر على لسانه وفي ثنايا كلماته في أكثر من خطاب وأكثر من مقابلة. ولكن قبل الإشارة إلى ذلك السر ، سوف أستعرض معكم بشكل سريع ومقتضب بعض من المشاهد السياسية المفصلية، والغوص قليلاً في لعبة الخريطة وموقع الإسرائيلي منها، ونقاط الضعف ونقاط القوة للأطراف المتصارعة.

مخطط الشرق الأوسط الجديد: نقاط الضعف ونقاط القوة

منذ ما قبل إعلان وعد بلفور وحتى ما بَعدَ بَعدَه وعلى مدى الصراع العربي الإسرائيلي، كانت دائماً تقوم إدارات الدول الداعمة للكيان الإسرائيلي بدراسة الشارع العربي، وجس النبض، وجهوزية وقابلية الرأي العام، للقبول بإسرائيل كأمر واقع على خريطة الشرق الأوسط، ولطالما كان ذلك من نقاط القوة التي اعتمدت عليها تلك الإدارات واستثمرت فيها. وكان من إنجازاتها نجاحها في الدفع نحو إبرام اتفاقيات سلام بين بعض البلدان العربية وإسرائيل كالأردن ومصر، وتحقيق تقدم في فتح قنوات تواصل وتوقيع اتفاقيات بينها وبين بعض الدول الأخرى.

السيد حسن نصرالله
السيد حسن نصرالله

وبشكل متزامن مع توسع المستوطنات الإسرائيلية وصمت المجتمع الدولي، ظهرت عدّة حركات مقاومة مناهضة للاحتلال منها من خذلتهم الظروف نتيجة ضعف التخطيط وشتات الأمر والقرار ومنها من استطاعت تشكيل حالة جدلية جديدة من نوعها استطاعت تغيير معادلة موازين القوى والصراع في الشرق الأوسط.

وكان حزب الله نموذجاً بارزا في تلك الحركات، حيث لا يخفى على أحد بأنه تمكّن من دحر الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000، وإلحاق الهزيمة به في حرب تموز 2006. ومن جهة أخرى كان الإنجاز الوحيد لإسرائيل في تلك الحرب هو استخدام سياسة الأرض المحروقة وتدمير البنى التحتية والمباني وتكبيد لبنان خسائر مادية جسيمة. فاستطاع حزب الله أن يشكل معضلة حقيقية للكيان الإسرائيلي ومن خلفه الإدارات الأميركية المتعاقبة التي لم تتوان لحظةً عن دعم الوجود الإسرائيلي في الشرق الأوسط سياسياً. فلقد بدا ذلك واضحاً في خطاب كونداليزا رايس عندما صرحت عن مخطط لشرق أوسط جديد أثناء حرب تموز 2006. ولم ينتهي الأمر عند ذلك الحد، حيث استمر العمل على هذا المخطط بالتعاقب من إدارة جورج بوش إلى إدارة باراك أوباما فإلى إدارة ترامب مؤخراً حيث لم تهدأ خطوات ذلك الأخير في هذا الاتجاه.

أقرأ أيضاً:

  إيحاءاتٌ سعوديّة ملتبسة

يشاع عن ترامب بأنه الرئيس المجنون في بعض الأوساط العربية، ولكن بالتدقيق قد يكون الأمر غير ذلك فقد استطاع الوصول إلى سدّة الرئاسة بتأييد شعبي كبير كما استطاع تنفيذ كثير من الوعود التي أطلقها في برنامجه الانتخابي سابقاً. لقد عمل دونالد ترامب منذ توليه الرئاسة على قدم وساق لوضع مخطط الشرق الأوسط الجديد (الحلم الموعود لليهود الذين يشكلون قوة اقتصادية كبرى في أميركا) قيد التنفيذ.

فمنذ اللحظات الرئاسية الأولى لترامب في العام 2017 سارع إلى إعلان القدس عاصمة للكيان الإسرائيلي بهدف تسويق قبول فكرة إسرائيل دولة الأمر الواقع وبيع ما تبقى من حلم حق العودة والقضية الفلسطينية. فكانت بعد ذلك خطوة ترامب الثانية بتنفيذ ما سبق أن أعلن عنه، بنقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس في العام 2018. وفي السياق نفسه، تمت دراسة آليات التنفيذ للخطوة الثالثة في العام 2019، فكان ترامب عرّاب انطلاق مؤتمر البحرين الاقتصادي، الذي تم بحضور عربي وإسرائيلي، والذي كان يرجى منه تطبيق خطة السلام العربي الإسرائيلي (صفقة القرن) بمقابل تقديم دعم مالي واقتصادي للدول العربية المشاركة.

وبدى الأمر للبعض كأنه مزاد لبيع قطعة أرض تدعى فلسطين، فيما اعتبره البعض الآخر حل نهائي للسلام في الشرق الأوسط. وبين مؤيد ومعارض، كان الموقفين الفلسطيني واللبناني الرافض لصفقة القرن وحضور مؤتمر البحرين هما الأبرز.

فلقد سعى ترامب بخطوات استباقية إلى إرسال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بزيارة لبلدان الشرق الأوسط، لحشد التأييد العربي لمؤتمر صفقة القرن و لتقييد حركات المقاومة سياسياً وديبلوماسياً. إلا أن هذه المساعي لم تكن كافية للنجاح في اقتناص مواقف مؤيدة من لبنان حيث أكدّ كل من الرئيس ميشال عون ودولة الرئيس نبيه بري ووزير الخارجية جبران باسيل مواقفهم الداعمة للمقاومة ورفض صفقة القرن.

كما أكدّت السلطات الفلسطينية رفضها لصفقة القرن والحضور في مؤتمر البحرين الاقتصادي الرامي لتحقيقها، فلم تنجح خطوات ترامب في إحراز التقدم المنشود على صعيد تحقيق التطبيع العربي-الإسرائيلي وبيع القضية الفلسطينية. وبقيت الورقة الرابحة الوحيدة بيد ترامب هي تطبيق خطة التضييق الاقتصادي من خلال فرض مزيد من العقوبات على إيران، الداعم الأساسي لحزب الله اللبناني، دون الانجرار إلى حرب عسكرية تكبده خسائر في أصوات شعبه الانتخابية وفي السياسة والاقتصاد.

أقرأ أيضاً:

  الخالصي : على دول الجوار ان يكونوا اصدقاء للعراق لا اعداء له

بالمقابل، كان يوجد تحركات مناهضة لتلك الخطوات الأميركية والإسرائيلية، وأيضاً لها نقاط ضعف كما لها نقاط قوة.

مكامن القوة لحزب الله ومكامن الضعف

بغض النظر عن الآراء المختلفة حول حزب الله “الميليشيا” أو حزب الله “المقاومة”، فقد استطاع ذلك الحزب بطريقة أو بأخرى من فرض نفسه كجزء من نسيج المجتمع اللبناني؛ حيث تتكون تشكيلاته وقياداته منذ نشأته من أبناء الجنوب والبقاع وبيروت والشمال من مختلف المناطق اللبنانية. فكان التخطيط الاستراتيجي والتنسيق والتعاون بين وحدات الحزب وبين القواعد الشعبية التي انبثق منها الحجر الأساس لنجاحه سياسياً وتعاظم قوته واستمراره .

وبعيداً عن موقفي الشخصي سواء سلباً أم إيجاباً، وبكل موضوعية، جميعنا يعلم بأن أمين عام هذا الحزب السيد حسن نصرالله لصدفة أو لسببٍ ما، إن قال فعل وإن وعد صدق، و باعتراف الكيان الاسرائيلي نفسه، لذلك لا يمكن أن يلقي نصرالله خطاباً أو يصدر عنه كلاماً إلا ويكون الجميع مرغماً بالسمع، للبحث والتداول بما يرد عنه في الجلسات والمخططات السرية والمعلنة.

لنصرالله عالم الدين الشيعي تجربة خاصة يصعب مقارنتها مع أي شخصية سياسية أخرى، فقد شهد حزب الله نهضة حقيقية في صفوفه عديده وعتاده وأهدافه وإنجازاته منذ توليه الأمانة العام لحزب الله بعد إغتيال الأمين العام السابق للحزب السيد عباس الموسوي.

فسرعان ما صدح اسم حزب الله متصدراً نشرات الأخبار مع الإعلان عن تحرير القرى الجنوبية في العام 2000. فكان لذلك محطة مفصلية في تاريخ الحزب وتوسع قاعدته الشعبية وزيادة الدعم المعنوي والمالي والعسكري له من الأفراد وبعض الدول وبخاصة إيران. وكان ذلك نقطة قوة شكلت انطلاقة نوعية لحزب الله زادت من مستوى نفوذه وشبكة علاقاته داخل لبنان وخارجه.

استمر الحزب بكسب النقاط ولا يزال رغم كل الصعوبات ورغم محاولات التضييق عليه، من تحرير الأراضي الجنوبية باستثناء مزارع شبعا إلى وقف إطلاق النار في تموز 2006، ومن ثم تحرير عميد الأسرى لديه ’’ الشيهيد ‘‘ سمير القنطار وعدد كبير منهم عام 2008، يليه دخوله سوريا ومحاربة داعش بمؤازرة الجيش السوري (الذي يصفونه البعض بشبيحة الأسد) إلى مؤازرة الجيش اللبناني في معركة فجر الجرود في عرسال، وحتى تحقيق المكاسب السياسية أخيراً في الانتخابات النيابية لعام 2018 والتمكن من المشاركة بالحكومة الحالية بوزارة سيادية.

أقرأ أيضاً:

  "الصورايخ من سوريا كانت بأوامر نصر الله"

لم تكن كل تلك الإنجازات بعد البحث والتدقيق محض صدفة. فبمتابعة نصرالله في كل مرة يتحدث فيها، ينكشف الغطاء عن سر تلك المكاسب والإنجازات. الحزب يرتكز في عمله على دعامات قوية تتمثل بحسن التخطيط والتنظيم والإدارة في التشكيلات وتوزيع الأدوار وهذا ما أشرت له سابقاً. فإن عمل الوحدات في الحزب لا يقتصر على العمل العسكري فحسب إنما هناك خلايا عمل متكاملة فيما بينها من حيث التعبئة العقائدية واستقطاب القواعد الشعبية، وجذب واستثمار الدعم المالي، والتنسيق الإعلامي والعسكري والثقافي والاجتماعي و الجهادي و الاستشفائي والسياسي.

فحتى مقولة “ولى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات” التي أطلقها السيد حسن نصرالله لم تكن عبثاً، وقد يكون الإسرائيلي يعلم ذلك أو لا يعلم ولكن مؤكداً أن ما قبل هذه المقولة ليس كما بعدها وبالتالي فإن من الحكمة، الأخذ بعين الاعتبار كل ما سبق ذكره وتأني الحذر عند اتخاذ أي قرار إسرائيلي أو أمريكي بشأن حزب الله.

فالتجربة أثبتت أن السيد نصرالله حين يقول شيئاً إنما يقوله نتيجة رؤية مستقبلية ثاقبة مبنية على الجدية في العمل وعلى أسس علمية ودراسات استراتيجية ومتابعات وقدرات استنباطية و استشرافية للمستقبل. ومع ذلك تظل نقطة الضعف الأبرز لحزب الله هو ضعف الإمكانيات المادية لديه وغياب التأييد العربي الكامل له وهذه نقطة ضعفه الأبرز.

ولا أعلم إن كان خطاب السيد نصرالله بمناسبة ذكرى تأسيس جهاد البناء الـ 31، فيه شيء من الرسالة المبطنة إلى السلطات الفلسطينية وكذلك السورية للتنسيق والتعاون من أجل مخطط جديد يريد له إبصار النجاح في القضاء نهائياً على مخطط الشرق الأوسط الجديد والسلام العربي-الإسرائيلي.

قد أكون مخطئة، ولكن إن استعراض كل تلك نقاط القوة للحزب وشرحها في الخطاب المذكور، ما هو إلا تقديم نموذج للفلسطينيين لكي ينطلقوا منه نحو المشاركة الفاعلة بتحرير فلسطين. ويؤكد بعض من ذلك ربما، دعوة السيد نصرالله السلطات الفلسطينية إلى توجيه ضربة موجعة لإسرائيل من خلال وقف التنسيق الأمني بين الطرفين إضافة إلى تطبيق وقف العمل بالاتفاقيات السابقة.

فهل تستجيب السلطات والحركات والفصائل الفلسطينية للتعاون مع حزب الله في لبنان وتحذو على حذوها أم تتجه نحو خيار السلام الدائم مع إسرائيل؟ سؤال إجابته ستبقى رهن تقرير الشعوب في الأيام القادمة من صراع الخطوات.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock