طلبٌ “رسميّ” لتدخلٍ عسكريٍّ أميركيّ في الجرود !

عبدالله قمح | لن تكون هناك استراحة محارب مع التفرّغ من “جيبِ” جبهةِ النصرة في جرودِ عرسال؛ بل سيستأنفُ الرعاة، عسكر ومفاوضون، عمليّة تنظيفِ الجرودِ ملوّحينَ إمّا بالعصا أو بالجزرة، وما على العسكر إلّا التطهير.

ثمّةَ حديثٌ يتداوله أكثر من طرفٍ داخليّ عن مفاوضاتٍ يجري خوضها بطريقةٍ غير مباشرة مع “داعش” لإقناعه بمغادرة المواقع التي يحتلّها في جرود رأس بعلبك والقاع دون قتال، لكنّ المُشكلة تكمنُ في أنّ الوسيط المكلّف إدارة المهمّة “ليس موثوقاً به بما يكفي”، وبالتالي لا يمكن تحميله أكثر ممّا يحتمل. أمور التفاوض لا يُخفِيها مديرُ عام الأمن العامّ اللّواء عبّاس إبراهيم الذي كشف عن أنّ هناك “وسيطاً للتفاوض مع داعش” لكنّه لم يُقدّم أيّة معلوماتٍ إضافية.

ممّا لا شكّ فيه، أنّ ملفّ العسكريين المخطوفين ومصيرهم ينغّصُ على الجيش معركته القادمة في جرود رأس بعلبك والقاع، لكنّ القيادة، وعلى الرغم من حساسيّة الوضع، أنهت كلّ الترتيبات اللوجستية المكونة لـ “معموديّة النار” تحضيراً وجهوزيّة. وتشيرُ معلومات “ليبانون ديبايت” المسنودة على تقاطعِ مصادر، أنّ الجيش حشدَ في الخطوط الخلفيّة ما يقارب الـ4000 عسكريّ موزعين على فَوْجَي المغاوير والمجوقل، وفوج التدخّل الأوّل، واللّواء التاسع، وفوج المدفعيّة المُعزّز بكتيبة مدرعات، ما يُعطي صورةً عن أنّ ما يُحضّر يذهب نحو إمكانيّة حصول عمليّة اقتحامٍ وتوغّلٍ نحو الأودية باستخدام الدبّابات.

غير أنّ مثل هذه الخطوة تحمل أبعاداً كثيرةً خطرةً وتحتاج أوّلاً وقبل كلّ شيء إلى تأمين تقدّم قوّات الجيش المسنودة بالمدرّعاتِ من الجوّ، أي أنّ القوّات المُتقدّمة بحاجةٍ إلى إسنادٍ ناريٍّ جويّ يتمّ على مرحلتين:

  • الأولى تبدأ كتمهيدٍ ناريٍّ قبل دخولِ العمليّة البريّة حيّزَ التنفيذ، ويُستَفَاد منها بتدميرِ القبضاتِ الصاروخيّة الثابتة المُضادّة للدروع وإسقاط المواقع الكاشفة لمحاور تقدّم القوّات المُقتحمة درءاً لعملياتِ الاستهداف المُباشرة أو القنص، ما يُعطها راحةً في العمل.
  • الثانية تأمين مظلّة جويّة لتقدّمِ القوّات في الميدان، وتشكيل “زنّار نارٍ” يحمي هذا التقدّم، بالإضافةِ إلى تأمين مظلّةٍ تُواكِبُ التقدّم البرّيّ لحظةً بلحظةٍ، وتُزِيلُ من أمامِه عقبة أساسيّة متمثّلةً بالقبضات المتنقّلة، الأسلحة المُوجّهة أو غيرها.

أقرأ أيضاً:

السفارة الأميركية في بيروت تُذكّر بـ قانون قيصر

ومن المعلوم، أنّ الجيش اللّبنانيّ يَفتقدُ إلى هذه القدرة الوظيفيّة الأساسيّة في الميدان. وفي محاولةٍ منه لسدِّ الحاجة، اختُبِرَ قبل أيّامٍ قليلةٍ طائرات “السيسنا” التي نفّذت إغاراتٍ نحو عددٍ من الأهداف على شكلِ استطلاعٍ ناريّ، لكنّ تلك الضربات وعلى قدرِ أهمّيتها، لا ترتقي إلى مستوى تأمين غطاءٍ جوّيٍّ – ناريٍّ مُستدَامٍ ولساعات، كون وظيفة هذه الطائرة هي دفاعيّة لا هجوميّة، وقدرتها على المناورة محدودة.

إذاً؛ ظهر خللاً في عمليّة تأمين تقدّمِ القوّات من الجوّ، وثَبُتَ أنّ هناك حاجةً لهذه المِيزة انطلاقاً من دراسةِ الأسلوبِ الذي استُخْدِمَ في هجومِ جرود عرسال الأخير. على المقلبِ السوريّ للجبهة، كانت المُقاتلات السوريّة تدكُّ مرتفعات قارة للمرّة الأولى، ما أوحى أنّ هناك تحضيراً سوريّاً يأتي بالتوازي مع التحضيرات اللّبنانيّة على الجبهة، ما طرح إمكانيّة الاستعانة برمياتٍ جوّيّة سوريّة تستهدفُ المواقع المرتفعة في الجزءِ اللّبنانيّ.

ويتسلحُ الجانبُ الذي طرح الفكرة بنجاعةِ تلك الضربات في جرود عرسال. وعلى أهمِّيتها، سمحت بتعزيزِ تقدّمِ قوّات حزب الله، وأثمرت تراجعاً للمسلًحين إلى الخلف و “إعمائهم”. لكنّ الطّرح، حسب مصادر عديدة يصطدمُ باللاءاتِ المرفوعةِ من السلطة السياسيّة الرافضة لأيّ تنسيقٍ رسميٍّ بين الجيشين اللّبنانيّ والسوريّ “عملياتيّاً” ما يقفُ حائلاً أمام استثمار القدرات.

لكن تلك الموانع، لا يُقام لها وزن عند حضور الوقائع الميدانيّة التي يفهمها الجيش جيداً ويبني ملاحظاته عليها، وهو عند قرع طبول الحرب، لن يجد نفسه بعيداً عن التنسيق، بقرارٍ او بدونه، في استعادة لمشهد معركة جرود عرسال التي كان فيها الحيش يقيم شريط نار على طول خط الحبهة من الحهة اللبنانية تماماً كما فعل الجيش السوري على الطرف المقابل للحبهة.

وبينما يدور الجِدَالُ حول البدائل لعمليةِ تقدّمِ “العسكر” ومنها استخدام غزارةٍ ناريّةٍ صاروخيّة عوضاً عن الجوّيّةِ على بنكِ مواقعٍ بات بحوزةِ الجيش، تسلّل إلى الحلقة اقتراحٌ تقدّمت به إحدى الجهات، وفحواه الاستفادة من وجودِ قوّاتِ التحالف الدوليّ وخُططها في اجتثاثِ “داعش”، عبر إرسال طلبٍ رسميٍّ إليها، يطلب توفير مؤازرةٍ جوّيّةٍ للجيش خلال عمليّاتهِ، لكن من يطرح هذه الفكرة سقط من بالهِ أنّ لبنان ليس كالعراق.

أقرأ أيضاً:

'من قمح عينيك سنملأ الدنيا سنابل'.. اللبنانيون يبدؤون المعركة

ويبني مروّجو هذه النظريّة على المستوى السياسيّ، إلى الدعم الذي تلقّاه الجيش اللّبنانيّ من الإدارةِ الأميركيّة من خلال الزيارات المتتالية لقائد المنطقة الوسطى الأميركيّة جوزيف فوتيل والمواقف الصادرة عن واشنطن، التي تُتيحُ تقديمَ هذا الطلب، إلّا أنّ الجيش الذي تواردت إليه هذه المعلومات، انصرفَ إلى مزيدٍ من التحضير وإجراء قراءة واسعة للميدان تُرجِمَت من خلال “استطلاعٍ ناريٍّ” أُجْرِيَ عبر مُقاتلات “سيسنا”.

لكن طرح أمرٍ من هذا النوع له عقبات عدّة قد تفتحُ الباب لتتحوّل إلى أزمةٍ، وتكون مقدّمة لإشكاليّةٍ تطوّق العمليّة ثمّ يحدّ من دور حزب الله على الضفّة السوريّة، إذ لا تُخفي مصادر معنيّة وأخرى خبيرة وثالثة متابعة أنّ الحزب سيكونُ جزءاً من هذه المعركة وله دور أساسيّ من جهتها السوريّة، وفي حال “الدخول الأميركيّ”، سيجدُ نفسه مضّطراً إلى المُغادرة واتّخاذ صفة الدّفاع بدلاً من الهجوم.

عسكريّاً، تتوزّع سيطرة تنظيم داعش بحسب مصادر معنيّة، على مساحةٍ تُقدّر بـ 195 كلم مربع، تُضاهي بجغرافيّتها تلك التي في جرودِ عرسال، حيث تتمركزُ غالبية مواقع التنظيم والتي تُقدّر بـ35 موقعاً على سفوحٍ جبليّةٍ قاسيةٍ ومرتفعة (كـ”حليمة قارة” 2400م) تبدأ من آخرِ قاطعٍ في وادي حميّد؛ أيّ في الجزء الجنوبيّ للإمارةِ لتطلّ مواقعه على معبر الزمراني وواديي ميرا ومرطبيا، وتمتدّ شرقاً إلى جرود بلدة قارة والجراجير السوريّتين، وشمالاً إلى جرودِ القاع، فيما يتوزّع مقاتلو داعش على ثلاثة قواطع عسكريّة هي الزمراني، ومرطبيا – جرود قارة – الجريجير، وتخضعُ لقيادةٍ مباشرة من أمير داعش “موفق أبو السوس” وأميره العسكريّ أبو البراء الجريجيري.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق