قيثارة الليل

لا ادري كيف ابدأ وكيف اكتب في هذا الليل وقد ارخى سدوله على قريتنا التي تغفو في احضان الفرات, جلست مقابلا اشجار الرمان التي راح يعبث بها الريح واسمع صوته كأنه سيمفونية تأتيني من مكان بعيد, ومن خلال الاشجار ارى شعاع الشمس الذي بدأ ينشر نوره في جميع انحاء الارض وقد نامت الاعين وهدأت النفوس وسكنت الطيور في اعشاشها امنة مطمئنة.

صوت ناي حزين يأتيني من بعيد, مذكراً بأيام مرت علي كالحلم, واغفو قليلا وقد اعجبني المنظر كثيرا وعادت الي ذاكرتي عندما كنت صبياً صغيراً اركض بين الاشجار اقطف الثمار او اطارد العصافير والطيور الجميلة.

كنت العب معها, وجهها الجميل, وجدائلها التي وصلت الى تحت عجيزتها, وخصرها النحيل وذاك الفم الباسم دوماً وهي تكركر احياناً عندما تراني اسقط وانا اطارد الطيور.

كبرنا .. وكان الدهر لنا بالمرصاد, فأصبحنا كلٌ في طريق, خمسين عاماً مضت كأنها سحابة صيف ولم أرها لكنني كنت اسأل عن اخبارها من الذين يعرفونها, افرح لها احيانا واحزن احيانا اخرى, لم انسها يوماً وكنت كثيراً ما احلم بها وبكل ما يجري عليها من المحن, لا ادري ان كانت هي تذكرني كذلك .. او انها تنام ملئ جفونها, وتبقى عيناي تراقب السحاب والقدر.

سنين مرّت واعوام ولا زالت هي حبيبتي رغم اننا اصبحنا الان عجائز اكل الدهر علينا وشرب, آمال وأحلام وذكريات مرت وكأنها لم تمر لم يبق منها الا الصدى, وتغيب الكلمات فلا ادري بأي شيء انطق ومن يسمعني في هذا الليل البهيم وتنساب الانغام واسمع همسها من بعيد وينتابني شعور غريب بالوحدة فأهمس في اذن الزمن الذي تركني وفر هارباً لا ينوي على شيء ..

سنين مضت وانا اعيش في مكاني في غربة ولوعة وها أنذا انتظر النزول من القطار, وينتهي كل شيء ليصبح في عالم الخيال ..

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى