قوّة إسرائيل في نشر الطائفية والمذهبية… فهل تنجح في احتلال أرض العرب…؟

إسرائيل تستمد 90 في المائة من قوّتها من انتشار ''العصبيات الطائفية والمذهبية''

المتابع لما يجري في المنطقة العربية يلاحظ، أنّ ثمة نيراناً طائفية ولكنها ليست حتمية، إنما بفعل فاعل، أنّى اختفى هذا الفاعل خمدت ألسنة النيران… فمن ينظر إلى ما يجري في العراق منذ بداية القرن العشرين، وفي سوريا منذ أكثر من ثمان سنوات، وفي ليبيا واليمن… منذ هلَّ علينا ربيع الشُّجون العربية… إن من ينظر إلى هذا على الأقل الذي يجري في أقطار من الوطن العربي، حيث تتدحرجُ كراتُ النار، ولا تخبوا الحرائق… وحيث تنمو الفتنة المذهبية، ومن حولها تنمو فتن من أنواع أخرى مدمِّرة… يجد أن ملايين البشر ضحايا.. منهم من فارق الحياة، ومنهم جرحى، ومعوقون… ومنهم مشردون في الداخل والخارج، ومنهم من فارق الأهل والوطن، ففارقته الراحة وكل الآمال في الحياة… ويصل، بالتأمل والتدبر، إلى أن كل أولئك ضحايا على نحو ما، ضحايا التوظيف العدواني أو الطغياني… مما ينتج المحنَ والكوارث… ويجد أن أولئك ضاعوا بضياع الأمة، وأضاعوا أنفسهم ودينهم والأمة… وأنهم، ومن تبقى في البلدان سواهم، فريسة تواطؤ وتآمر على العروبة والإسلام، الهوية والوطن، الانتماء والارتماء…


فالاستعمار نجح في تحويل الجماعات والمنظمات الإرهابية، إلى مجرد كميات بشرية في صورة أكوام متباينة في الحجم والنوع والتوجه والأيديولوجيا، وفي صور عصابات وأنظمة مرتزقة أسدل عليها ألحفة الجهل والطائفية، فغدت تُسبّحُ بحمده، ولا تجيد سوى الشذوذ الأخلاقي، والتمرد على الأوطان وخيانتها، وبيع الولاءات والذمم، والاقتتال الطائفي والمذهبي، والتحلل من القيم والمبادئ والانسلاخ من الفضائل، والافتتان حتى الثمالة بالأخلاقيات الشاذة والمعاكسة للفطرة السوية والطاغية في ثقافة الاستعمار، وكأننا بهذه الأكوام البشرية المكدسة في جهات الأرض الأربع (المحسوبة على العروبة والإسلام للأسف) تسعى إلى محاربة الوصف والوعد الإلهي بأن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس.

كل المؤشرات تؤكد أن الوطن العربي يمرّ في مرحلة حرجة، وأنه في أشد أنواع التحدي والمواجهة مع المشروع الصهيوني الرجعي المناهض للطموحات العربية في السيادة والاستقلال. مشروع تلعب فيه أنظمة التبعية العربية دور المنفذ، كما يلعب فيه ”الإسلام السياسي” الدور الأبرز في محاولات تفتيت المجتمع العربي إلى كيانات طائفية، تقدم أفضل الخدمات للكيان الصهيوني. وأحسب أنني لا أغالي إذا قلت إنَّ إسرائيل تستمد 90 في المائة من قوّتها من انتشار ”العصبيات الطائفية والمذهبية”، وكأنَّها تحتل بجنودها جزءاً صغيراً من أرض العرب، وبتلك العصبيات سائر أرض العرب!

تلاقي الرغبات والأهداف ليس هو المهم في الأطراف الإقليمية (من الأدوات) لأنه ليس حديث العهد في الرؤية الاستعمارية الصهيونية الراعية لكل ذلك، وإنما المهم في هذا هو الفاتورة المدفوعة في سيناريوهات التخريب المتعمّد ومحاولات التجزئة والتفتيت الحاصلة على بنية المنطقة الحضارية والانتقام الذي تثأر به ” إسرائيل ” اليوم من كل ما مضى على مرّ التاريخ، بجهود هؤلاء التوابع من العملاء والأجراء الذين يقتاتون على فتات المائدة الصهيونية. فالأهداف المعلنة صارت تحت المجهر الشعبي العربي الذي بات يعرف تماماً أن فترة حضانة التخطيط انتهت، وانتقلت إلى مرحلة التنفيذ الذي غرز معوله في قلب الهوية العربية لتمزيقها، ومحو الحضارة عن عهودها المتراكمة أصالة وعراقة.

وما الاحتفاء الإسرائيلي الكبير بما يحدث للمنطقة في ”زمن الربيع العربي” إلا جزء مما نسيناه من محاولات التثبيت اليائسة لما سموه ”أرض الميعاد” زوراً وبهتاناً، وبما يقوم الإرهاب ورعاته من اصطفافات لا تبعد شبح الطائفية البغيضة عن الأذهان في لعبة الهدم الحضاري الممنهج الذي مازالت تلك العصابات الإرهابية تنفذ فيه ما رسم لها على أكمل وجه.

مدن أثرية كاملة تختفي عن سطوح وجودها الموغل في القدم، والتي كانت تعطي عنوان هذه الأرض ومحيط المنطقة، في الوقت الذي أدار فيه القانون الدولي ظهره، وبكل منظماته الحقوقية والإنسانية والثقافية، لما هو متبع من تخريب وهدم و محو حضارة… فيما يبدو أنه يظهر بين الأهداف الموضوعة ذاتها التي تعول الصهيونية العالمية عليها في إطار الانطلاق في الأحلام التلمودية باستبدال الهويات المعنونة للتاريخ الحديث. وتالياً، مَنْ هو القادر حالياً على فك رموز الشيفرة الصهيونية الطامعة باستبدال هوية المنطقة، وفق تلمودها وأحلامها بالثأر من لغة الأرض العربية…

في القرن الماضي، تحدث الإعلام الغربي عن كثير من الحروب التي جرت، كالحرب العراقية ـ الإيرانية، فوصفها بأنها حرب بين مذهبين. وها نحن نسمع اليوم من تلك الأجهزة الإعلامية نفسها إضفاء الطابع المذهبي والطائفي على كل ما نراه من اصطفافات سياسية تتباين فيها الرؤى والمواقف، بهدف توتير الأجواء الوطنية على أساس طائفي، وهذا ما يجعل الواقع الإسلامي مفتوحاً على فوضى الفتن وحركة المشروعات المشبوهة الَّتي تضرب وحدتنا، هذا الهدف النبيل من مشروع رسالتنا السمحة والرحيمة.

لقد تقرّر لنا نحن العربَ والمسلمين ـ باسم فئة منا مسلمةٍ مثلنا ـ أن نفهم بأن ” إسرائيل ” ليست عدوّنا التاريخي؛ بل عدوّنا مَنْ يعمل على تحريرنا منها. وأن ” إسرائيل ” عاملُ تخليصٍ لنا من مذاهبنا السياسية التي تعكس مشاريعنا، ورؤانا الوحدوية لكي ندخل في سياسات الحروب المذهبية. ولم يعد مقبولاً فينا عالم سُنّي يتحدث عن الإسلام الربّاني السمح، كما لا يجوز أن يبقى بيننا عالم شيعي ينطلق من وحدة المذاهب الإسلامية، ووحدة الدين والتديّن بالطرق المختلفة إلى الله. ويجب ألا تتعايش الأديان على أرضنا العربية، والمسيحيون يجب أن يُهجّروا. وكل فكرةٍ جامعةٍ بيننا تُصبح ضرراً في المجال الحيوي للمشروع الصهيوني، وإضراراً به غير مسموح لنا بها. وقد تحدّدت مهماتنا بـ ”الربيع العربي” الذي لن يترك ورقة خضراء واحدة على شجرتنا، وعلى العرب أن يُرغموا على تعرية شجرتهم من كل خضرة وثمار.‏

أقرأ أيضاً:

  إدلب على صفيح ساخن....ما الذي يحدث هناك هذه اللحظات؟

وها نحن نشهد مستويات مختلفة للحرب الدائرة ونتائج متعددة الاتجاهات من مصادرة قرارات، وشلل بلدان عربية وإسلامية، إلى تصفية شعوب أصلية. والعامل الأخطر في هذه الحرب الدائرة اليوم والتي هي حرب ثقافية وأخلاقية ومعرفية وحرب هوية بامتياز، العامل الأخطر هنا، هو التشتت المفهوماتي والمعرفي في البلدان المستهدفة، والتي هي بلداننا نحن… فالحق يقع على علماء دين وفقهاء يتلطون في مواكب الساسة، ويدخلون فيما دخل فيه الفريق الأول من قول وفعل، وهو ما لا يليق بهم… ويقع الحق في ذلك أيضاً على مثقفين جديرين بحمل الاسم ”مثقف” أخلوا الساحة لأدعياء الثقافة وتجار السياسة وأبواق الإعلام ممن يتعيشون ”معرفيا” على السمعة ويدعون أنهم المعرفة وأهل الحكم على الثقافة والإبداع والمثقفين والمبدعين… بينما أهل الثقافة والأدب والمعرفة والقيمة الإبداعية فرادى يتصيدهم الأدعياء، وشراذم يبحث الواحد منهم عن مجد ذاته فيفقد ذاته والمجد معاً، إذ هم/هو في موقف الوحيد أمام من لديه الاستعداد لأن يزلزل القيمة وأهلها والمعرفة وقيمها ومكانتها ليبقى هو… ويعمل كل ما بوسعه ليطوح بالمقتدرين بعيداً عن الضوء والتأثير والتدبير، ليبقى أمر الثقافة ودورها والمطلوب منها تحت سيطرة الجهلاء والمدعين الانتهازيين الذين يحكمون بوابات الشهرة والإعلام وأسواق الكلام بأنواع الدجل والافتراء وأشكال الولاء والادعاء…؟!

ويقع الحق على العديد من الفقهاء الذين لم يقرؤوا مخططات الأعداء عن تدمير قوات كافة الدول العربية التي تشكل خطراً أو قد تشكل خطراً على ” إسرائيل ”! لم يقرؤوا مخططبرنارد لويس” عن تفتيت الدول العربية إلى 42 دويلة مذهبية، طائفية، إثنية متحاربة فيما بينها لتغييب صورة الصراع التناحري مع العدو الصهيوني، كمظهر للصراع الأساسي في المنطقة!

وعلى إيقاع التضليل الديني سيغدو كل معارض للمشروع الصهيوني في الشرق الأوسط معارضاً لحكمة الله ومشيئته المقدسة، وعلى جنائز القيم تبدو فاجعة الشرق لا في تمزيق العالم العربي والإسلامي فحسب، بل في تمويل الإرهاب وتسليحه تمهيداً لقيام إماراته ودوله لإثبات النظرية التي بشّرت بقيام ” إسرائيل ” منذ العام 1895 بوصفها المركز الأمامي للحضارة الغربية في مقابل البربرية العربية والإسلامية المتوحشة بصراحة ما كتبه هرتزل في يومياته: ”إن اليهود سيكونون بعودتهم إلى وطنهم التاريخي ممثلين للحضارة حاملين معهم النظافة والنظام، وعادات الغرب الراسخة إلى هذه الزاوية من الشرق الذي تتفشى فيه الأوبئة والآفات… ولن تجد في نصوص الإدارة الأمريكية ووعودها للعرب بجنائن الإصلاح والديمقراطية والتنمية إلا نسخة كربونية جديدة عن وعود هرتزل في يومياته 21 حزيران 1895.

وكان زبجنيو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي جيمي كارتر، قد أسَّس نظرياً لسياسة ”التفتيت الطائفي والمذهبي والعرقي” للدول العربية، داعياً الرئيس كارتر إلى التغيير في الشرق الأوسط بما يجعل اتِّخاذ الطائفة والمذهب هوية للناس في البلاد العربية أمراً ممكناً وسهلا؛ أمَّا كيسنجر فتحدّث عن أهمية وضرورة جَعل العالم العربي ”أقليات” من طريق تمزيق دوله دينياً وطائفياً ومذهبياً، وإقامة إمارة عند كل بئر نفط؛ فهذه الطريق هي عينها الطريق إلى ” إسرائيل العظمى ”.

هذا المخطط القديم/الجديد، يأخذ في كل مرة ظواهر مختلفة لكنه لا يحيد عن الجوهر، ولعل من استولد التنظيمات الارهابية من ”داعش” و ”النصرة” وأخواتهما، هو من يعمل اليوم جاهداً من أجل سيطرتها على المنطقة لكي تكون البديل للمقاومات القائمة، وبالتالي هي في خدمة إسرائيل لأنها تحقق لها مشروعها التاريخي الذي عجزت عن تحقيقه بقوتها الذاتية أو عبر كل المساعدات التي قدمت لها.

نعم هناك مشروع استعماري يهدف إلى إرجاع العالم العربي قروناً إلى الوراء، من أجل تحقيق ثلة من الأهداف… ومن أبرزها: حفظ أمن الكيان الصهيوني وتحقيق أهدافه في السيطرة الكاملة على المنطقة. هذه التنظيمات والجماعات الإرهابية لم توجد لتحرير فلسطين بالطبع، ففلسطين آخر همها، لذا لم ولا ولن تطلق هذه الجماعات طلقة واحدة باتجاه العدو الصهيوني… ونتحداها أن تطلق طلقة واحدة باتجاه ’’ إسرائيل ‘‘، الذي يستقبل جرحاها في مراكز علاجية أنشأها خصيصاً… ؟! ولإثبات الصراع على أسسه الحقيقية التي تنطلق من مفهوم مشروع، نقرأ في خارطة المنطقة.

أقرأ أيضاً:

  مُعادَلَةُ "المرجعية-العشائر" معادلةُ الانقاذ

فما يجري في سوريا لا تتشكل في داخله على الإطلاق مفاهيم مذهبية ولا طائفية بل هي حرب عدوانية استثمرت اندفاع الشباب طلباً للإصلاح ومحاربة الفساد وزجتهم في أتون التدخل الخارجي الذي كان له دوره المسبق في التخطيط والإعداد لهذه الحرب قبل اندلاع الربيع الأسود في 15 آذار 2011 هذا ”الربيع” الذي يصر هؤلاء المجرمون على تلوينه بدماء أبناء سورية المدنيين الأبرياء بل دماء كل من يحب سورية ويأتيها عاشقاً أو زائراً.

ولتعفي دوائر استعمار ما بعد الحداثة نفسها من المسؤولية عن المجازر التي ترتكبها هي وعملاؤها أوعزت إلى جوقتها الإعلامية بالترويج لمصطلح الحرب الطائفية بين المكونات القومية في الوقت الذي لا تشهد فيه سورية حرباً طائفية، بل تشهد حرباً قذرة تم التخطيط لها في غرف البنتاغون السوداء بغرض كسر وتفتيت محور المقاومة، وعزل سورية عن حلفائها، والهيمنة على موقعها الجيوسياسي وقرارها الوطني، لتبقى تلك الدوائر الاستعمارية وربيبتها إسرائيل ومحمياتها الرجعية العربية سيدة الموقف والقرار بما يضمن لها البقاء والتمدّد…

وفي هذا السياق، فقد اعترف نائب الرئيس الأميركي ”جو بايدن” في خطاب له أمام طلاب في جامعة هارفارد يوم 2 تشرين أول/ أكتوبر الماضي، بأن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، قدموا ”مليارات الدولارات وعشرات الآلاف من أطنان السلاح ”للمقاتلين ”السنة”! الذين يحاولون الإطاحة بحكومة الرئيس السوري ”بشار الأسد”. وقال ”بايدن” إن ”مشكلتنا الكبرى كانت حلفاءنا في المنطقة… كان همهم الوحيد إسقاط ”بشار الأسد”، لذلك شنوا حرباً بالوكالة بين السنة والشيعة، وقدموا مئات الملايين من الدولارات، وآلاف الأطنان من الأسلحة إلى كل الذين يقبلون بمقاتلة الأسد”.

لقد وضّح نائب الرئيس في اعترافه مسألتين رئيسيتين، الأولى هي: أن حلفاء بلاده وركائزها في سياساتها وخططها في المنطقة، شاركت في حرب دموية لإشاعة عدم الاستقرار وإثارة النزاعات والصراعات في المنطقة. وأن المسألة الثانية: وهي الهدف من كل ما جرى هو تكريس الحروب بين الطوائف والمذاهب الدينية، وبخاصة بين طائفتي السنة والشيعة بين المسلمين، وهو الهدف المركزي الذي خطط له، ووضع في مهمات الغزو والاحتلال والتوسع الامبريالي والهيمنة الاستعمارية، والتواطؤ معها والتخاذل في النهاية إزاء المصالح الوطنية والقومية وتدمير المنطقة وثرواتها وطاقاتها ومستقبل أجيالها. ويحق لنا أن نتساءل لماذا العزف على أوتار النيران الطائفية بالتحديد في هذه المنطقة دون غيرها من أوتار الصراعات كالأعراق مثلا؟

في العراق يحاولون الإيحاء بقوة الدفع الخارجي أن ما يجري صراع مذهبي من أجل إعطائه تسمية سموم، لكن الحقيقة تقول أن حقيقة هذا الصراع قائمة على قواعد سياسية ومنضبطة على صراع مشروعين أيضاً متكرسين من الخارج ومنقادين بقوى داخلية.

ولا يكاد يختلف الوضع في اليمن كثيراً عنه في العراق وسوريا من حيث الاصطفافات المذهبية على الخصوص ومخاطرها، فهناك في اليمن يأخذ خروج الحوثيين على الدولة وإحكام قبضتهم عليها، صبغة مذهبية، شيعية سنية، على الرغم من وجود شركاء آخرين للحوثيين في خروجهم ذاك. وفي اليمن أيضاً كما نعرف أماكن وقواعد للقاعدة ولداعش، وفيه مواجهات بين القاعدة والجيش اليمني منذ سنوات، وكل ذلك أصبح اليوم يؤطر لحرب تصب في الفتنة المذهبية، السنية الشيعية، تقودها السعودية ودول التحالف في عاصفة الحزم.

وفي لبنان، تشتعل محاور الصراع ثم تنطفئ، ولا يبدو أنها قابلة لأخذ الصورة التي يتوخى البعض قيامها.. إن عناصر المذهبية متوفرة في هذا البلد الصغير، لكنها غير قابلة للاشتعال مهما حاول الفاعلون إضرام نارها. ثمة مشروع واضح يقوده المشروع الأكبر المؤسس في المنطقة (السوري الإيراني العراقي مغطى بالروسي)…

وفي مصر ليس هنالك من ذكر للمذهبية، صراعها منذ أن بدأ هو تغيير النظام، وحين رحل ”حسني مبارك” تحولت إلى قواعد جديدة ما لبثت أن ثبتت على حكم الإخوان المسلمين، ثم جاء وقت اقتلاعه فظل الصفة الحاكمة للصراع بين مشروعين داخلين محكومين بتداخلات خارجية كالعادة.

وفي تونس، تتكرس مفاهيم الصراع بين مشروعين لا وجود للمفهوم المذهبي بينهما…

وفي ليبيا يستمر الانقسام، وتستمر الحرب المجنونة، وإحراق الذات بالذات، وتتواصل الاتهامات وتتفاعل، وتتضاعف صور الانفلات وأشكاله وألوانه، فيصبح هناك من يُحسَبون على الإرهاب، ومن يبايعون داعش، ومن يخوضون حرباً ضد الإرهاب، وأخرى تعلن عن رغبة في تقسيم ليبيا إلى دويلات، وهناك أيضاً من يخوضون جهاداً لإعلانها دولة إسلامية.. وفيها من يمارس أفعالاً تؤدي إلى إثارة فتنة طائفية بوحشية دموية كريهة لا أظنها تتم من غير تحريض أو تطرف أعمى…

أقرأ أيضاً:

  الكرد وشرق الفرات وإدلب.. تحولات جيوسياسية

ويضاف إلى كل هذه الأفعال المأساوية، مما سبقت الإشارة إليه هنا، وإلى الظروف التي تخلقها والتفاعلات التي تتم بسببها في الدول والمجتمعات العربية والإسلامية، ما كان من أسباب ودوافع لها ومحرضات عليها، ومن دعم وتمويل وتحريض وتجييش… مما أسس ويؤسس لانقسامات اجتماعية عميقة وخطيرة، وإلى اصطفاف وتحشيد مذهبيين، وإلى تشكّل مفارخ وحواضن للفتنة ”سياسية وثقافية وإعلامية واجتماعية ودينية…”… وكل ذلك يخلق مناخ الحرب/ الكارثة ويفتح باب الاحتمالات على مصراعيه أمام انتشارها الكبير، وبصورة لا يمكن التحكم بها. وما من شك في أن أخطر ما يجري الآن هو في انتقال سموم الكراهية بين العرب والمسلمين إلى الأجيال اللاحقة، لترث عبء الاستسلام لثقافة التفرقة في الدين.

لا مجال الآن للصمت، ولكن بكل الأسف الذي يمكن التعبير عنه بكلام، لا جدوى من كثير من الكلام… وبينهما يقبع أمر واقع يدعو إلى الاستسلام له، ونحن مع الرفض الكامل الشامل المثابر لأي نوع من أنواع الاستسلام لأمر واقع فيه التردي والسم الناقع. الصمت قتّال نعم، والكلام في مثل الوضع الذي صرنا إليه يشبه الصراخ في فضاء الصحراء، لكن أن نصرخ معنى هذا أننا على قيد الحياة ونحتج أو نستنفر من يساند الحياة… وأن نصرخ فربما نساعد ما تبقى من حياة فينا ونشق درب أمل إلى أفق واسع في الحياة… أما الصمت من دون عمل فموت بطيء يتبعه موت الأمل، فهو سكون يغزونا ولا نلبث أن نعتاد عليه ثم ندمنه ثم تخمد نارنا وتهمد ونترمَّد في مواقد هياكلنا العظمية. ومن الطبيعي أننا في هذا لا ننطلق من فراغ أو قحط لا في الذاكرة والتاريخ والإنجازات ولا في واقع الرجال والكفاءات… ولكننا نواجه خللا كبيراً وزبداً غليظاً وبقعاً من الزيت على مساحات الماء تحاد تخنق الأحياء… ونواجه واقعاً وبيئة يغصان بالألغام والأوهام وبالمتجذرين في أرض الادعاء المثابرين على الرغاء…

في هذه المعركة العالمية اليوم، ما يعنينا من ذلك كله، ألا تنكسر بوصلة الصراع مع إسرائيل ، ليصير مآل قوى الأمة في التحالف معه، إحدى سمات هذا العصر الذي يتقاتل فيه المسلمون خدمة للاحتلال، وذلك تحت غطاء سياسي دولي يغذي هذه الفتن بحروب داخليَّة تستهدف تدمير بنية الوحدة وتجويفها وجعل الأمة برمّتها في مهب الريح. من هنا نجد أن شيئاً ما في نفوسنا يتهدَّم، وشيئاً ما في قلوبنا يحترق، وأشياء كثيرة من ثوابت قيمنا الأخلاقيَّة والروحيَّة تتزلزل، وذلك في ظلِّ مواجهتنا لمخطط تفجير الوطن العربي والإسلامي تمهيداً لتقسيمه، ولو نفسياً، عن طريق إيقاع الفتن بين أبناء الأمة الواحدة، ووسيلته في ذلك إشاعة المخاوف، والترويج لخطاب الكراهية والقطيعة والتخوين، والإمعان في الفرز الطائفي والمذهبي.

وفي ضوء هذا التمزق الإسلامي والعربي المتمدّد، ندقّ ناقوس الخطر ونحذر من ظاهرة تسخير الإسلام السياسي لمصالح القوى الاستعمارية، سواء عن وعي أو من دون وعي، على أنه ومهما تكن وضعيَّة المشهد الإسلامي والعربي الراهن والتباساته، فإنَّ المطلوب من علماء ومثقفي الأمة التصدي لأباطيل الفتن وذهنيات التطرّف الديني وإلغاء الآخر المختلف، وتشريع أبواب الاعتراف بالآخر والانفتاح والتَّسامح، ذلك أنَّ الأمَّة حين تحمل مثل هذه القيم، ستكون منسجمة مع ذاتها وأقدر على مواجهة تحديات الإرهاب والاحتلال التي تنعش كلّ حالات التطرّف والجهل والعصبيَّة…

لابد من الإعداد لحرب الأفكار، والنظر المنهجي في الأسباب والمسببات، وإغلاق سوق الاستثمار في الإرهاب، ذلك المفتوح على مصراعيه، لأغراض سياسية وغير سياسية، ولا بدَّ من التخلص من الحروب الدينية المستترة، حروب الكراهية والحقد وسوء الاعتقاد، وسوء الظن… تلك التي تستفز لتقتل وتتهم لتقتل، وتسكن العقول والقلوب والنفوس لتقتل… بينما لو وعى حاملوها، والمحرضون على حملها: مرامي الأديان، وسمو الرسالات الإلهية، وأبعادها الإنسانية، بحق وصدق… ولو وضعوا أمامهم، وفي عمق أرواحهم: أن الله سبحانه خلق البشر كافة، وأنه وليُّهم كافة، والعلم علمه وحده، والأمر أمره وحده… لما دخلوا هذه المداخل السيئة الضيِقة…

ولكل هذا وذاك، يجعلنا ندعو لتكوين جبهة ثقافية عربية نظيفة واعية للوضع قادرة على فعل شيء، وعلى وقف التدهور الملحوظ ذي العواقب السيئة على الأقطار والسياسات والمجتمعات… إنها دعوة لجبهة ثقافية لا ترتهن للسياسات ولا للصراعات المذهبية والطائفية والعرقية، جبهة تحرر ساحتها من أي تبعية، وتعمل على صون الهوية القومية وتعزيز القيم الروحية والعلاقات الأخوية والروابط العربية والإسلامية والإنسانية، جبهة ترفع الإبداع فوق كل شكل من أشكال الادعاء، ولا تسمح بفتح أسواق الكلام لتفسِد ببيع وشراء، على حساب العدل والحق والحرية والحقوق وبنية المجتمع السليم ومستقبل الأجيال الصاعدة، وعلى حساب دور المثقف البناء والثقافة المنقذة…

بواسطة
مصطفى قطبي
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق