عون خارج الحكومة: تكرار لتسونامــي 2005؟

مشهد التطورات السورية لا يلهي الاطراف اللبنانيين عن مفاوضات قانون الانتخاب وتشكيل الحكومة، رغم علمهم المسبق بأن حرب سوريا هي وحدها المؤثرة في المسار اللبناني

هيام القصيفي

يطوي الرئيس المكلف تمام سلام أسبوع تكليفه الثاني من دون أن يتمكن من تقريب وجهات النظر، ليس بين قوى 8 و14 آذار فحسب، بل بينه وبين رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط. جلّ ما خلص إليه الاسبوع الثاني، إذا استثنينا السباق نحو الفراغ، سؤال بات محكّ التجاذبات السياسية: أيهما يسبق قانون الانتخاب أم الحكومة؟ واستطراداً أيهما يأتي بالآخر: قانون الانتخاب الوفاقي الذي سيسمح بإجراء الانتخاب ولو بتأخير تقني، ويأتي بحكومة تشرف عليها؟ أم محاولة تشكيل حكومة لتستولد قانون انتخاب لا أحد يعرف تاريخ صدوره ولا موعد إجراء الانتخابات على أساسه، ما يعني حكماً عدم السماح بتشكيلها؟

بين هذين الحدّين يلعب الطاقم السياسي، وخلفهما طواقم السفارات المعنية التي تتحرك من دون أي مواربة على خط الحكومة العتيدة، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات السورية. والجميع يراكم، تبعاً لذلك، أوراقه ترقباً للاجتماع المرتقب بين الرئيسين الأميركي باراك أوباما والروسي فلاديمير بوتين في تموز المقبل.

يقول أحد وزراء الحكومة المستقيلة: «لم نكن يوماً وثيقي الصلة بالازمة السورية مثلما نحن عليه اليوم». وهذا يعني أنه بعد الحديث الأخير للرئيس السوري بشار الاسد، والتطورات الميدانية في الحرب السورية، وهو تعبير شدد الاسد على استخدامه، ودخول الأردن على خط الازمة من زاوية مختلفة بعد الكلام عن نشر مئتي جندي أميركي عند الحدود المشتركة مع سوريا، وموقف حزب الله العلني في الحرب السورية، لا يمكن أي لبناني عاقل أن يتفاءل بأن الحكومة ستولد من دون عوائق، وأن سلام سيتمكن من إخراج لبنان من أتون الحرب السورية بلا أي أكلاف.
ولكن السقف الإقليمي للأزمة اللبنانية لا يمنع أن ثمة هامشاً تتحرك فيه جميع الأطراف لتعزيز مكاسبها في الوقت الضائع، على خطي قانون الانتخاب وتشكيل الحكومة. ومن بين هؤلاء يتحرك العماد ميشال عون.
رافقت اللحظات الاولى لتكليف سلام محاولة لاستيعاب الانقلاب السعودي بكل ارتداداته، مترافقة مع جو طغى في حينه أن عون سيقاطع الاستشارات. لكن عون، وإن لم يزر القصر الرئاسي لاعتبارات تتعلق بالعلاقة بينه وبين رئيس الجمهورية، ماشى حليفه، ولم يسلم من انتقادات أخصامه من أنه وافق مرغماً بعدما أفتى حزب الله بالتسمية.
ظهر عون، تبعاً لذلك، كأنه يراكم في الاسابيع الاخيرة الخسارة. فبعدما استبسل في الدفاع عن مشروع اللقاء الارثوذكسي، طرح في لقاء بكركي تعليقه. وبعدما عارض المشروع المختلط، ها هو يناقش في مجلس النواب صيغ المختلط، بكل تلاوينها. وبعدما عارض بشدة التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، استقالت الحكومة التي كانت له فيها حصة مسيحية شبه صافية، لا يمكن في أي حكومة أن تتكرر. وما ان طرح اسم سلام حتى اضطر الى القبول به، وما ان رضي به حتى بدأت لائحة استهدافاته تطول: ممنوع الحكومة السياسية، وممنوع عليه توزير مرشحين، وممنوع عليه وزارات الاتصالات والنفط والعدل. وجاءت زيارة الوزير جبران باسيل للسفارة السعودية لتزيد وقوداً على نار الحملة على عون.
لكن لتكتل التغيير والإصلاح رؤية مختلفة تماماً. يقول أحد أركانه أن عون يحصد اليوم استثماره في الشأنين الحكومي والنيابي، وقد فسرت قوى 14 آذار مهادنته خسارة. في الحكومة، يحمي عون ظهره بموقف حزب الله الذي لا يمكن أن يقبل بحكومة من دون شريكه ومن دون الثلث المعطل، وهو شرط يجب على قوى 14 آذار عدم الاستخفاف به. وهو يستفيد «مسيحياً» الى الحد الاقصى من صورة الضحية التي يحاول جنبلاط والمستقبل استخدام سهامهما ضده منذ استقالة ميقاتي: ضحية قرار جنبلاط استبعاد المسيحيين عن الوزارات الاساسية، وضحية محاولة المستقبل ـــ وخلفه الرئيس المكلف ـــ التفرد بالقرار المسيحي حكومياً واستبعاد السياسيين المسيحيين عن الحكومة، وضحية كليهما بمحاولة فرض إيقاع انتخابي للعودة الى قانون 1960.
وفي قانون الانتخاب، حمى عون نفسه بجذب القوات والكتائب الى المشروع الارثوذكسي. أما سقوط هذا المشروع بالتصويت في المجلس النيابي، فيشكل بالنسبة الى رئيس تكتل التغيير والاصلاح عنوان معركة مسيحية انتخابية جذابة يقارع بها أخصامه، بدءاً من جبل لبنان الى الجنوب والشمال والبقاع وبيروت، عند استحقاق الانتخاب.
لا يفكر عون قطعاً في التخلي عن المشاركة في الحكومة، بل يخوض معركة البقاء فيها على مستويين، أولاً شكل الحكومة سياسياً، وثانياً مشاركته الفاعلة بوزراء سياسيين. ولا ينطلق موقفه من مناورة للقبول بالحد الادنى. هناك شروط ومتطلبات لا يمكن القفز فوقها أو التنازل عنها. لكنه في المقابل يدرك تماماً أن حصته هذه المرة في حكومة سياسية مختلطة لن تكون هي نفسها كما في حكومة اللون الواحد، إلا أن ثمة وزارات لا يمكن أبداً التخلي عنها، وهو سيخوض معركته على هذا الاساس، لكنه سيواجه للحصول على حصته الصافية للتكتل، ويترك لحلفائه إدارة معاركهم حول الوزارات التي يريدونها. ويكفي أن يظهر شريط النشاطات لوزراء التكتل في الحكومة المستقيلة، ليدرك الرئيس المكلف أن عون جاد في معركته.
وللتذكير، فهو عرقل، في ظروف مختلفة سياسياً وإقليمياً عن الحالية، قيام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي خمسة أشهر، ومنع تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري مرتين خمسة أشهر قبل أن يضطر الحريري الى الاعتذار، وأربعة أشهر بعد أن أعيد تكليفه، وأخّر تأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لنحو شهر ونصف الشهر.
في المحصلة، لا يزال مسار تأليف الحكومة، بلا عون، أمراً مستبعداً، لكن أفضل ما يمكن أن ينتج من هذا المسار الذي يحاول البعض رسمه لإبعاد الجنرال عن الحكومة وسقوط الارثوذكسي «مسيحياً» في التصويت، هو تحوّل عون الى المعارضة. وهل يمكن أي طرف لبناني أن يتصور عون في المعارضة، بعد تجربة تسونامي عام 2005؟

أقرأ أيضاً:

الثنائي الشيعي لن يفاوض: حكومة دياب باقية!
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق