كتبت غانا أسعد | ” غربة الروح “

قصة قصيرة لـ غانا أسعد 

بعدَ سوءِ حالٍ ومعاناةٍ وصبرٍ طويلٍ ، كانت تزداد عدد خيباته بالآمال والأشخاص كلما ازداد بالعمر يوماً ، وأصبحَ يشعرُ أنَّه يعيشُ مع ذكرى أرواح ، وبقايا وطن .

إنه العم أبو صابر ، الذي حَملَ الكثير من صفات هذا الاسم ،و لعنة الحرب جعلته كغيره يخسر الكثير، من الأحبة،  والرزق، والصحة، كما ضعفت ثقته بالكثير من الناس بعد ما شهِدَ الكثير مِنْ أساليبِ الخيانةِ ، في شتى المجالات من الحياة .

كان يقول دائماً: ما بقي من كرامة كافي لنبني من جديد، لكن كثرة الخيبات غلبت على أمره وأحبطته .

وبرغم ظرفه السيء ، بقي محتفظاً بنقاء نفسه ، فقد تعتقت الطيبة في قلبه، بقدر ما مرّ عليه من محن، وبقدر عتق العقود الخمسة التي عاشها على أرض وطنه .

كلما وقعت عيناه على شخصه في المرآة، يَسرحُ في عمقِ التجاعيد، ويُذهَلُ بالشيب الجارف و يقول في ذاته:

– مَنْ هذا العجوز الهرم ، الغريب!

وأخيراً قرّرَ أن يتمرد على ذاته، فجمعَ في حقيبةٍ ما يحلو له من ذكرياتٍ جميلةٍ، وصور أحبة  اختارتهم السماء للسكنِ في عليائها باكراً، وأماكنَ، وأيامَ الطفولة الجميلة، والكثير الكثير، مِنَ الزَفَراتِ والعِبر.

أغلقَ حقيبته بإحكامٍ، وعطّرها بطيبِ الذكر، ووضعها على ظهرهِ، وعزمَ على السفرِ مع خافقيّه، مُرافقيِّه الدائمَين العناد. (عقله وقلبه) .

كانت الحقيبة هائلةَ الغِنَى بالمحتوى، بالغة الثِقَل بالهموم، كثيرةَ الجيوب المكنوزة بالأحداث والصور..

تواترت خطوات دربه مع حديث قَلبه الذي يحاول إقناعه بالبقاء، وأنَّ جُعبته التي لا تُقدر بثمن ماهي إلاَّ وطن يحمله ويمشي به.

وعقله يُناديه تِباعاً، أنَّ لا يُغالي بالعواطف، ويدفعه أن يمشي بسرعةٍ لمستقبلهِ الأهم.

كانَ مُنهكاً مِنْ واقعٍ يزدادُ سوءً، وتائهاً بينَ آراءِ خافقيه المتعاندين دائماً لدرجة الخصام أحياناً، بخصوص فكرة البقاء أو الرحيل.

أكمل دربه، وحديثٌ يدورُ في ذاتهِ دون الوصول لقناعة.

 وكان مُندهشاً لماذا كُلما تقدمَ خُطوة نحو الحدود، يزدادُ ثِقَل حقيبتهِ، وينحني ظهره أكثر!

قالَ لعقله :

– كم هي أرضنا غريبة وغامضة، نعيش فيها كالغرباء، وحين نبتعد عنها، تتحول لمغناطيسٍ يلفُ مجاله حول أرواحنا أينما نكون، يخنقنا بالحنين، ويشدنا لها بقوةٍ هائلةٍ لا تُقاوَم.

 فكُلما ابتعدتُ عن مكان مولدي، أشعر كأن شيئاً ما يُمسك بيدي يشدني للعودة.

أجابهُ عَقله:

– يا رفيقي سَيتوقف هذا المغناطيس عن شدك حينَ نُغادر الحدود، قَارَبنا على الخروج، اصبر فالمستقبل هناك..

فأكملَ المسير، وقبل الوصول للحدود بمسافة، ثَقَلتْ حَقيبته أكثر، ولا يَعلم كيفَ أمسى يَحملها فوق رأسهِ، ومُحتواها يدور ويدور في رأسه كالدوامة دون توقف!

قالَ لَهُ قَلبَهُ :

– يا رفيقي، أمسى دمي يَضخُ حنينا، بالله عليكَ، هيا نعود قبل أن نصل الحدود.

أجابه العقل:

– كفا رَياءً وإضاعة للوقت، هيا تابعا المسير، هناك حياة أفضل تنتظرنا، هيا لمُستقبل مُشرق .

توقفَ على مفرق الطريق، مُحتاراً في أمرهِ، شريطٌ خاطفٌ من الذكريات يمرُ في مُخيلته و أشخاص وصور، وصدى أفكار، وطموحات تتهاوى بين عقله وقلبه.

 شعر ببردٍ شديدٍ يتغلغلُ في مسامِ جلده، و يغزو روحه، رغمَ أنَّ الطقسَ صيّفياً حَاراً فَقَدَ توازن جسده، و وقع أرضاً فأخذ يتحسس بدفء التراب  يحنو عليه، ويمّمَ جسده البارد، شعر بإحساسٍ غريبٍ، دفعه أن يستجمع قواه و يتمسكَ ببصيص أمل جديد.

وكأن هذا المفرق، شعرةً تفصل بين متابعة القرار، أو العدول عنه.

نهضَ بثقلِ حقيبتهِ، وأطرقَ لسكونٍ عميقٍ في ذاتهِ فضربَ أخماسهِ بأسداسه، و قالَ لصديقيّه:

– أشعرُ كأنّي طفلٌ أُولدُ للتوِّ، وأقطعُ حبلَ سرّتي عن أمّي بيدي، لمْ أعد أقوى على المسيرِ باتجاه الحدود إنّهُ إحساسٌ قاتلٌ يا صديقاي، إحساسٌ غريبٌ مذهلٌ،  يُشبهُ صرخةَ طفلٍ بينَ الحياة والموت.

حَسناً، لمْ أصل الحدود بَعد ، لكن وصلتُ بقناعةٍ تامةٍ لمِا أُريد

قاطعه عقله :

– مؤكد أنك اقتنعت وسنكمل دربنا للمستقبل

– اختلج قلبه صارخاً :

-لن أكون بخير إن ابتعدتم بي أكثر .

قاطعهم العم أبو صابر قائلا:

-لا جدوى مِنْ قَطعِ الحدودِ، أيقنتُ أنّي لو خرجتُ الآن من حدود وطني، سَأعودُ أدراجي بعدَ حين .

لِذا ، سَأختصرُ الوقت وأعود الآن، وأبدأ مِنْ جديد، سَأعودُ ولو كانَ ليسَ لي في تلك الأرض سوى مترينِ بمترٍ!

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock