فقراء العراق و لبنان : لم تهدروا حقوقنا بعد اليوم

لست بصدد عداوة مع حاكم معين ولكنني أملك قلما يأبى أن يسكت عن الظلم أينما وقع. وكم من الظلم يمارس ضد ملايين من البشر في وطننا العربي المنكوب بأسوأ الحكام وأكثرهم فسادا واستهتارا بحقوق شعوبهم ؟ وكم من المعدمين الذين لايحصلون على رغيف الخبز فيه إلا بشق الأنفس في الوقت الذي تشمخ فيه القصورالتي تناطح السحاب ولها خراطيم كخراطيم الفيلة،وهي تضج بالخدم والحشم والمزودة بكل مالذ وطاب في هذه الدنيا وكأنها تتحدى الفقراء وتقول لهم :

( موتوا فأنتم لاتستحقون الحياة )،ويا ليت كانت قصورا فقط لكن أصحابها لايشبعون أبدا فأرصدتهم الخيالية تقبع في بنوك الدول الأوربية. وهم وأولادهم وزبانيتهم يدرسون في أرقى جامعات العالم ويستقلون أحدث السيارات التي تصنع لهم خصيصا في المصانع الأجنبية؟ ويتنقلون من بلد إلى بلد بطائراتهم الخاصة. أما المزارع والعقارات والشركات الأخطبوطية فحدث ولا حرج . ولم يكتفوا بهذا بل لو آستطاع شخص ما الإطلاع على مجونهم ولهوهم لأصابه الذهول وولى منهم فرارا ومُلئ قلبه رعبا.

أما على الجانب الآخر فهناك شباب يقدمون على الإنتحار لشعورهم باليأس والإحباط الذي أوجده حكامهم الذين وعدوهم بتحسين أحوالهم المزرية خلال عقود وعقود فلم يتحقق منها شيئا. بل صارت الأمور المعيشية للمواطن المسكين أكثر سوءا نتيجة للظلم والتهميش الذي يمارس بحقه من قبل السلطات الحاكمة. وبآستطاعة أي إنسان أن يجد شيوخا أحنى الزمن ظهورهم وهم يبيعون الشاي وبعض الحاجيات البسيطة على الأرصفة أملا بالحصول على رغيف من الخبز تحتاجه بطونهم وبطون أبنائهم الغرثى لكي يبقوا على قيد الحياة.

كل هذا وأكثر يحدث في الدول العربية.دول النهب والفساد والإفساد،دول الظلم والإمبراطوريات والقمع والحرمان والعسس التي تداس فيها حقوق المحرومين بالأقدام من قبل أزلام الأنظمة الفاسدة وخدمها.

أقرأ أيضاً:

  من هي بولا يعقوبيان؟ وما علاقتها بالـ CIA؟

وقد قال رسول الله ص:

(من بات ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.)
(الناس كلهم عيال الله وأحبهم لله أنفعهم لعياله.)

إن الفقر الذي يعيشه الملايين من المحرومين في الوطن العربي الغني بخيراته وموارده هو نتيجة لغياب العدالة ولتفاقم الظلم الذي نشر كلكله الثقيل على فقراء هذه الأمة منذ أعوام طويلة فامتص دماءهم، وحطم عظامهم ، وقتل الأمل في نفوسهم. ورحم الله الشيخ أحمد الوائلي الذي قال:

بغداد يومك لايزال كأمسه
صور على طرفي نقيض تجمعُ
يطغى النعيم بجانب وبجانب
يطغى الشقا فمرفهً ومُضيعُ

وبآستطاعتنا مخاطبة أية عاصمة عربية بهذا الكلام ولكن فقط بتغيير إسم بغداد لتكون بيروت أو عمان أو غيرهما. لأن فقراءها مسحوقون حتى العظم ، ولا يسمع أحد من الحكام استغاثاتهم المستمرة أبدا. فيموتون ببطئ وتصعد أرواحهم لرب السماء شاكية ظلم الإنسان لأخيه الإنسان.

ومادامت الأمور تسير على هذا المنوال المأساوي فمن المحتمل أن يشهد الوطن العربي في الزمن القادم ثورات جياع عارمة لاتنتهي إلا بالإطاحة برؤوس القهر والظلم والفساد التي فقدت كل حس إنساني. وزاغت بصيرتها عن رؤية الحق.

ومن حق فقراء العراق و لبنان اليوم أن ينتفضوا على حكامهم لأنهم مهملون منذ عشرات السنين تحت ظل حكومات المحاصصة البغيضة المتنافرة الإتجاهات، والمعدومة الكفاءات والتي دخل أقطابها في سباق محموم لإملاء جيوبهم، وإتخام بطونهم بالمال الحرام متجاهلين تماما المعاناة الطويلة لهؤلاء الفقراء. ولأن المناصب الكبرى صارت الغاية القصوى للحكام.

لقد نهشت العناصر الطفيلية في هذين البلدين كل جزء من جسم الوطن كما تنهش الضواري الجائعة جسم ضحيتها لايردعها دين ولا ضمير ولا خوف من الله ولا احتجاجات المحتجين بعد أن روجت كثيرا للإصلاح والقضاء على الفقر والبطالة دون جدوى، فضاعت دولة المواطنة في حمى الصراعات الشخصية والحزبية والعشائرية والأيام والأشهر تمر وحال الغالبية العظمى من الشعبين العراقي واللبناني تسير نحو الأسوأ. وظلت الطبقات المسحوقة محرومة من أبسط حقوقها الإنسانية وأصبحت حالة التمتع بجزء من خيرات الوطن العراقي الذي أغدقه الله بثروات كبرى أمرا محرما على الطبقات الفقيرة . وقتل الحكام الأمل في قلوب الشباب الذين هم عماد نهضة البلد ، والدم المتجدد في عروقه فتزايدت أعدادهم وتحولوا إلى حمالين وبقالين ولم يلتفت إليهم أحد.

أقرأ أيضاً:

  دور التنمية البشرية في المجتمع

ونحى حكام لبنان هذا المنحى رغم الفارق الواسع بين موارد البلدين فقد ظل الفقراء هناك يزدادون فقرا،ويزداد المتخمون الفاسدون غنى ، وتتضخم ثرواتهم، وتتشعب سرقاتهم لقوت الملايين تحت ظل هذه الحكومات التي سعى أفرادها إلى تقسيم الوطن إلى حصص فيما بينهم . وتحولت الوزارات إلى إقطاعيات وقبائل على مدى ثلاثة عقود يعيث فيها المفسدون فسادا دون رقيب.والمواطن محروم من أبسط حقوقه فلا خدمات ولا عمل ولاشيء غير الضرائب والنهب كأن الله خلق هؤلاء الحاكمين لفرض الضرائب وليس غير ذلك.

لقد أصبحت قضية الفساد في العراق حديث القاصي والداني ، وأصدرت منظمات متخصصة أرقاما مهولة عن حجمه المخيف وحكامه غارقون في صراعاتهم حتى الثمالة. وتشير المعلومات إلى أن آلة الفساد اجتاحت أكثر من تسعة آلاف مشروع في مجالات مختلفة، منها مشاريع وهمية وأخرى متعثرة منذ عام 2004، بحسب تأكيد الحكومة نفسها، وبقيمة تجاوزت ثلاثمئة مليار دولار

وتحدث رئيس الحكومة عادل عبد المهدي في بداية تسلمه لرئاسة الوزراء عن أربعين ملفا دخلها الفساد من أوسع الأبواب.

وخسر العراق منذ عام 2003 نحو 450 مليار دولار نتيجة لعمليات الفساد. وتقدر المنظمات العالمية بأن نسبة البطالة بلغت 40% وصنفت منظمة الشفافية الدولية العراق في المرتبة 117 من أصل 133 دولة. واليوم يرزح العراق تحت ديون دولية تقدر ب 125 مليار دولار عدا أرباحها التي تتراكم عاما بعد عام. وفي لبنان تتصاعد البطالة التي وصلت 36% ويرزح تحت ديون تقدر بـ 86 مليار دولار نتيجة للسياسات الإقتصادية الفاشلة.وكل هذه الديون الضخمة سيتحملها الجيل الحالي وكذلك الأجيال القادمة إذا لم تحدث إصلاحات إقتصادية جذرية في البلدين.فإلى أين يذهب الشاب بعد أن قضى 20 عاما من الدراسة في بلده ورمي بعدها على الرصيف؟

أقرأ أيضاً:

  الفساد تابع: دار الفتوى رفضت دفنه في بيروت لانه فقير... فدُفن بالصرفند

لقد صبر فقراء العراق و لبنان كثيرا عسى أن يروا نورا في نهاية النفق . فكان الجواب من الحاكمين إرهاقه في كل مرة بحزمة من الضرائب التي لايستطيع المواطن الفقير تحملها أبدا. ونبهت المرجعية الرشيدة في العراق إلى مكامن الخطر منذ أعوام فلم يسمع الحكام مناشداتها المستمرة وظلت المماطلة سيدة الموقف . وفي لبنان طالما حذر نصير الفقراء سماحة السيد حسن نصرالله من الإنفجار الشعبي نتيجة للسياسات الإقتصادية الفاشلة فكان الجواب من قبل جهات سياسية معروفة في كل مرة الصد وتوجيه الإتهامات الباطلة، والسعي لتفجير صراعات مذهبية تغرق لبنان في بحر من الفوضى.

وأخيرا وبعد أن طفح الكيل خرج الفقراء من كل مدينة وقرية في البلدين ليقولوا لحكامهم قفوا عند حدكم وقد حان يوم الحساب ولم يكن بمقدوركم هدر حقوقنا بعد اليوم.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock