عَبَقٌ من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) – القسم الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

( قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )- الشورى-23.

قال الزمخشري: ( روي أنها لم انزلت قيل يارسول الله : من هم قرابتك الذين وجبت علينا مودتهم.؟ قال (ص): (علي وفاطمة وبناهما.) الكشاف ج4 ص 219-220.

بسم الله الرحمن الرحيم

(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)- النور36

روى الحاكم الحسكاني الحنفي في (شواهد التنزيل) بإسناده عن أبي برزه قال:

قرأ رسول الله (ص): (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ ) وقال: (هي بيوت النبي) قيل يا رسول الله: أبيت علي وفاطمة منها؟ قال: (من أفضلها)

الحاكم الحسكاني: شواهد التنزيل ج1 ص 410 – ط بيروت.

وعلي وفاطمة والأئمة الأحد عشر من بعدهم (ع) هم مصابيح هذه الأمة وسفينة نجاتها من خلال القيم الرفيعة التي حملوها، وورثوا كل جلالها وتقواها وزهدها واستقامتها وإشعاعها من مدرسة جدهم الرسول الأعظم محمد بن عبد الله الذي أرسله الله رحمة للعالمين والذي أوصى أمته قائلا (ص) فيهم: ( إني تارك فيكم الثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور وعترتي أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي .). صحيح مسلم – باب فضائل الصحابة ج4 ص 1873- 2408. ورواه النووي في رياض الصالحين . والحاكم في المستدرك والنسائي والترمذي واليعقوبي والسيوطي ومصادر إسلاميةعديدة.

وقال الإمام الشافعي (رض):

ياأهل بيت رسول الله حبكمُ
فرض من الله في القرآن أنزله

كفاكمُ من عظيم الشأن إنكمٌ
من لم يصل عليكم لاصلاة له.

الصواعق المحرقة : باب 11 فصل 1 ص 148.

و الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) هو أول الأسباط الأحد عشر من نسل محمد المصطفى (ص) سيد الأنبياء. وهو أحد أصحاب الكساء الخمسة الذين طهرهم الله من كل رجس، وهو الذي تربى في مدرسة الأخلاق الكبرى مدرسة رسول الله (ص) وهو ع أول الأئمة الأمناء من صلب سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام.

أقرأ أيضاً:

  عَبَقً من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) - القسم الثاني

وهو (ع) ذلك النجم البهي الذي أظهر الحق، وأزهق الباطل ،وحقن بصلحه الدماء حين رأى أن الباغي يسعى إلى سفكها. وهو (ع) سيد شباب أهل الجنة. وسيرته من أعظم سير العظماء والمصلحين.

إنه (ع) يمثل تلك النفس الزكية الكريمة الأبية التقية الطاهرة التي نهلت من معين النبوة الصافي الذي ليس كمثله معين لأنه يشفي النفوس، ويعطر القلوب والأرواح بأريج الخلق الإنساني العالي، ويرتقي بالنفس البشرية إلى أعلى مدارج الطهر والفضيلة والسمو.

كان الإمام الحسن (ع) أشبه الناس بجده رسول الله (ص) وهو أحد أركان البيت النبوي العظيم الذي أمر الله مودة أهله على الناس. وفضلهم على سائر خلقه ومن خلال حديث رسول الله (ص): (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)

والحديث النبوي الآخر: (الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)

فالإمام الحسن (ع) ثالث الأئمة الاثني عشر المكرمين والمبجلين عند الله جلت قدرته وعند نبيه الكريم ص، وهو الذي توفرت له من التربية الروحية والفكرية مالم يتسن لسواه بعد جده (ص) وأبيه علي بن أبي طالب وأمه الزهراء البتول (ع) فكان علما بارزا ،ونبعا ثرا متدفقا بقيم الإسلام العظيم، ومتنورا بنوره البهي تخشع له القلوب، ويصفو له الوجدان، وكان (ع) أعبد الناس وأزهدهم وأكرمهم وأفضلهم في عصر إمامته وقد ورد في روضة الواعظين:

(أن الإمام الحسن (ع) كان إذا توضأ ارتعدت فرائصه واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش. أن يصفر لونه وترتعد مفاصله).

وعن الإمام جعفر الصادق (ع): (أن الإمام الحسن (ع) حج خمسا وعشرين مرة ماشيا، وقاسم الله تعالى ماله مرتين وقيل ثلاث مرات). وكان (ع) إذا قرأ القرآن ومر بآية فيها (ياأيها الذين آمنوا) قال: لبيك لبيك اللهم لبيك.

أقرأ أيضاً:

  عَبَقً من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) - القسم الثاني

ومن خلقه العالي الذي تعلمه في مدرسة جده سيد البشرية محمد (ص) أنه كان متواضعا سخيا. وروت كتب السيرة عنه (ع) أنه مر يوما بجماعة من الفقراء وقد وضعوا على الأرض كسرات من الخبز كانوا يأكلون منها فدعوه لمشاركتهم في أكلها فأجاب دعوتهم قائلا: (ان الله لا يحب المتكبرين) ولما فرغ من مشاركتهم دعاهم لضيافته، فأغدق عليهم المال وأطعمهم وكساهم.

وروي أن شخصا من أهل الشام ممن خدعتهم دعاية معاوية بن أبي سفيان في التأليب على آل البيت (ع) رأى الإمام الحسن (ع) راكبا فجعل يلعنه والإمام لا يرد عليه فلما فرغ الرجل أقبل الإمام عليه وقال له: (أيها الشيخ أظنك غريبا، ولعلك شبهت؟ فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وأن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا، ومالا كبيرا.) فلما سمع الرجل الشامي ذلك الكلام الذي يحمل بين طياته أعلى مراتب الخلق الرفيع بكى ثم قال: (أشهد أنك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته ولقد كنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إلي، والآن أنت وأبوك أحب خلق الله إلي. ثم استضافه الإمام (ع) حتى وقت رحيله، وقد تغيرت فكرته وعقيدته في أهل البيت (ع).).

بتلك القيم الأخلاقية الإنسانية الرفيعة الفذة، وبذلك التسامح النبوي العالي تميزت مدرسة أهل البيت (ع) وشقت طريقها عبر بحار من المعاناة والألم والظلم والتضحيات الجسام نتيجة العداء الذي أظهره لهم حكام الغدر والوقيعة والزيف والإنحراف وعلى رأسهم معاوية بن أبي سفيان.

أقرأ أيضاً:

  عَبَقً من سيرة الإمام الحسن المجتبى (ع) - القسم الثاني

لقد أجمع المؤرخون أن الإمام الحسن ع كان أحلم الناس وأقدرهم على كظم الغيظ. فما عرف في سيرته (ع) أنه قابل مسيئا بإساءته ولا جازى مذنبا بذنبه شأنه شأن جده المصطفى (ص) الذي وسع الناس بأخلاقه وحلمه حتى أن مروان بن الحكم الذي هو من الأعداء الألداء للبيت النبوي الطاهر قال كلمته المشهورة يوم جاء إلى جثمان الإمام الحسن الطاهر ع ليحمله مع الحاملين فأثارإستغراب المشيعين وقال الإمام الحسين (ع) موجها كلامه إلى مروان: (أتحمل جثمانه وقد كنت تجرعه الغصص؟) فأجاب مروان: (كنت أعمل ذلك بما يوازي حلمه الجبال.)

لقد كان الإمام الحسن (ع) جامعا لكل ألخصال الخيرة، والفضائل الكريمة من سماحة خلق وأصالة رأي ونظرة ثاقبة للأمور وتقدير للعواقب وحسن تدبير بالإضافة إلى كرمه وكيف لا وهو أحد المشمولين بآية التطهير وآية المودة وآية المباهلة وآية الصدق وغيرها من الآيات البينات.؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock