عون : الأصولية إنتهت حين ولادتها

عامر ملاعب /
لا يمكن الحضور في مجلس رئيس تكتل “الإصلاح والتغيير” العماد ميشال عون دون التبحر في آفاق عامة وشاملة من السياسة الى الدين والشرائع والتاريخ وكل نواحي الحياة. ولا بد في حضوره من استذكار الماضي القريب والبعيد لأخذ العبر وتأكيد الموقف والرأي والدور والإستنتاج.

الوصول الى “الرابية” يستلزم إجتياز عدة محطات أمنية ونفسية، فالأمن، عبر مؤسسة الجيش، يشكل طوقاً متيناً حول المكان إلا أن الإبتسامة لا تفارق عناصر الحواجز، والعامل النفسي يفرض شروطاً ورقابة ذاتية في كيفية الحوار واللقاء مع “سيد البيت المتواضع” الرابض على كتف تلك التلة الجميلة.
هذا في الأيام العادية فكيف ونحن على بعد أيام من تاريخ 14 آذار حيث أنه تاريخ يعز على قلب صاحب الدار، وهو المصنف في خانة “أب السيادة وصاحب شعار الاستقلال” وهو “المزارع الخبير في شؤون الأرض ونباتاتها، والحوار مهما كان صغيراً أو كبيراً يجعله شيقاً. خاصةً وأن الضيوف هم من “اللقاء الإعلامي اللبناني” وحوارهم لا يلتزم القضايا اليومية، إذ سريعاً ما يستذكر الرجل المراحل السابقة ومحطاتها ولا يتوانى عن إخراج ملفات قديمة من درج الطاولة، وهي مزيج من أرشيف الصحف والمقابلات والتصريحات والمحاضرات، ليؤكد القول “نحن لا نذكّر بهذه الآراء للإستعراض بل لإسقاط تلك التجارب على الواقع اليوم وعدم تكرار الخطأ وتدفيع الناس الثمن”.
ويضيف بعرضٍ موجز “الذي يحصل اليوم طبيعي من حيث الشكل حين “تتيّبَس” الأنظمة في لبنان والعالم العربي ولا تشارك مواطنيها في صنع القرار سيلجأ القسم الأكبر منهم الى شتى الأساليب وعلى رأسها “الدين” أو الشعارات الدينية، وهذا ما رأيناه مثلاً في تجربة الثورة البولونية حين لجأت الحركات الثورية الى الكنيسة كي تحمي نفسها من بطش السلطة، وهذه الأصوليات تستلهم الماضي، لكن هذا الماضي لو كان صالحاً جداً لما تغيّر، وما كان يناسب الأيام الغابرة تلك لم يعد يناسب اليوم”. ويستدرك ليضيف “إلا أن في منطقتنا العربية هناك من يدفع هذه الجهات المتطرفة للتخريب بهدف فرض السيطرة والسلطة وبسط النفوذ، وهذا ما يؤرقنا في الحرب على سوريا وفيها، وهي تشهد ساحة صراع قاسٍ، وما كل هذا المنحى المتطرف الا لتبييض صفحة عنصرية “اسرائيل” في المنطقة وتبرير طروحاتها ووجودها ودورها التخريبي في محيطها”. ويستنتج بألم “كان الله بعون كل الشعوب التي اكتشفت تحت أرضها او في بحرها مواد أولية ونفط، والمناطق الأكثر حماوةً في هذه الأيام هي المناطق التي النفطية أو المرشحة كي تكون”.

إلا أن الأجواء التشاؤمية سرعان ما يرفضها العماد “كل هذه العصبيات والتطرف لا يمكن أن تكتب له الحياة، والأصولية على ما يبدو قد ماتت قبل أن تولد، وما الدول التي تشهد مخاضاً عسيراً الا دليل على صحة ما نقول، وكان لا بد من أن ترى الشعوب تجربة هؤلاء في السلطة كي تحكم عليهم”. ويتابع “لا بد من الإنتباه الى ان هناك تراجع واضح للنفوذ الأميركي والغربي في المنطقة وهذا بالطبع لن يكون بالأمر السهل ولن تسمح بتقدم نفوذ دول “البريكس” مثلاً على حساب نفوذها…. وهناك ملاحظة أخرى لا يمكن إغفالها وهي أن الحروب الأميركية مكلفة جداً وتكبد الإقتصاد مبالغ باهظة ويصعب عليهم استخدام العنصر البشري بشكل مباشر في الحروب. هذا التحول سيشهد مخاضاً عسيراً علينا لا يمكننا إلا التمني والعمل للحد من أضراره وإنعكاساته على مجتمعاتنا وعدم إنزلاقها الى الحروب الأهلية والتقاتل الداخلي”.

وعلى الصعيد الداخلي اللبناني تتشعب آراء ومواقف الجنرال، ومعظمها معروف، الا أنه يقارب المسائل أولاً من منطلقات أخلاقية وثمنها الوطني، ويؤكد “حين أتحدث عن دولة خليجية بشكل عام تقوم القيامة ويتهدد اللبنانيون برزقهم وعيشهم في تلك الدول وانا لم أقل ما هو خارج ميثاق جامعة الدول العربية بوجوب عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بعضها بعضاً، وأرفض أي ضرر قد يحصل على أيٍ كان في هذه الدول، وخاصةً للذين يعملون في هذه الدول، وكذلك بالمقابل نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية”.

ولا ينسى الجنرال “المحطات الوطنية من تاريخنا حين حملنا على عاتقنا التصدي لكل الفتن، من موقفنا مع بداية حرب تموز، وهي بالمناسبة ليست مرتبطة بوثيقة التفاهم، بل من منطلقات وطنية وقناعة راسخة لا تتزحزح أن شعبنا يتعرض لهجمة همجية علينا أن نقف يداً واحدة، الى كل ما جرى في المراحل اللاحقة ويعرفه الناس وتلمسه المواطن في كل يوم. واليوم أيضاً تقع ملامتنا على كل من يتخاذل في مواجهة الفتنة التي لا تقل سوءاً عما ارتكبه هذا الفريق خلال العهود الماضية من نهب وسرقة للمال العام وما تزال الطبقة ذاتها تمارس فجورها بالقبض على مفاصل الإدارة والقصف الإعلامي الغرائزي الفتنوي”.

ولا يخفي العماد عون إنتقاده أداء رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تجاه ملفات عديدة ويسأل “هل تكون سياسة النأي بالنفس النأي عن معالجة ملف الأصولية وهي على محيط منزله؟”.
ولا ينسى أن يذكّر “كما نقول دائماً خلافنا ليس مع الطائفة السنية بل مع أشخاص ينتمون الى هذه الطائفة أو غيرها، والطائفة الكريمة جزء ومكوّن أساسي من مجتمعنا ولهم الدور الوطني الكبير ونحن بحاجة الى لمّ شمل كل مكوّنات هذا الوطن، والمحاسبة لا تعني استهداف فئة بل مرتكبون محددون وهذا ما نطالب به”.
والحوار مع دولته لا يمكن أن ينتهي دون التوسع الى ما هو أبعد من السياسة أو المهاترات اليومية فهو يعوّل جداً على بناء رؤى مستقبلية خلّاقة فيسهب في الحديث عن ضرورة العمل على تطوير أنظمة الطاقة البديلة وحفظ الموارد للأجيال المقبلة، ويولي موضوع تشكيل “صندوق النفط” أولوية مطلقة في توجيه أي انتاج نفطي في لبنان الى التنمية ويمكن ذلك من خلال ترك الدولة تطفئ الدين العام في مقابل تحويل أموال النفط الى مشاريع إنمائية من أجل المستقبل”.
ويختم بالقول “كثير من البلدان مرت بظروف حكم المافيات وتمكنت من الخروج منها، ولبنان ليس استثناءً فإنه سيخرج من هذا الواقع ولن يعود الى تلك العهود طالما هناك مناضلون وشرفاء يقفون بالمرصاد”.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock