قصة زينب!

سأحدثكم عن نفسي..

اسمي زينب…

مهلاً.. لست طامحة إلى التنعم بتقديركم وإعجابكم، ولا راغبة في الحصول على شفقتكم، أو التدفؤ بحنو مشاعركم الصادقة، ولا يغريني شيء في دنياكم الزائلة..‏

كل الحكاية أني لم أنم ليلة أمس. ثمّة خاطر غريب كان يلح عليّ.

صوت من السماء كان يصرخ فيّ أن تكلمي يا زينب! تكلمي فلا صمت بعد الآن! أجبته بأنني لن أبيع مأساتي، ولن أتاجر بدموعي، ولن أستجدي عطفاً.. ولكنه عاد ليصرخ فيّ: تكلمي يا زينب. إروي قصتكِ للعالم. تكلمي ليعرف الناس قصة انكسار الظالم بعد علوّه. حدثيهم عن بأسنا، وكيف يكون ثأرنا. تكلمي لعلّ كلماتكِ توقظ فيهم ألف “جواد”..‏

ـ أأحكي للأعراب؟ إنهم عقلاء، لا يحبون حديث المغامرات. يقدّمون ألف أضحية على مذبح ناقة البسوس، ويبخلون على القدس حتى بدموعهم! ولكنني سأتكلم، سأروي رواية كتبت بدماء أبطالها لا بمدادهم…‏

اسمي زينب.. واسمها قانا.. هل تذكرون 18 نيسان 1996؟‏

كان عمري يومذاك أحد عشر عاماً. كان القصف شديداً، وكان الخوف أشدّ. وكيف لا يخاف والدان على شمعة حياتهما الوحيدة؟ وعند بزوغ شمس الصباح، كان القرار بمغادرة المنزل الذي يقع في أخطر مكان على تخوم البلدة، إلى مركز القوات الدولية في وسط البلدة، والذي كان بنظر الجميع حتى ذلك الوقت بمثابة “الملاذ الآمن”..‏

ـ ولكن يا أمي، لو غادرت سأخجل من ضعفي وجبني، وأنا لست جبانة أو ضعيفة. أنا أريد أن أموت في منزلي، أو على تراب حديقتي، لا بين الغرباء. أريد أن أموت واقفة لا مهزومة. هل يعقل أن نهرب من الموت وأبطالنا يتدافعون لافتداء الوطن بدمائهم؟‏

ـ يا ابنتي، إذا كنا نتمسك بالحياة فهذا لأجلكِ. ماذا سيقدّم موت ابنة أحد عشر عاماً غير أنه سيكون موتاً مجانياً؟ ماذا لو وهبكِ الله الحياة لتكبري وتصبحي طبيبة أو ممرضة تداوي جراح الناس وتخفف آلامهم، أو معلمة تعلم طلابها معاني التضحية والفداء؟‏

لم يكن المشهد كما توقعته هناك، فالمكان مليء بالأطفال والنساء والعجائز. مرّت ساعات الصباح بطيئة ومملة. كان الجميع يتحلقون حول أجهزة الراديو، ينصتون إلى آخر أخبار العدوان. وعلى غفلة من الجميع، انسللت خارجة من “الهنغار”، أنشد قليلاً من الهواء النقيّ، وشيئاً من الحرية، راغبة في تلميع صورتي أمام ذاتي كفتاة شجاعة، لم تعرف الخوف في حياتها.‏

أقرأ أيضاً:

  سلسلة تغريدات جديدة للصدر تحت عنوان 'رسائل السماء'

كنت قد ابتعدت قليلاً عن المكان، حين بدأت القذائف المدفعية “تهطل” على الهنغارات. احتميت في مكان قريب. لم أكن أشعر بما أصابني. وحين هدأ القصف، وجدتني أركض دون وعي صوب الخيام الكربلائية المحترقة، أنادي أمي وأبي..‏

هل شاهد أحدكم والديه جثتين متفحمتين أمامه؟ نعم، لقد كان المشهد قاسياً إلى هذا الحدّ. لم أكن لأستطيع تمييز أي من هذه الجثث يعود لأمي وأبي، ولكنني كنت متأكدة أنهما بين هذا الجمع البشري المحترق، فقد تركتهما في هذه الزاوية قبل لحظات. كان هذا آخر ما رأته عيناي قبل أن أغمضهما على كابوس مؤلم، لأصحو في المستشفى وسط جروحي وآلامي.‏

لقد أمسيت الآن وحيدة، لا أب لي ولا أم، لا أخ لي ولا أخت..‏

وزيادة في الابتلاء، لم يكن لي أصلاً أقارب ألتجئ إليهم وأحتمي في ظلهم.. خرجت من المستشفى بعد أيام من توقف العدوان. منعتني جراحي من تشييع والديّ إلى مثواهما الأخير، ولكنها لم تمنعني من إكمال دروب الحياة بهمة وعزم وتصميم.

سكنت مع قريبة لأمي، كانت تعيش وحيدة في منزلها الصغير. وضعت العلم نصب عيني. وهكذا مرّت الأيام. لا يخرق رتابتها سوى نبأ مفرح كل فترة عن عملية ناجحة للمقاومة ضد العدو، تسفر عن مقتل بعض جنوده، فأفرح. ولكن الانتقام لم يكتمل بعد، رغم فجر الحرية الذي أشرق في 25 أيار 2000 حاملاً معه تباشير زوال هذه الدويلة اللقيطة!‏

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق