طبيعية… مرفوضة… ومطلوبة

شخصٌ مؤمنٌ، معروف بهذه الصفة، مسلكيته تشهد له دون إفساح المجال لأي شكل من وجوه الشك كي يدخل ويُعَكِّر المشهد، رآه أحد معارفه ـ والذي تربطه به علاقة وطيدة ترسَّخت مع مرور ما تيسر من احتكاكات جمعتهما فيما مضى من زمن معاشرتهما لبعضهما البعض ـ في موضع مشبوه، أو في وضعية لا تليق بمعاشر الصلحاء من أمثاله وغيرهم من الذين تصدق عليهم مقولة الباري(جلَّ وعلا): “سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ“، فبدأت الأفكار الباطنية والمُخَيَّلات الذهنية تعمل عملها وتُشَغِّل محركاتها في عقل مَن رأى ذلك المشهد “المدهش”، والذي غدا في حالة من التعجب من غرابة ما نقلت له عيناه.

إذا توقفنا عند هذا الحد، نخاطب “المدهوش” ونخفف عنه بالقول “مجرد تحرك هكذا أفكار باطنية يُعتبَر في خانة الورود المعقول والطبيعي طالما أنه لا زال في دوامة النظر المجرد في الذهن، وإن اعتبره البعض مرفوضاً استناداً لمعرفتك بماهيَّة الشخص المعني ووثوقك الذاتي بأنه مُنَزَّه عن أية رذيلة أخلاقية وغيرها من منزلقات الشهوة البشرية، ولكن انطلاقاً أن المرء غير معصوم والعبرة بخواتيم الأمور، فلا بأس أن نُصَنِّف هذا العروج الذهني بالحالة الطبيعية، فالإنسان لا يستطيع السيطرة على خواطره الذهنية وما يمكن أن يجول في باله من أفكار ـ بشقيها السلبي والإيجابي ـ ونحوها.

أما الآن، بعد أن جالت الخواطر في أروقة الذهن تاركةً ما هبَّ ودبّ ومُخَلِّفةً وراءها ما تيسَّر من الآثار التي تحمل رصيداً وازناً في أخذ الأمور إلى منعطفاتها المتضاربة ومقاصدها المتضادَّة، يأتي موعد تصويب الأمور وتسديد النصيحة لكل مَن صادف ـ أو قد يصادف ـ هكذا مواقف، بالقول: منهجان قد يطرآن، نختصر وصفَيْهما بالتالي: مرفوضٌ ومطلوب.

أما الأول، فهو إساءة الظن وأخذ الأمور على محاملها السيئة وتوجهاتها التشاؤمية، والعذر ـ الباطل ـ هو فضاحة المشهد ووضوح ظاهره اللذان يُغنيان المتأمل عناء التفكير ويدفعانه للبتّ رأساً بما يُمليه عليه هَواه الشيطاني.

والثاني، هو السعي للتحقق من ماهيَّة الموضوع، وجوهر هذا التوجه يكمن ـ بكل بساطة ومنتهى البداهة ـ بمواجهة صاحب العلاقة والاستفسار منه ومعرفة ملابسات المشهد. فإن كان خيراً، كما هو مُؤمَّل ومرجو، فأنعِم به وأكرِم. وإن كان خلاف ذلك، كما هو مُستبعَد وخلاف المُتَوَقَّع، فتأتي خطوة التصرف وتدارك الأمور وإعادة التصويب بالحكمة والموعظة الحسنة، لاستنقاذ مَنْ أضلَّ الطريق والعودة به إلى الجادة القويمة والصراط الحسن.

مثاله البسيط: إذا رأى أحدهم أخاه المؤمن يتردد إلى مكان تُرتكَب فيه المحرمات المتعارفة (شرب للخمر، ممارسات مع الجنس الآخر خارج الإطار الشرعي، وغيرهما… أجارنا الله وإياكم)، فمجرد ورود الأفكار الذهنية على فكر المراقِب يُعتبَر أمرٌ طبيعي ومُتَفَهَّم للوهلة الأولى باعتبارها مسألة غير إرادية.

أما الخطوة المرفوضة فهي أن يظن به سوءاً ويعتبره مشاركاً في هذه الأعمال المقبوحة، فلربما كان يتردد لمحاولة انتشال مَن غرَّته الدنيا وغرق في وحولها القذرة، فقد جاء في الخبر ما مفاده “قال ﺃﻣﻴﺮ ﺍﻟﻤﺆﻣﻨﻴﻦ (عليه ﺍﻟﺴﻼﻡ) في كلام له:

ﺿﻊ ﺃﻣﺮ ﺃﺧﻴﻚ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺴﻨﻪ ﺣﺘﻰ ﻳﺄﺗﻴﻚ ﻣﺎ يغلبك ﻣﻨﻪ ﻭﻻ ﺗَﻈُﻨَﻦَّ ﺑﻜﻠﻤﺔ ﺧﺮﺟﺖ ﻣﻦ ﺃﺧﻴﻚ ﺳﻮﺀﺍً ﻭﺃﻧﺖ ﺗﺠﺪ ﻟﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺨﻴﺮ مَحْمِلًا “.

والإقدام المقبول والتحرك المطلوب هما مكالمة أخيه المؤمن واستبيان حقيقة تردده إلى هذا الموضع المرفوض، فإن كان لأهداف صالحة دعا له وآزره على ذلك إن أمكن، وإلا حرَّك وسائل الهداية وأنقذه مما هو فيه، رُوِيَ في محله ما مؤداه {قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

” إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْشَاهُمْ فِي أَرْضِهِ بِالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِهِ “.}.

إِذاً أيها العزيز، بين الطبيعي، المرفوض والمطلوب، حذاري من الوقوع في المحظور، والتورط في كمائن الظلم حتى لو لم يكن مقصوداً. نُقِل في مورده ما معناه {عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

” مَنْ أذاع فاحشةً كان كمبتدئها، ومَنْ عَيَّر مؤمناً بشيءٍ لم يَمُتْ حتى يَرْكَبَهُ “.}.

[وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ].

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock