فايروس كورونا.. حين يستيقظ العالم على حقائق جديدة

بشكل جليّ، لم تعد العناوين السياسة بتشعباتها وتحدياتها الإقليمية والدولية، تتصدر أولويات الرأي العام، ويُفرد لها مساحات للتحليل والتأطير ضمن النظريات السياسية، فقد استحوذ فايروس كورونا على اهتمامات كافة أنماط المحللين، ودخلت روايات كورونا في فوضى السيناريوهات المتوقعة والسرديات التاريخية، فضلا عن تعدد نظريات انتشاره؛ فالخطر الوجودي الذي شكله الفايروس لجهة انتشاره المُتسارع، خلق نمطاً من الديناميات الاجتماعية الغير مسبوقة، وباتت التدابير الوقائية المرافقة ليوميات كورونا، تتسق فعلاً مع النزعات السلطوية في بلدان عديدة. ولا يأتي هذا السرد في خانة فرض القيود الصارمة التي اتخذتها بعض البلدان لمواجهة فايروس كورونا، فالانغلاق التام قد لا يُحقق نمطاً توافقياً مع سياق معالجة الفايروس، حيث كشف وباء كورونا قصور عام في السياسات الدولية الفردية والجماعية الراهنة في التصدي له، وفاقم من أزمة الاقتصاد الدولي الذي يعاني أصلًا من تداعيات السياسات الحمائية، حتى باتت الدول القومية منغلقة على ذاتها، ومانعة للدخول والخروج بعد عقود طويلة من أضحوكة العولمة ومسرحية القرية الكونية الصغيرة. هذه المفارقة الجديرة بالوقوف عندها طويلاً، أيقظت العالم على حقائق جديدة، فالنظام العالمي يبدو وكأنه في قارب يغرق رويداً رويداً، والفشل الجزئي في مواجهة فايروسات خطيرة، يدق ناقوس الخطر لما هو قادم، وهذا الأمر من شأنه أن يجعل العالم يعيش تجارب أخرى وشيكة، كما أن مخاطر التغيرات المناخية التي تنكرها كثير من الدول المتقدمة، لمصلحة السيطرة الصناعية، من شأنه أن يُلقي بكثير من التحديات الأخرى.

فايروس كورونا من إيطاليا
كورونا في إيطاليا

تساؤلات عميقة تقض مضاجع الكثيرين؛ هي تساؤلات تمحورت حول ماهية الوباء وكيف فاجأ العالم بهذه الصورة المرعبة؟، ولماذا تتباين سياسات الدول في مواجهته؟، وكيف ستكون سياسات هذه الدول ما بعد كورونا؟، ولعل السؤال الأهم يكمن في تأثير هذا الفايروس على السلوك الانساني.

على الصعيد الانساني، سُجلت حتى منتصف آذار وفاة الآلاف من المُصابين بفايروس كورونا، وأغلب هذه الوفيات تم تسجيلها في الصين؛ ولكن دولًا أخرى، مثل إيران وإيطاليا، تُسجل هي الأخرى أعداداً متزايدة من الوفيات كل يوم. وبحسب صحيفة الغارديان البريطانية (14 مارس/آذار 2020)، ظهرت الحالة الأولى من مرض كورونا 19، بمدينة ووهان الصينية، في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني 2019، أي قبل شهر كامل من الإعلان الصيني الرسمي عن ظهور المرض، وفي نهايات ديسمبر/ كانون الأول 2019، كما هو معروف، اعترفت السلطات الصينية بوجود مرض مُعدٍ وخطير يصيب الجهاز التنفسي في ووهان ومحيطها، وذلك بعد ضغوط داخلية وخارجية تعرضت لها بيجين. كما احتاج الأمر عدة أسابيع أخرى، قبل أن تبدأ السلطات الصينية فحوصات منهجية في منطقة انتشار الوباء وللمشتبه بإصابتهم.

أقرأ أيضاً:

موسم حصاد الشاي التركي بظروف استثنائية

المؤكد الآن أن هذا مرض يتسبب به فيروس من نوع كورونا لم يسبق التعرف عليه من قبل. هناك العديد من أصناف الكورونا المعروفة لعلماء الفيروسات، أغلبها لا يتسبب سوى بإصابات لا تتعدى ما يُعرف بنزلة البرد العام، وخلال العقدين الماضيين، شهد العالم بروز صنفين جديدين من الكورونا، تسبب الأول بما يُعرف بمرض سارس (SARS) ومنبعه الصين، والثاني ميرس (MERS) ومنبعه المملكة العربية السعودية، حيث أن كليهما انتقل من الحيوانات إلى الإنسان، وامتاز سارس بسرعته المتوسطة في الانتشار، وتسببه في موت ما يقارب 7 بالمئة من المصابين؛ بينما كان ميرس أشد وقعًا، مع معدل انتشار أبطأ بكثير.

فايروس كورونا
من أين أتى؟؟؟

  • فما مصدر هذا الفايروس؟

التعريف العلمي لفايروس كورونا هي جائحةٌ عالميةٌ جارية لمرض فايروس كورونا (كوفيد-19)، والذي يحدثُ بسبب فايروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة. وسبق أن أحدث أكثر من موجة وبائية منذ مطلع القرن العشرين، فالأرجح أن فايروس كورونا المستجد قد تطور في الحيوان. وبالرغم من أن معرفتنا بهذا الفيروس لم تزل محدودة، يعتقد علماء الفيروسات أن كورونا 19 وُلد ربما في الخفافيش، ومنها انتقل للإنسان في الصين، حيث بدأ انتقالًا بطيئًا بين البشر، بدون حتى التسبب بأعراض مرضية واضحة، إلى أن تأقلم وراثيًّا وأصبح أكثر قدرة على الانتشار وأكثر أثرًا في إحداث المرض.

أما الحديث الذي ألمح إليه ناطقون صينيون وإيرانيون، بأن كورونا 19 لم يكن سوى فيروس وُلد في مختبر أميركي للحرب البيولوجية، وأن الأميركيين هم من نشر المرض، ليس عليه دليل واحد، ويدحضه انتشار الفيروس بأمريكا وعجز الإدارة الأمريكية عن السيطرة عليه. فمنذ بدايات المعرفة بسلوك هذا الفيروس أصبح واضحًا أنه سريع الانتشار وأنه في سبيله لإحداث وباء عالمي. وليس ثمة شك في أن كورونا 19، وبعد أسابيع فقط من تسجيله للمرة الأولى، بدأ في توليد أزمة صحية عالمية، ليس في الصين وإيران وإيطاليا وحسب، ولكن لمعظم دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة كذلك. من هنا يتعلق التفسير الوحيد المُتاح حتى الآن لهذا التفاوت، بالتفاوت في كفاءة جهاز المناعة. ولكن لابد أن يمر زمن قبل التعرف الأدق علمياً على سلوك الفايروس، واستجابات الأفراد المختلفة للمرض الذي يتسبب به.

أقرأ أيضاً:

مركز فِكر: تحية تقدير للممرضين والممرضات في يومهم
فايروس كورونا
الجيش الإيطالي
  • كورونا وأنماط معالجته المحكومة بضرورات استجابة الدول الحديثة.

عوامل كثيرة تُحدد استجابة مؤسسات الدولة للفايروس، انطلاقاً من ضرورات تتعلق بنظام الحكم القائم في الدولة، إضافة إلى تأطير الخسائر الاقتصادية. وعليه، فإن فايروس كورونا يُعتبر مناسبة ذهبية للتمرد على الحكم، خاصة في ظل تقصير بعض الدول الإعلان عن اجراءات وقاية ضد هذا الفايروس، وفي مرحلة لاحقة قد تفقد بعض الدول قدرتها على الاحاطة بالفايروس، وبالتالي سيكون للتيارات المعارضة لسياسات الدولة تجاه الوباء دورًا رئيسًا في تحديد طبيعة استجابة الدولة للوباء. وفي جانب أخر، فإن العواقب الاقتصادية لـ كورونا، تأتي في الإطار الثاني المُحدد لسلوك الدولة، بينما هناك مُعضلة حقيقية تواجه الدول، ألا وهي الموازنة بين تأثيرات الفايروس على صعيد المجتمع الانساني، وبين أثاره السياسية والاقتصادية.

في ذات الإطار، يُمكن أن تضع الدولة الأثر الاقتصادي للوباء على رأس جدول أولوياتها، وتُنحي الأثر الإنساني إلى مرتبة ثانية. بمعنى، أن تلجأ الدولة إلى أدنى مستوى ممكن من الإجراءات المقيِّدة، لتجنب الخسائر الاقتصادية، وإفساح المجال بالتالي لانتشار المرض إلى أن يتولد ما يُعرف بمستوى مناعة القطيع (herd immunity)، بغض النظر عن العواقب الإنسانية للوباء. وفي حالة كورونا المستجد، لابد من انتشار المرض بين 60 بالمئة من السكان قبل أن يكتسب مجتمع ما درجة مناعة كافية لانحسار الوباء ورفع مستوى قدرة الدولة على السيطرة على الأزمة الصحية، سواء توفر اللقاح المناسب أو لا. ضمن ذلك، هناك جُزئية اساسية تفرض نفسها في سياق الاجراءات لمواجهة هذا الفايروس، تتعلق بكفاءة أجهزة الدولة وتوفر المقدرات الضرروية للتعامل مع الوباء.

فايروس كورونا
الرهان اليوم على تطوير لقاح فعال ويحد من تفشي الفايروس
  • التسابق الدولي لاكتشاف لقاح يضع حداً لفايروس كورونا.

لا شك بأن الجميع يترقبون لقاح ضد فايروس كورونا، فالأمل يحدو هؤلاء وكذا علماء الأوبئة، ولكن هناك من يُراهن على أن يكون هذا الفايروس، من بين الفيروسات التي تتأثر بدرجة حرارة الطقس، مما قد يؤدي إلى انحساره، وليس بالضرورة اختفاءه، ولكن، ليس هناك حتى الآن ما يؤكد هذا السيناريو، سيما أن سلوك أصناف كورونا المعروفة سابقًا أظهر تفاوتًا في تأثر الفيروس بالمناخ، وأن الفيروس لم يزل ينتشر في مناطق مثل دول الخليج والمغرب العربي، حيث بدأت درجات حرارة الجو في الارتفاع بالفعل. في جانب أخر، هناك آمال معقودة على جهود العلماء في التعرف على لقاح مناسب لتقليل شدة الإصابة، خاصة أنه ليس ثمة دواء للقضاء بشكل كامل على الأمراض الفيروسية، وبالتالي فالرهان اليوم على تطوير لقاح فعال ويحد من تفشي الفايروس، ويزيد من مناعة وتحمل البشر لهجماته.

أقرأ أيضاً:

بلجيكا تستعدّ لفتح المدارس والأسواق والمتاحف وحدائق الحيوان

وحتى توصل لعلماء للقاح ناجع، هناك مُعطيين باتا واقعاً يجب قراءتهما والاستفادة منهما:

  • الأول – من الواضح أن انتشار فايروس كورونا أماط اللثام عن عدم جاهزية المجتمع الدولي، ومنظماته المتخصصة للتعامل مع وباء قاتل وسريع التفشي، إذ تفتقد منظمة الصحة العالمية كما الأمم المتحدة، المقدرات الكافية لتوفير المساعدات الضرورية والسريعة للدول غير القادرة على التعامل مع الوباء. كما أن المنظمة لا تملك سلطة الضغط على الدول للكشف عن مستوى انتشار الوباء فيها وكيفية مكافحته.
  • الثاني – من الواضح أن التيارات القومية في بعض الدول، والتي أوصلت أنظمة حكم قصيرة النظر في فنون التعامل مع مستجدات مُهددة للمجتمع بأكملة، خاصة أن بعض هذه الأنظمة تتبنى سياسات تكتسي بثوب المصالح الحصرية للأمم، كما في هنغاريا، وبولندا، والولايات المتحدة، وبريطانيا. فـ توجهات العولمة الجامحة، التي سيطرت على السياسة والاقتصاد العالميين، فرضت الكثير من الظلم لشعوب وفئات اجتماعية مختلفة، وهددت البيئة وسلامة الكوكب الذي يعيش عليه ومنه البشر.

وبالتالي، لابد من مراجعة السياسات القديمة القائمة أصلا على سياسات العولمة الاقتصادية، هذا الأمر من شأنه مستقبلاً التخفيف من مخاطر الأوبئة والإضرار بالبيئة على الأمم والشعوب وعلى المجتمع الإنساني ككل؛ ولا يمكن مواجهة هذه المخاطر بدون تعاون وثيق بين الأمم والشعوب، فما أظهره وباء كورونا المستجد يؤكد أن التهديد الجيوستراتيجي للوباء لا يقل عن التهديد العسكري.

ومن الضروري في هذا الإطار تبادل القدرات واقصاء الأنانية ، لأنها ستبني الصراحة الكاملة التي يقوم على أساسها نظام عالمي يعبر عن الندية، ويستبعد التكاذب، الذي يبدو أنه لا ينسج سوى القصص الخرافية على النمط الأوروبي. وكورونا هو أيضاً قصة خرافية بإطار واقعي يُسوقها الغرب عموماً تُجاه دولنا الغارقة في النزاعات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية، دون تعزيز فكرة الوعي بوصفها سلاحاً للحد من النظريات القادمة عبر النظام العالمي ذو الرأس الأمريكي.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق