غازي العريضي، أو علة حروبنا المستدامة …

جان عزيز –

بسيطة جداً قضية غازي العريضي بقدر ما هي خطيرة. عارضة، هامشية في يومياتنا السياسية، بقدر ما هي بنيوية أساسية في اجتماعنا السياسي. أكانت خطوة انكفاء أو خطوة إقصاء، يظل جوهرها واحداً: أننا في زمن استنقاع تخلفنا، وفي جاهزية دائمة لاستدامة حروبنا.

كيف؟ طبعاً ليست جديدة ظاهرة اختفاء أو إخفاء أو إطفاء شخصية سياسية عامة، لحظة استحقاق الوراثة البنوية الحصرية، في تركيبة سياسية أحادية أبوية بطريركية حتى حدود التماهي بين «الشخص» و«الإله». قبل العريضي، عاش الشمعونيون تلك الأزمة، وعبروا عنها بسجال منطقي بلا جدوى، استمر طيلة ساعات، ذات نهار من عام 1985. كان ذلك على مسرح مدرسة القلبين الأقدسين في السيوفي الأشرفية، يوم جمعهم «الختيار»… ولم يجمعهم. وقبلهم وبعدهم عاش الكتائبيون الأزمة نفسها، إثر غياب «إلههم» المؤسس سنة 1984. ما جعلهم يعبُرونها ويعبِّرون عنها بلغة الدم الأخوي، في محطات لم تتوقف، من 12 آذار إلى 15 كانون، ومن 27 أيلول إلى 10 آب التي ذكَّرنا أمس فؤاد بو ناضر، حفيد المؤسس من دون مصادفة، برصاصاتها المجنونة. حتى أنصار ريمون إده، على كبر قاماتهم وتواضع العدد، عاشوا الأزمة نفسها وعانوها مضاعفة، نظراً إلى فارق الهامة والخبرة والثقل والدور، بين المورث والوريث. لم تجمعهما إلا صلة رحم أخوي، كانت كافية لتفخت دف الحزب التاريخي وتفرق كل الأحبة… كل التشكيلات الشخصانية المسماة أحزاباً، كما كل التركيبات شبه المافيوية المصنفة تورية «بيوتات»، عاشت تلك التجربة. وقد يطيب لوزير الأشغال، حتى صدور مراسيم تمام سلام المقبلة، ولنائب بيروت حتى 20 حزيران، ولمدير صوت الجبل حتى اختفاء الصوت واستسهال الجبل… قد يطيب له أن يستعين بخبرة سابقة لرفيق سابق. هو مثله حزبي ووزير ونائب سابق أيضاً، اسمه محسن دلول، فكما العريضي كان دلول أحد ظلال كمال جنبلاط. رفيقاً حزبياً، ورفيق نضال ورفيق تلك الزيارة الدمشقية الأخيرة. بعد اغتيال «المعلم» حاول دلول التكيف مع «وليده».
بضعة أشهر كانت كافية للافتراق. بعدها سئل عن أسباب الخلاف. فاستعاد صحافي «الصياد» لمعاته الأريحية ليجيب: لم نختلف ابداً. لكنني فضلت الابتعاد عن وليد، حينما اكتشفت أن علاقتنا باتت ظلماً متبادلاً. أنا ظلمته لأنني أردته مثل والده. وهو ظلمني لأنه أرادني مثل الذين باتوا حلقته وفريقه. ولا شك أن دلول يبتسم هذه الأيام لسماعه معادلته تلك. لا لشيء إلا لأنه قدر له أن يعيشها مرة ثانية، بعد أكثر من ربع قرن على الأولى، إثر غياب «رفيق» آخر له ذهب اغتيالاً ايضاً، وصار لابنه حلقة «سعده»، وتُرك لرفيق الوالد غصة البُعد…

هكذا قد يتاح لغازي العريضي أن يتعزى بتجربة رفيقه العتيق. فوليد جنبلاط على الأقل لم يتركه ليعاني مع ابنه تيمور ما عاناه محسن دلول معه بعد رحيل والده كمال. وقد يكون العريضي هو من نظر بعين الغد الآتي، إلى حاله وحال حزبه وجنبلاطيته الوريثة الموروثة، فاختار الانسحاب، قبل أن يبلغ الظلمين اللذين خبرهما أبو نزار. وقد يتاح للعريضي الصحافي، تماماً كما فعل الصحافي دلول، أن يعرض تجربته ومعاناته على صفحات، تصير منهاجاً تربوياً في مدارس النضال الزعاماتي. وله ربما أن يستشهد بكلام لكمال جنبلاط نفسه: إذا بلغت لحظة خُيرت فيها بين حزبك وضميرك، فلا تتردد في أن تترك حزبك وأن تلتزم ضميرك. لأنه يمكن لأي إنسان أن يعيش بلا حزب، لكن لا يمكن لأي إنسان أن يحيا بلا ضمير… ويمكن العريضي أن يوسع دائرة القياس والمماثلة، فيغرف من صفحات عزيزة على قلب العائلة الجنبلاطية، كما على صدرها العامر بوسام لينين. فيروي تلك القصة المنسوبة إلى ستالين ورئيس استخباراته الدموي بيريا. تقول إنه ذات يوم أبلغ خليفة لينين أن وحشه المخلص قد افترس رفيقاً، لم يأمره هو بتصفيته. فاستدعاه وسأله عن السبب. لكن جواب بيريا كان صاعقاً: قررت تصفيته بمبادرة مني، لأنني اكتشفت أنه مؤيد لمبادئنا ومؤمن بعقيدة حزبنا. فزاد تعجب ستالين، وقبل أن يبلغ حد الغضب، تابع بيريا شارحاً: أنت تعرف أكثر مني أن الاقتناع فعل عقلي يتغير ويتبدل بتغير المواقف والممارسة. فيما الخوف رد فعلٍ نفسي ثابت ودائم بثبات ثنائية المخيف والخائف. وأنت وأنا ندرك أنك حيث ذاهب من الآن فصاعداً في السياسة والحزب والدولة، لا يمكننا الاتكال من أجل ضمان الولاء، على اقتناع المؤمنين، بل على خوف الخائفين…

كل ذلك منطقي مفهوم، لكن غير المنطقي وغير المفهوم هو أن تسلِّم الجماعات، أكانت أحزاباً أو طوائف أو مجرد بشر، بقواعد متخلفة كهذه لاجتماع سياسي، سنة 2013. إنه الدليل القاطع على استدامة حروبنا الداخلية اللامدنية واللاأهلية، إلى ما لانهاية، استناداً إلى معادلة مايكل دويل الشهيرة، أن وحدها الديمقراطيات لا تتقاتل…

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق