قراءة في رواية “أوبرا القناديل” للكاتب الفلسطينيّ مشهور البطران

أوبرا القناديل

في زيارتي الأخيرة إلى رام الله التقيت بصديقي نقولا عقل وأهداني رواية “أوبرا القناديل” للكاتب الفلسطينيّ مشهور البطران(الصّادرة عن “جسور ثقافيّة/الرعاة للدراسات والنشر، تحوي في طيّاتها 258 صفحة ، لوحة الغلاف للفنّانة التشكيليّة، ابنة غزّة، دينا مطر)، من مؤلّفاته: “أوهام أوجست اللطيفة“، “السماء قريبة جدًا“، “آخر الحصون المنهارة“، “شرفات البيت الجميلة“، “وجوه في درب الآلام“، “البيت الكبير“.

تحكي الرواية حكاية زعيم ورث الحكم عن أجداده، يخاف الصراصير، فشل في محاربتها وتوهّمها تطارده في منامه، يحاول ابنه “مشعل” توضيح حقيقة ما يجري في البلاد ويحثّه على الاهتمام باحتياجات أبناء شعبه، يحاول إبادتها بمادة دي دي تي ممّا يُغضب الرأي العام العالمي ويؤدّي إلى تدخّل “أجنبيّ” وتبدأ مفاوضات عبثيّة تُجبره على تقديم التنازلات، التنازل تلو الآخر، والموافقة على وضع كاميرات مراقبة في كلّ أرجاء البلد، تضطرّه للتحالف معها لمحاربة “الأعداء” في الداخل، يُسجن “مشعل، وتتعرّض حبيبته “مريم” لمحاولة اغتيال فاشلة فتختفي عن الأنظار، يثور الشعب ولكن رجال الدين السلفيّين يسحبون البساط من تحتها ويسرقوا الثورة لتبدأ عملية تكفير وملاحقة وتخريب، يُقتل المثقّفين وتُهدم الكنائس والقبور، تُحرق الآلات الموسيقيّة والمراسم، لا الثورة تبدو انتقامًا لدين معيّن، بقدر ما هي فوضى، فيقوم الأطفال بتصليح الآلات التي حُرِقت وكسرت لينجحوا في عرض “أوبرا القناديل”.

تدور أحداث الرواية في مدينة غير معرّفة وتصلح لتكون في أيّة بلد عربي، تمامًا كما هو الحال في رواية “زهور تأكلها النار” لأمير تاج السر، تستبيح المجموعات التكفيريّة المدينة، قتلاً وذبحاً وخطفًا وسبياً باسم الشريعة، يلتحق بها المسلّحون ولحاقهم لا يمُت للدين بصِلة وبعيد عن دين الاسلام، دين الفطرة والرحمة والرأفة والأمن والسّلام، حيث قتل النفس يُعَدُّ من أكبر الكبائر ويأتي بعدها الشرك بالله، فالله عزّ وجل هو واهب الحياة وليس لأحد أن يزهقها!
أبطال الرواية: “المنشدة“؛ عجوز زاهدة، ترمّلت عن زوج كان ناشطًا سياسيًا ومات كسجين رأي وفقدت وحيدها الذي قُتل في مظاهرة، لم تفقد الأمل في الحياة وصارت أمّ الجميع، تُعمّد كلّ طفل يولد ببركات حبّها وكأنّي بها البوصلة التي تبعث الأمل، شاهدة على العصر وترصد تقلّبات الأمور لتنشد للزعيم بعد الإطاحة به من سدّة الحكم ونفيه في بلده قبل أن تلتهمه الصراصير:
يلّي الزمن عَلّاك
على كتافنا حطّك وخلّاك
إجا الزمن وطواك
في الذل والمهانة رَماك
وعلّا غيرك ووطّاك
اشتغلت بالتطريز وشغّلت الأرامل والصبايا العاطلات عن العمل وأسّست جمعيّة نسويّة تعنى بشؤون التراث والتطريز.
مشعل“؛ ابن سلاسة الزعيم ولكنّه نهج نهجًا آخر، تعلّم وعاشر الحكماء، فصار صاحب حنكة ودراية ومبادئ، واجه الزعيم مرّات محاولًا إزالة الغشاوة عن عينيه، منبّهًا بما يجري خارج البلاط، دون جدوى: “العظماء يصنعون التاريخ، أمّا الصغار فيصنعهم التاريخ ويلقي بهم على قارعته” ونبّهه للمتسلّقين الذين ينقلبون عليه حين تتهيّأ لهم الفرصة الأولى. سُجن نتاج أراءه فهرّب كتاباته من السجن عبر كبسولات ورقيّة (وجاءني ما كتبه الروائي الأسير كميل أبو حنيش في روايته “الكبسولة“). يحثّ على الصمود والمقاومة والبناء “السلام مع عدوّك لا يتحقّق وأنت ضعيف، فالسلام كالحرب يحتاج إلى قوّة”.
“مريم”؛ بنت ذكيّة من عالم المهمّشين، يتيمة وأمّها خادمة، مثقّفة وكاتبة قصص الأطفال، تكتب قصصًا فابيوليّة على شاكلة كليلة ودمنة وشخصيّاتها من عالم الحيوان، حبيبة مشعل، لكنّ البيت الرئاسي عارض زواجهما بسبب حسبها ونسبها وأعراف القبيلة! ورغم ذلك عاشا حياتهما مغضوبًا عليهما.
الصراصير“؛ مفصليّات مجنّحة مغرمة بالإقامة في تجاويف الخشب، غزت البلاد وعاثت فيها الفساد، تغلب عليها طابع الرمزيّة، سواء كان أمريكيّ الأصل وتغلغل في العراق والخليج وكأنّي به يرمز إلى الكولونياليزم الأمريكيّ، أم أوروبيّ الأصل: “…أمر دبّر بليلٍ من قبل تجّار أخشاب أوروبيّين حقنوا بيوض الصراصير في صدوع الخشب وصدَّروها على متن السفن لتجّار محليّين متورّطين في هذه الصفقات” (ص26)، ألا وهو الهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين! فواجهته وأهل البلاد الأصليّين وكأنّي بها تقول: إما أن تقبل وجودنا في هذا البيت أو أن ترحل عنه!
“المايسترو”؛ درس الموسيقى في الغرب وعاد إلى البلاد بعد سفر دام أكثر من اثني عشر عامًا برفقة زوجته الأجنبيّة (رغم تحذيره لها قبل السفر، لكنّها أصرّت على مرافقته: “أنت وطني أعيش حيث تكون“، عازفة بيانو وابنهما عازف الساكسفون. ليبرالي غريب الأطوار وصاحب رسالة: تأهيل دار الموسيقى، فحاربوه وأطلقوا عليه الإشاعات ومنها أنّه مُمَوّل من مصادر خارجيّة ومُطبِّع مع العدو.

أقرأ أيضاً:

  قصائد درويشيّة مغنّاة

السلطة تعيش في وهم، لا تستوعب أنّ الفساد بنيويًا بغضّ النظر عن التدخّل “الغريب “أنّ الخراب الذي لحق باللوحات والمُقتنيات الأخرى ناتج من الرطوبة والعث والفطريّات“، غارق في معارك وهميّة وناسه يموتون من الجوع والبرد والأوبئة.
للرأي العام والإعلام، ومن يسيطر عليه، دور هامّ؛ تناقلت وسائل الإعلام العالميّة خبر حرق طاولة بصراصيرها بغرابة واستهجان وباتت تقاريرها موبِّخة ومضخِّمة للأمور ومحرِّضّة، جعلته حدثًا مركزيًا وموضوع دراسات، وكأنّي بالكاتب يلمّح لما كُتب عن الهولوكست وعن العمليّات الفدائيّة هنا وهناك، إستغلّها الكيان الصهيوني وعملائه لكسب الرأي العام والتحريض على أبناء شعبنا لنصرة العالم لما يقوم به من موبقات.
بدأ الحصار يشمل مواد لا علاقة لها بالمبيدات الكيماويّة، بما فيه القمح والسكر والزيوت وآلت شؤون التموين كليًا إلى هيئة الرقابة والتي بدورها منحت هذا الامتياز لشركات عالميّة، لها وكلائها المحليّين المنتفعين ممّا خلق طبقة كومبرادوريّة سوّقت الحصار الخانق وروّجت له وكأنّي به يصوّر الوضع في العراق وحصار قطاع غزّة!!
الوضع الاقتصادي، والخنق الأمنيّ أدّى إلى البطالة التي تسبّبت في عمالة الأطفال ليتسرّبوا من مدارسهم تحت ضغط العوز واضطراب المعيشة.
إستغلّ الزعيم الهجوم الصراصيريّ وأصبح فزّاعة يخيف بها الناس وشمّاعة يعلّق عليها عجز نظامه وفشله، عمل على تحجيم أصوات المعارضة بالإعتقال أو الإقصاء أو نشر إشاعات تشنّع بهم بوصفهم كحوليّين أو إستعلائيّين! ثبّت حكمه من خلال إثارة الفوضى وتأجيج النزعة العشائريّة وباتت أرضًا خصبة للفكر السلفي.
رجال الدين مع “الكفّة الراجحة”، يؤيّدون الحاكم حتّى يتمكّنوا من الأمور، “الشيوخ بلابل السلطة في كلّ زمان ومكان”، يشكّلون رأس الحربة في وجه المعارضين، خططهم السيطرة على البرامج الدراسيّة، يستغلّون الوضع لتزدهر المساجد ويتعمّق دورها وتأثيرها في الحياة العامة، فنجد: “تصاعد المدّ الديني وتراجعت الحريات المدنيّة، لا امرأة تُظهِرَ شعرها. الجلبابُ والحجاب مظهران عامّان يُلازمان المرأة في الشارع والمدرسة وفي كل مكان تقريبًا، ما أن تصل البنت عشر سنوات حتى تلبس الحجاب” (ص. 123) وتصير المرأة ضحيّة للضرب والتحرّش الجنسي. تصاعد المد الديني يرافقه جزر بمدى الحريّات المدنيّة، فيصير بوقًا للسلطة وأداة لبثّ الجهل. حين نشبت الثورة باركوها، اعتلوها وسرقوها ممّا حدا بمشعل تصوير الوضع “الاقتناع بصدق رجال الدين هو الكذبة الكبرى التي يصدّقها السذّج ولا يجرؤون على المجاهرة بإعادة تكذيبها” (ص200)، يتقلّبون ويتلوّنون كما تتلوّن الحرباء.

أقرأ أيضاً:

  العَهد

يتناول الكاتب المفاوضات العبثيّة وكأنّي به يصف حال المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة، كلّها تنازلات من طرف واحد، ورغم التنازلات وتعنّت الطرف الإسرائيلي يبقى الفلسطينيّ متشبّث بها ليحارب أبناء جلدته، يتحالف مع الغريب ليصير الأخوة أعداء، والأعداء أخوة (وكأنّي به يصوّر حالة غزّة والضفّة الغربيّة) من مدريد إلى كامب ديفيد، إلى أوسلو وما بينها ويتحوّل الصراع العربي الإسرائيلي إلى صراع عربي عربي، ويتحكّم الصهيونيّ بكلّ صغيرة وكبيرة عبر كاميراته وعيونه المنتشرة في كلّ مكان، سواءُ في العراق أم في فلسطين، ويتماثل مفاوضنا مع شروط الآخر ويقدّم تنازلات فوق المطلوب ويقوم بمبادرات تنازليّة لمجرّد ظنّه أنّها قد ترضي سيّده، يمارس دور الضحيّة بتلذّذ، وكأنّي به يستنبط متلازمة ستوكهولم، يجهض كلّ مبادرة شعبيّة وكلّ عمل وطني. المهزوم لا يفاوض إلّا على طريقة استسلامه، المهزوم يوقّع فقط! والمفاوض الأجنبيّ خبير بالمماطلة والتسويف! ويحك أيّها التنسيق الأمني البغيض!

يصف الكاتب ظواهر اجتماعية نتاج الوضع الراهن وضعف السلطة، ومنها ظاهرة قُطّاع الطرق واللصوص و”الأجلاف الذين صاروا يجمعون الإتاوات من الناس جهارًا نهارًا” (ص.165)

يتناول الكاتب دور سجناء الحريّة وصمودهم البطوليّ وأملهم بالحريّة، ممثّلين بمشعل “إنّ ما يصنع الإنسان هو المعاناة والألم، والحياة مجبولة بماء الحسرة، والمنجز البشري هو محصلة لآلام البشر، أمّا السعادة فهي وقفات عابرة، واستراحة محارب”.(ص. 161)

يصف الكاتب أيّام الزمن الجميل بشاعريّة ونوستالجيا عبرَ مريم ورحلة هروبها: “لكلّ شيء طعم خاص ونكهة فريدة. منذ ساعات الصباح تنهض النسوة ويهيّئن مواقد الحطب يغنّين أغاني الصباح البهيجة، يغنّين للمواشي كي لا تكزّ على حليبها، ويغنّين لرجالهن أغنيات الوداع وللأطفال أغنيات الأمل. وفي الحقول يغنّي الرجال للأرض والمطر والحصاد. أمّا في المساء فيغنّون للحب والشجن“. (ص. 173). سقى الله أيّام زمان!!

استخدم الكاتب العاميّة والأمثال الشعبيّة بغزارة مهضومة، وكأنّي به يريد أن يوحي بفلسطينيّتها؟ على سبيل المثال، لا الحصر: “من يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه” “اليد التي لا تستطيع عَضّهَا قَبِّلها”، “حكّ لي بحكّ لك”، “ساق الله على أيّام الليفة والحجر” “إذا جنّ الناس فلا عقل ينفع صاحبه” ليهمس لنا “البلاد ليس لها منافذ بحريّة”؟!؟

زجّت الرواية بثقافة معرفيّة واعية، دون أدنى إقحام حين تناول “مارتن لوثر ومواجهته للكنيسة“، “كوبرنيكوس وجاليليو ونيوتن ومساهماتهم التنويريّة”، “البرغماتيّة” وغيرها، أبحر بالاستعانة بمصطلحات علميّة بنيويّة: “D.D.T”، Cyanide، Morphology ،
Pif paf، Detol، Isopropanol، Hydroxides ، Sodium carbonate ، Naphthalene وغيرها.

أقرأ أيضاً:

  العَهد

وظّف البطران السخرية السوداء القاتلة بلغة شاعريّة انسيابية بعيدة عن التعقيد والدبلجة، مليئة بعنصر التشويق.

مشهد الحك: “ـ كنت سأنتحر يأسًا من هذه الحياة وحين رأيتك ترقص فرحًا وأنت مقطوع اليدين. تراجعت وقلت أسألك عن سبب رقصك.
ـ دخيل ربّك، مين قلّك أنا برقص؟ أنا بنطّ فوق وتحت لأني مش عارف أحك ولا راضي حدا يحكلّي.(ص. 158)

العبء المالي لبناء معظم المساجد جاءَ من أصحاب رؤوس الأموال الذين حملت المساجد أسماءهم وأسماء عائلاتهم . لو أنّ الأمر يتعلّق ببناء المدارس والأندية لقطعتم أيديكم وشحذتم مع الشحّاذين” (ص.122)

أدّى كبت الحريّات إلى نموّ الرسومات الكاريكاتوريّة، رحمك الله يا ناجي، ومنها رسومات لصراصير عملاقة تهاجم امرأة مذعورة، رسمة وضعيّة العروس الشهيدة وجسدها في لوحة تشكيليّة جريئة تعرض شعرها ونهديها وساقيها، رسمة الزعيم في هيئة مخزية وعلى أنفه ترقد عدّة ذبابات وتحت الرسم كُتب: احذروا مصيدة الذباب، رسمة تمثال كرتونيّ للزعيم على هيئة صرصور كبير وغيرها.

يصوّر الكاتب حكاية “القناديل” التي كتبتها مريم، قناديل صنعها الأطفال عبر حشرة سراج مضوية أفشت بسرّ النار وحين حكتها لابن المايسترو اقترح أوبرا تحوّل الحكاية إلى أغنية، تحويلها إلى صور ومشاهد وحركات لتُستخلص منها الأصوات فصارت “أوبرا القناديل”. جاءت النهاية سعيدة، كلّها فرح صنعه الأطفال، رمز المستقبل المضيء، ببطولة جماعيّة “بتنا بحاجة إلى بطولة جماعيّة، فتاريخنا منهك بالفرد البطل(ص. 188)، والموسيقى ثقافة ترقى بالمجتمع وتخرجه من غياهب الظلمات إلى النور والحريّة. حين أنهيت قراءة الرواية للمرّة الثانية جاءني ما كتبه علي بدر في روايته “عازف الغيوم”، وما ذكره غارسيا ماركيز في مقالته الشهيرة “سوناتا بريئة” من تأثير الموسيقى على بناء رواياته. نعم، مهمة الثقافة أن تجعلنا نحافظ على إنسانيتنا! وظّف الكاتب فاجنر، تريستيان وايلده، كونشرتات فيفالدي، سوناتات باخ والألم الذي يعتصرها، Adagio، السوبرانو، الهارمونيكا، Allegro، مقامات نهاوند وبياتي وحجاز وصبا لإيصال روح الموسيقى بعفويّة، وكما قال مشعل: “الثقافة هي ألّا نخاف ولا نجوع ولا نعرى“!!

نعم، صدقت المنشدة حين صدحت:
البيت يا أهل البيت نزفت جراحو
يا خوفي يجي يوم ونقول وين الأهل راحوا
والأرض يا أهل جفت مزاريبا
يا خوفي يجي يوم ونقول يرحم ينابيعا

الرواية نصيرة الحريّة المشتهاة؛ كلمة سقطت من قاموس لغتنا ويجب أن تعود بقوّة…نتمرد لنعيش! حقًا “لن تسقط في العدم، لأنّ وعيك لا يموت، بقي هنا، يرفرف حولنا في آلاف التغريدات، وأحاديث الناس وذكريات الباقين. وعيك بعالمنا هو سبيلك نحو الأبديّة”(ص. 233)

حقًا؛ “إذا حَضَرتْ الفانتازيا غاب المنطق، لكن المعنى يظلُّ قائمًا”!

حسن عبادي

بواسطة
الدكتور حسن عبادي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق