فيلم الممر دعوة للتنازل عن سيناء

كان الصديق العزيز أمير القادري قد أرسل الي رابط فيلم الممر لأكتب عنه نقدا وتحليلا يظهر خفاياه . وراعني ان الفيلم يعتبر فيلما صهيونيا صريحا يدعو لتهجير أهل سيناء لتسليمها لاسرائيل”متوضيه”. ويفرغ الصراع العربي الاسرائيلي من محتواه العقائدي والوجودي . ويقدمه على أنه مجرد حاجزا نفسيا بيننا وبين الخنازير الصهاينة وأنه أشبه بمنافسة في مباراة كرة قدم . وأن الاعلام المصري هو السبب في تشويه خنازير صهيون وبناء عداوة بيننا وبينهم. وقد جاهر صناع الفيلم بأنهم فنانين مرتزقة يعملون بأجر لدى العدو الصهيوني . حيث وضع السيناريست السم في العسل مثلما فعل فيلم الطريق الى ايلات الذي قدم عملية بطولية لقواتنا المسلحه . وفي معرض التفاخر بالبطولة تم تلقين المشاهد اسم ايلات وهو الاسم الصهيوني لميناء أم الرشراش المصري . وتم تثبيت الاسم العبري في اذهان المصريين لتصبح هي ايلات الاسرائيلية وتضيع ام الرشراش حتى من ذاكرة المصريين .

ونفس الحيلة استخدمها فيلم الممر لكن الهدف كان اكبر بكثير من ام الرشراش .. انها سيناء بأكملها .

يبدأ الفيلم باجتماع للقيادة الاسرائيلية لتتخذ قرار بتوجيه ضربة عسكرية لمصر في يونيو 1967 واتفقوا على افتتاح الهجوم بتدمير الطيران المصري وهو لا يزال على الارض مثلما فعلت قوات العدوان الثلاثي على مصر 1956 . وتم اظهار التفوق والاستعلاء والعنجهية الاسرائيلية و الحديث عن المصريين على انهم لا يتعلمون من أخطائهم . وبالفعل كانت الهجمة الخاطفة التي انهت الحرب قبل ان تبدأ ولم تحصل قواتنا على فرصة للقتال .

ثم اعقبت الهجمة مشاهد قاسية للجنود المصريين وهم ينسحبون من سيناء مكللين بالعار . وكان الرائد نور يعيش مأساة اكثر عمقا حتى أنه عاد لمنزله منهارا يعيش خيالات الهزيمة التي جلبتها القيادة السياسية والعسكرية للبلاد . وتحاول زوجته أن تسري عنه وأن تشد من ازره ليتماسك . وتنصحه بأن يصبر ويجتهد حتى يتجاوز المحنة و يحول حزنه الى قوة فيثأر لنفسه ويهزم الاشرار .

ولاحظ تعبير الاشرار الذي حل محل تعبير العدو الصهيوني . وفي مشهد أخر متصل يقول الرائد نور لابنه ان مباراة كرة القدم لا تنتهي باصابة مرماك بهدف. لكنها تستمر وبامكانك التعويض وتسجيل هدف انت ايضا . وتلك طبعا اشارة الى حرب التحرير في اكتوبر 1973 وتنبيه للمشاهد لان ينتظر استعادة سيناء من يد المستعمر الصهيوني .

ويدخل البطل الرائد نور سنترال ليتصل بكتيبته في بور سعيد . وقد وضع السيناريو هذا السنترال ليكون هو مصر نفسها فوضع فيه انماط مختلفة من المواطنين . فلاحين وطلبة وعمال وموظفين ورجال دين ورجال شرطه . والجميع يشكو من نقص الخدمات وتأخر المواصلات والازدحام على الخبز والسلع الغذائية .

اذن لنثبت هنا ان شخصية مصر تجسدت في السنترال ولذلك استعرض فيه كل ملامح مصر المهزومة . فيما يصيح موظف السنترال مناديا : المنصورة كابينة 4 وتلك مفارقة لان مشهد السنترال جسد مصر المهزومة وليست مصر المنصورة .

وهو حتما يريد ان يحدد طريقا للنصر ويرمز له ب كابينة 4 وسنعرف فيما بعد ما هو هذا الطريق . وعندما يعرف موظف السنترال ان نور ضابط بالجيش يعامله باستهانة وازدراء . ويسخر من انسحابه من سيناء وتركها للعدو فيضحك جمهور السنترال وهو هنا يرمز للشعب المصري بأكمله .

أقرأ أيضاً:

  حوار خاص مع الباحث السياسي الأستاذ أنيس النقاش

و يفقد نور اعصابه وينهال بالضرب على الموظفين بل ويشتبك مع الجمهور ايضا . ليأتي شرطي ويوقفه تحت تهديد السلاح ثم يدخل ضابط شرطة كبير والكاميرا تمنحه اهمية بالغة . حيث تتحرك خلفه تتعقب خطواته الواثقة والجنود يؤدون له التحية العسكرية . واللقطة كلها توحي بأننا أمام شخصية مهمة للغاية . وبشكل عام كانت الشرطة في المشهد هي الاعلى والاقوى والأفخم والأرشد .

فاستطاع الضابط تسوية الموقف وأقنع موظفي السنترال بالتسامح وأنقذ ضابط الجيش من المساءلة . وهنا ارتبط اللون الابيض بالحكمة والسلام والتسامح .

ويخرج البطل من السنترال وبينما هو في الطريق تنساب كلمات اغنية تقول :

لسه جاي من ليل العتمه ضي
يفرد جناح النور ويوهب لك حياة

تفتح عيونك ع الامل وتشوف مداه
وساعتها بس ح تعرف انك لسه حي

ولسه عندك حلم وح تفضل وراه

*(ويقطع الاغنية صوت عبد الناصر يقول: يجب ان نمسك عن استعمال القوة ثم تكتمل الاغنية)

الممر ممر يخرج بيك من الليل للنهار
ابدأ طريقك حتى لو مشوار طويل

مين اللي قال انك ماعندكش اختيار
طول ما انت فيك الحيل ح تقدر ع الطريق

وبكلمات عبد الناصر أصبح مغزى الاغنية أن الممر يخرجنا من حالة الحرب الى حالة أخرى هي عدم استعمال القوة . وأنه ممر يخرجنا من سيناء لتسيطر عليها اسرائيل .

ثم يأتي مشهد من قاعدة الصاعقة البحرية بأبو قير ومعظم الجنود هنا يرتدون اللون الابيض الذي هو زي سلاح البحرية . فيتساوى بهذا مع الشرطة وتصبح البحرية مثلها رمزا للسلام والتسامح .

فيلم الممرويتوجه النقيب رمزي الضابط بالقاعدة البحرية مع 3 من رجاله الى مقر القيادة بالقاهرة ليتم تكليفهم بالاشتراك مع المقدم نور في مهمة خلف خطوط العدو . و يسأل رمزي زميله نور عن مكتب القائد فيما تظهر صورة عبد الناصر في نهاية الصالة وبجانبها بوابة خرج منها احدهم . ليشير الى ان عبد الناصر قد خرج من الخدمة وبالفعل يشير له نور باتباع الاتجاه المعاكس للصورة. ويتحرك الاربعة بملابسهم البيضاء التي ترمز للسلام نحو مكتب القائد الجديد وهو طبعا السادات صاحب اتفاقية السلام مع العدو الصهيوني .

والرجال الأربعة بملابسهم البيضاء يذكروننا بمشهد السنترال ونداء الموظف : المنصورة كابينه 4 . والرسالة المبطنة هنا تخلط النصر بالسلام مع العدو بل بالاستسلام له . وينضم رباعي البحرية لكتيبة الصاعقة قيادة المقدم نور لتبدأ عملية الاغارة على اكبر قاعدة للعدو الاسرائيلي في عمق سيناء . وعسكريا لا يوجد أي مبرر لاشراك جنود من البحرية في عملية خلف خطوط العدو في رمال سيناء . والواضح ان السيناريو استحضر البحرية بسبب ملابسهم البيضاء كرمز للسلام .

وينضم للمجموعة الصحفي (احسان) وهو يعد من افرازات الهزيمة اذ كان ينشر مادة فنية هابطة وهي التي تسود عادة عقب الهزائم . ويعامله الجميع باستهانة سنعرف سببها فيما بعد.

أقرأ أيضاً:

  حزب الله يدين المؤتمر التطبيعي مع العدو الإسرائيلي في البحرين بمشاركة صهيونية بارزة

وتنتهي تدريبات المجموعة لتبدأ طريقها الى معسكر العدو في سيناء وعلى متن الطائرة يقول لهم قائدهم المقدم نور: ” المرة الجاية لما نعدي القناة مش ح نرجع الا و سيناء معانا ” . ترى هل هذا هو ما حدث ؟

في الطريق تعسكر المجموعة طلبا للنوم والراحة ويلحظ الصحفي (احسان) عقربا يقترب من أحد أفراد البحرية وهو الصول اسماعيل المستغرق في النوم . فيوقظه بسرعة وهو مذعور لكن الصول اسماعيل يستخف بالأمر ويصيح فيه ويلومه على أنه ايقظه . ثم يقول : ” احنا هنا ضيوف عند العقارب والثعابين والديابة..لا تضايقهم وهم لن يضايقوك “. اي انهم وهم في سيناء يعتبروا ضيوف عند اصحابها العقارب والثعابين والديابة فمن يكون هؤلاء ؟ وضع السيناريو الاجابة في لقطة من احدى المعارك التي دارت بينهم وبين اليهود . واللقطة تجمع نفس الشخصين الى جانب المهاجم الذي حل محل العقرب . وكان جندي اسرائيلي اقترب من الصول اسماعيل النائم فوق بندقيته يقاتل . وأنقذه الصحفي حيث صوب مسدسه على الجندي الاسرائيلي فأرداه قتيلا . وبهذا تكون الرسالة من المشهدين ان سيناء أرض اسرائيلية .

وتدور الاحداث ويقبض على عراب الطريق “أبو رقيبة” اثناء عودته للمجموعة حاملا الطعام بواسطة دورية اسرائيلية . وتنجح في الوصول للمكان الذي تنتظره فيه المجموعة . ويختبئ الجميع تفاديا للاشتباك لضمان نجاح عمليتهم . الا ان الصحفي احسان كان يقضي حاجته وعاد دون ان يعرف بوجود الدورية الاسرائيلية . وهنا اشتعلت المعركة بين الطرفين والمشهد يقول ان الاعلام هو من يسمم العلاقة بين المصريين واليهود ويؤدي لاشتعال الحرب بينهما . وهذا هو السبب في تقديم الصحفي بهذا الشكل المزري وازدراء الجميع له .

وتنجح المجموعة في التغلب علي الدورية الاسرائيلية وتنقذ العراب . لكنه قد اصبح مثار شك للمحتل الاسرائيلي فتم القبض عليه بسبب ضياع الدورية الاسرائيلية التي كانت قد ابلغت عنه . وتحل محله أخته فرحه التي قادت المجموعة الى مشارف المعسكر المستهدف . وتنجح المجموعة في اختراق المعسكر وتحرير عدة اسرى مصريين ومعهم العراب ثم تدمير المعسكر وجلب قائده أسيرا .

وأثناء هذه المعركة تعطل جهاز اللاسلكي حيث اصيب برصاصة عطلت دائرة الارسال والاستقبال بالجهاز . وبفقدان اللاسلكي لم تعد المجموعة على اتصال بالقيادة وهو ما يجعل الخروج من سيناء امرا شبه مستحيل . ويحاول جندي الاشارة اصلاح الجهاز فيما تبحث عنهم القوات الاسرائيلية .

وبينما هم يختبئون ومعهم الاسير قائد المعسكر الذي دمروه يدور حوار بينه وبين نور قال فيه ان الارض ملكا لهم . حسب وعد الله لابراهيم ونسله من بعده مضيفا انهم ابناء اسحق . ويرد عليه نور بأن العرب أيضا من نسل ابراهيم باعتبارهم ابناء اسماعيل . ولاحظ هنا ان الصول اسماعيل في مشهد العقرب قال انهم ضيوف في سيناء . وهو ما يجعل محصلة المشهدين هو ان الارض لابناء اسحق . وتصل درجة البذاءة والحقارة بصناع الفيلم الى حد عدم الاعتراف للمصريين بالنصر الذي حققوه . حيث اتضح أن القائد الاسير ليس ضابطا محترفا وانما مجرد ضابط احتياط أتوا به من الحياة المدنية .

أقرأ أيضاً:

  قاووق: إطالة أمد الأزمة ليست لصالح الوطن، وحزب الله أكبر من أن يعزل وأقوى من أن يحاصر

و بينما هم مختبئين فوجئوا بهجوم المدرعات الاسرائيلية ونجحوا في صده بخسائر قليلة جدا . ثم يحدث تطور خطير للغاية حيث يأتي عراب الطريق “ابورقيبة” ومعه قبيلته . ويعلن للمجموعة ان العدو تأكد من تعاونهم مع الجيش المصري وأن القبيلة لابد ان تهاجر من سيناء والا قتلوا . ولاحظ هنا هجرة أهالي سيناء الى الداخل وهي اشارة الى اخلاء سيناء لليهود وهو ما يحدث فعلا الآن في سيناء .

وينجح جندي الاشارة في اصلاح جهاز اللاسلكي بأن استعار دائرة الارسال والاستقبال من جهاز اسرائيلي . وهنا نعود الى مشهد السنترال الذي تجسدت فيه مصر كلها بعد الهزيمة . وقد انتقل الرمز من السنترال الى اللاسلكي واندمجت فيه مصر واسرائيل وهكذا كتبت النجاة لكتية المقدم نور .

والرسالة هي ان العلاقة بين البلدين بل الدمج هو وحده طريق النجاة . اما النقيب رمزي فقد استطاع الظفر بدبابة اسرائيلية سليمة بعد ان قتل طاقمها . ومن خلال اللاسلكي والدبابة الاسرائيلية تمكنت المجموعة من التحرك عائدة الى غرب القناة . واستعدادا للعودة يطلب الجندي هلال الذي خطب فرحة من أخيها ابو رقيبة ان يأتي وقبيلته معه الى الصعيد فلديهم دوار كبير وأرض .

وكانت خطة نور للعودة من سيناء هي ان يفتح ممرا (بمعناه الموضح بعاليه) وسط المدرعات الاسرائيلية . وتنجح المجموعه في الوصول الى الضفة الشرقيه من القناة ثم تعبرها عائدة الى الضفة الغربية . ثم مشهد من القيادة الأسرائيلية والقائد يقول : المصريين عبروا القناة ولم نستطع ايقافهم ولاحظ ان كلمة عبور هنا هي عبور من سيناء الى الداخل . وليست هي كلمة عبور التي نستخدمها بمعنى العبور الى سيناء لتحريرها .

أما ابو رقيبة فقد ترك القبيلة تهاجر من سيناء الى الصعيد وعاد وحده لمواجهة الحشود الاسرائيلية . وكان مشهد النيران الكثيفة من ورائه يقول بوضوح أنه ذاهب الى الموت . وأن هذا هو مصير من يفكر في دخول سيناء . وبعودة الكتيبة تعم الفرحة انحاء البلاد ويتنهي الفيلم والعدو الصهيوني لم يزل يدنس أرض سيناء الحبيبة . دون اي ذكر لحرب اكتوبر ودون حتى مشهد رفع العلم المصري على ارض سيناء . وهو اخلال متعمد بقواعد الدراما التي يعلمها السينارست جيدا . بل أنه ايضا تزييفا للتاريخ وانكارا لتضحيات جيلا بأكمله أعطى كل ما يملك دون الحصول على شئ .

ثم أن عملية مهاجمة معسكر في سيناء ليست انتصارا ولا تستحق كل هذه الفرحة التي عمت البلاد . وماهي الا حلقة في سلسلة عمليات خلف خطوط العدو استمرت لثلاث سنوات كاملة . في اطار حرب الاستنزاف التي بدأت بعملية رأس العش في 1 يوليو 1967 حتى توقفت في7 أغسطس 1970 بقبول عبد الناصر مبادرة روجرز .

وفي الختام فنحن على يقين بأن يوم الحساب قد اقترب . وأن الغضب المصري سوف يسحق بأقدامه كل الخنازير وعلى رأسهم العميل الصهيوني عبد الفتاح السيسي .

بواسطة
جمال عبد العظيم
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق