عَبَقً من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) – القسم الثاني

لا أسعى في مقالي هذا إلى أن أنكأ الجراح بقدر ما أسعى إلى ذكر الحقائق التأريخية الدامغة التي يحاول فرسان الزيف والتشويه طمسها بدفاعهم عن رموز الظلم والفساد الغابرين الذين حاولوا تحريف رسالة الإسلام لخدمة أغراضهم الدنيوية .

ورحم الله الشاعر الذي قال :

عن المرء لاتسأل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي.

إن كل تلك المناقب النبوية العظيمة التي رافقت الإمام الحسن (ع) لم تردع خليفة الغدر والباطل والظلم وشراء الذمم بالمال، وعدو البيت النبوي معاوية بن أبي سفيان بل أثارت حفيظته وحقده وحسده على آل بيت الرسول محمد ص ومنهم شخصية الإمام الحسن الزكي ع.

فمعاوية الذي أسس نظام الوراثة حين خلف إبنه يزيد الفاجر المتهتك خليفة على المسلمين بعد أن نكث بوعده للإمام الحسن ع. ولكن متى كان لسلاطين الغدر والخيانة والوقيعة عهدا ووعدا؟

وبدلا من ذلك الوعد أغرى زوجة الإمام (جعدة بنت الأشعث) لتدس له السم بعد أن وعدها بتزويجها لإبنه حين يصبح ملكا على الأمة.

لكنها حين ارتكبت جريمتها لم يحقق لها معاوية أمنيتها الآثمة فخسرت دنياها وآخرتها واستحقت اللعنة الدائمة بارتكابها تلك الجريمة الشنعاء بحق سبط رسول الله ص.

وحين نتطرق إلى سيرة معاوية ونتطرق إلى باقة من عبق سيرة الإمام الحسن (ع) لابد أن نقول شتان بين الثرى والثريا فحلم الإمام الحسن (ع) وعلمه وكرمه لا تسعها مئات الصفحات. لكن أعداء الحق حاولوا بكل الوسائل الوضيعة طمس تلك الحقائق الساطعة التي هي كنور الشمس في رابعة النهار.وآدعوا بأن الإمام الحسن (ع) وغريمه ( صحابيان جليلان ) وهو تجن كبيرعلى الحق والحقيقة.

إن الفترة التي عاشها الإمام الحسن (ع) كانت من أصعب الفترات التي مرت بها الأمة الإسلامية نتيجة للفتن والمؤامرات التي حاكها معاوية والتي تشيب لها الولدان. وتقشعر لها الأبدان. فقد كانت أموال المسلمين تغدق من قبله على ضعاف النفوس من الذين اشتروا دينهم بدنياهم ليكونوا أنصارا له كما يفعل اليوم أحفاد ذلك الطاغية المتجبر الذي لقبه العديد من المؤرخين المنصفين بأنه فرعون هذه الأمه نتيجة لمؤامراته وفتنه وغدره وتبذيره لأموال المسلمين . حتى أن الدعاية الأموية استطاعت أن تضلل معظم أهل الشام وتوهمهم بأن الإمام علي بن أبي طالب (ع) والذي قال فيه رسول الله ص ( أنت مني بمنزلة هارون من موسى ) و( أنا مدينة العلم وعلي بابها ومن أراد العلم فليأت الباب ) وأحاديث أخرى كثيرة بأنه (لم يكن مصليا!!!) والعياذ بالله. تماما كما تطلق اليوم وسائل دعاية أحفاده سمومها الحاقدة لتشويه الحق وتجميل الباطل، والتأثيرعلى النفوس الضعيفة القلقة التي تستهويها الضلالات الطائفية ولمعان المال لتناصرباطل حكامهم وسقوطهم في مستنقع الآثام.

إن حكام الظلم والفساد الحاليين يسعون بكل خبثهم وإجرامهم وأحقادهم لإحراق بلاد المسلمين بلهيب طائفيتهم وعنصريتهم، وهم يضخون الأموال الطائلة، ويجندون ضعاف النفوس من وعاظ السلاطين والأذناب لهذا الغرض الدنيئ. حتى يخفوا عمالتهم للصهاينة والأمريكان أعداء الإنسانية ظنا منهم إنهم يخادعون الله ورسوله وما يخدعون إلا أنفسهم لقد سود أسيادهم السابقون وجه التأريخ ، وهاهم اليوم سائرون على نهجهم. ومن واجب المخلصين الشرفاء لدينهم وعقيدتهم في كل أنحاء الأرض أن تكون عقولهم مفتوحة حتى لاتنطلي عليهم أباطيل الطغاة وغاياتهم الدنيئة كما فعل أجدادهم بالأمس.

وعلى أصحاب العقول السليمة أن يدركوا قبل فوات الأوان إن حكام الفساد اليوم يبغونها حربا عنصرية طائفية سوداء لا تبقي ولا تذر. ويسعون أن يكون على رأس كل بلد عربي أو إسلامي معاوية جديد ليشوه المعاني السامية للإسلام، ويشتري الذمم بالمال ،ويقول (إن لله جندا من عسل ) وهم يفعلون أبشع من ذلك في سجونهم الرهيبة. ويفتحون أرض العرب والإسلام للقواعد الأمريكية لكي تنهب أموال المسلمين على مذابح شهواتهم . فالأجنبي الذي يضمر الشر لبلاد المسلمين ويحتقرهؤلاء الحكام، ويبتز أموالهم على رؤوس الأشهاد من أجل تربعهم على كراسي الحكم. وغرض إعلامهم الأساسي هو تزييف إرادة الأمة وتشويه صورة الوطنيين الشرفاء المتصدين للصهاينة والأمريكان وتسميتهم بـ(الإرهابيين) والسماح للصهاينة الأنجاس أعداء كل المقدسات بالرقص في عواصمهم. والعربدة في مراقصهم ونواديهم وأقولها بكل صراحة ووضوح .إنهم امتداد لحكام الظلم والفساد الذين سبقوهم فما أشبه اليوم بالبارحة.؟

فحذاري أيتها الشعوب المضطهدة من الغفلة والفرقة والإنسياق خلف مثيري الفتن والمؤامرات الذين يحاولون إغراق الأمة في حقبة مظلمة أخرى لا يعرف مداها وهولها وفواجعها إلا الله.

إن سيرة إمامنا الحسن المجتبى (ع) العبقة وأقواله هي مناقضة تماما لسيرة حكام الفسق والفجور والبغي السابقين واللاحقين . وهي جديرة بأن تكون منهاج عمل ودليل ينير الطريق لكل المؤمنين الخيرين الشرفاء الذين يهمهم مستقبل الأمة ،ووقف حالة التدهور التي وقعت فيه حين نرى ونسمع يوميا أطنانا من السباب والشتائم والطعن في الأعراض على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة من جماعات لاترع إلا ولا ذمة فيما تكتب،وهي لاتحمل من الإسلام إلا أسمه فقط ولا تدرك عواقب تصرفاتها الطائشة للأسف الشديد.

إن هذه الفترة التي يعيشها المسلمون اليوم تشبه إلى حد كبير تلك الفترة التي كانت تبث فيها أراجيف وأكاذيب آل أبي سفيان في عهد الإمام الحسن الزكي ع. والتي جابهها (ع) بحلمه الكبير، وبنفسه المؤمنة المطمئنة رغم هول وقعها، وشدة قسوتها وفظاعتها، لقد قيل للإمام الحسن (ع) ما الحلم؟ قال:(كظم الغيظ وملك النفس) أي أن يسيطر الإنسان على نفسه حينما يستفزه الآخرون فالحليم هو الذي يتحكم في توجيه انفعالاته ويسيطر،عليها ولا يدعها تفلت من عقالها في أشد حالات الغضب نتيجة الاستفزاز الذي يواجهه من دعاة الغي والباطل.

وهو القائل (ع): (أصول الشر وفروعه ستة فالأصول الثلاثة هي الحسد والحرص وحب الدنيا والفروع الثلاثة هي حب الرئاسة وحب الثناء وحب الفخر)

وسئل الإمام الحسن (ع) عن الشاهد والمشهود فقال:

أما الشاهد فنبي الإسلام محمد ص، وأما المشهود فيوم القيامة. أما سمعتم قول الله في محكم كتابه العزيز:

( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) الأحزاب -45.

وقوله تعالى:

( ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ.) -هود 103.

ومن أقواله الكثيرة (ع) والتي لا يمكن حصرها في مقال :

  1. (أحذروا أن تكونوا أعوانا للظالم فإن رسول الله (ص) قال: من مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه فقد خرج من ربقة الإسلام.)
  2. (لا أدب لمن لا عقل له، ولا مروءة لمن لا همة له ولا حياء لمن لا دين له ورأس العقل معاشرة الناس بالجميل وبالعقل تدرك الداران جميعا ومن حرم العقل حرمهما جميعا.)
  3. (عجبت لمن يفكر في مأكوله كيف لا يفكر في معقوله فيجنب بطنه ما يؤذيه ويودع صدره ما يرديه.)
  4. (من أحب الدنيا ذهب خوف الآخرة من قلبه ومن ازداد حرصا على الدنيا لم يزدد منها إلا بعدا وازداد من الله بغضا).
  5. (صاحب الناس بمثل ما تحب أن يصاحبوك به.)

وسئل (ع) عن السياسة يوما فأجاب ع:

(هي أن تراعي حقوق الله وحقوق الأحياء وحقوق الأموات فأما حقوق الله فأداء ما طلب والاجتناب عما نهى. وأما حقوق الأحياء: فهي أن تقوم بواجبك نحو اخوانك، ولا تتأخر عن خدمة أمتك. أما حقوق الأموات: فهي أن تذكر خيراتهم وتتغاضى عن مساوئهم فإن لهم ربا يحاسبهم.) وكم من حاكم في بلاد المسلمين يدعي اليوم إنه هبة الله لشعبه وهو عدو لشعبه.؟

هذا عبق يسير من سيرة إمامنا العظيم الحسن بن علي المجتبى (ع) وشتان بين هذه السيرة العبقة وبين صاحب تلك السيرة المظلمة الذي خاطبه رسول الله بعبارة: (لاأشبع الله لك بطنا.)

وأختم مقالي بالبيت الآتي:

للمتقين من الدنيا عواقبها
وأن تعجل فيها الظالم الأثم.

عَبَقٌ من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) – القسم الأول

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock