كورونا في سوريا.. بين غلاء الأسعار والإجراءات الحكومية الصارمة

تطورات متسارعة هندسها فايروس كورونا عبر العالم، اذا لم تعد منطقة جغرافية في العالم بمعزل عن خطورة هذا الفايروس وسرعة انتشار، ولا شك بأن هناك جملة من العوامل التي تساعد على انتشاره بالتوازي أيضا مع عوامل تحد من خطورته؛ هنا لسنا بصدد دراسة المتغيرات البيولوجية او نظريات سياسية تُوجه ضد من اكتشف هذا الفايروس وطوره ونقله، فاليوم هناك همٌّ عالمي جامع لمواجهته وتأطيره، في مقابل جهد عالمي لاكتشاف لقاح مضاد.

القاصي والداني بات يُدرك أنّ سوريا على حدود مشتركة مع ثلاثة بلدان لا تخفي وجود إصابات على أرضها، العراق ولبنان والأردن؛ وأنّ إيران، البلد الأوّل في المنطقة والثالث عالمياً من حيث أعداد الإصابات والوفيات، تجمعه علاقات سياحة دينية كثيفة مع مواقع مختلفة في سوريا، من هنا يبدو أن سوريا ورغم كل الإجراءات الوقائية والاستباقية، قد أعلنت عن عدد من الحالات القادمة من الخارج، وأُتخذت اجراءات لعزلها وتقديم الدعم الكافي لها وفق بروتوكولات طبية، وقد أكدت التصريحات الرسمية أنه حتى الآن هناك اجراءات غاية في الدقة، لا سيما مع القادمين من الخارج، وهذا يُسجل للدولة السورية في قدرتها وبعد سنوات الحرب والحصار، أن تقوم باجراءات وقائية منعت حتى الآن تفشي الفايروس، رغم الحالات الكثيرة في دول الجوار.

لن نقارب فايروس كورونا وفق نظرة طبية أو سياسية أو حتى بيولوجية، بل سنغوص عميقاً في اجراءات الدولة السورية لمواجهة هذا الفايروس، خاصة أن ذروة انتشاره ستكون وبحسب العديد من المصادر الطبية خلال هذا الأسبوع. لكن في هذا المقام لابد من الإضاءة على الشعب السوري في ظل اجراءات حكومته ضد هذا الفايروس، فجائحة كورونا كانت مناسبة ذهبية للبعض لجهة رفع اسعار الكثير من المواد الغذائية التي تدخل في صلب حياة المواطن السوري.

الشعب السوري بمجمله لا تستهويه فكرة التخزين لمدة طويلة، وبالتالي لا وجود لاستجرار كميات كبيرة من المواد الغذائية والخضروات، خاصة أن الوضع المعيشي لغالبية السوريين يدخل ضمن خط الفقر، كما أن غالبية هؤلاء المواطنين يعملون بقوتهم اليومي، ومع الإجراءات الحكومية السورية لجهة فرض حظر التجول، ومنع التجمعات وتقيد الحركة بين المحافظات السورية، عمقت آلام الكثيرين من الشعب السوري، رغم إدراكهم أن كل هذه الاجراءات هي في صالحهم، ولمنع تفشي الوباء في سوريا، فالدولة السورية التي عانت على مدى تسع سنوات من حرب بعناوين و مفردات كثيرة، تمكنت حتى اللحظة من الحد من ظهور هذا الوباء على أراضيها، وهنا يمكننا إيجاز بعض الأسباب التي حالت دون ذلك:

أقرأ أيضاً:

أكلة عراقية

  • أولاً- نظراً لحالة الحرب على سوريا، فإن الأراضي السورية لا تستقبل الكثير من الوفود الدولية والإقليمية الا في الأطر الضيقة. وبالتالي هناك حركة محدودة للقادمين من الخارج.
  • ثانياً- هناك إعداد كبيرة من الشعب السوري خارج بلاده لظروف العمل، وهم يعودن بإجازة محدودة مع بداية فصل الصيف من غالبية الدول، وبالتالي أيضاً هناك حركة محدودة للسوريين في هذه الشهور التي صدف ظهور الوباء بها. في هذا الإطار قد يقول البعض أن غالبية السوريين بات مُهجراً داخلياً وخارجياً، وهذه فرضية تُجافي الواقع كثيراً، فغالبية الجغرافية السورية باتت تحت سيطرة الدولة السورية، وهناك أعداد هائلة عادت إلى سوريا من لبنان والعراق والأردن خلال الشهور الماضية، كما أن التقارير الرسمية تؤكد أن الكثير من السوريين الذين غادروا خلال سنوات الحرب، يعودون ضمن إطار إجازة العمل من الدول التي استقروا بها.
  • ثالثاً- غالبية الفعاليات السورية تُقام في فصل الصيف نظراً لمناخ سوريا البارد في الشتاء، كما أن غالبية المعارض التي تُقام في سوريا وتحمل طابعاً دولياً، تم جدولة مهامها وانطلاقها خلال فترة الصيف، وفق مصادر رسمية سورية.
  • رابعاً- سوريا شأنها شأن الكثير من الدول، اتخذت اجراءات وقرارات مانعة تفشي الفيروس، لا سيما القادمين الى سوريا مع اتخاذ أقصى الاجراءات الطبية الوقائية، وبالتالي ساهم هذا الأمر في الحد من تفشي الفايروس، مع حجر الإصابات التي يُشك بها، ريثما تتضح الحالة الصحية للشخص المُصاب.

في جانب اخر لابد من الإضاءة عليه، يُعاني المواطن السوري من اجراءات الحصار الاقتصادي ضده، ومع استمرار الحرب عليه بات يُعاني أيضا من ضائقة اقتصادية خانقة، وهذا الأمر لا ينفي مسؤولية الحكومة السورية عن التقصير في بعض تفاصيل هذا الواقع، على الرغم من توجيهات الرئيس السوري بشار الأسد المتعلقة بتحسين معيشة المواطن، والعمل على تقديم خدمات جيدة بل وممتازة في أغلب المجالات، الا ان البيروقراطية والفساد هما من أكثر العوامل التي عمّقت أزمات المواطن السوري، حتى بات هذا المواطن بين سندان الحروب عليه وتداعياتها الاقتصادية، ومطرقة الإجراءات الحكومية التي لم تُعدل حياة الشعب السوري. في هذا الاطار ومنعاً لتصيد البعض في الماء العكر، نقول أن الحكومة السورية ورغم فقدان الكثير من مقومات الاقتصاد، إلا الكثير من الخدمات لا تزال تُقدم على أكمل وجه، ولا زال الدعم الحكومي يُقدم لقطاعات عديدة، وإلا ما تفسير صمود هذا الشعب رغم سنوات الحرب عليه.

أقرأ أيضاً:

سوريا.. قرار قضائي بمنع رامي مخلوف من مغادرة البلاد

في المقابل، لا يمكننا أن نُحمل الحكومة السورية كل أزمات الشعب السوري، فهي تعمل كما ذكرنا، وفق الامكانيات المتاحة ومساعدة أصدقائها من الروس و الايرانيين في ظل حصار اقتصادي دولي خانق، لكن لابد من قول الحقيقة، أن الشعب السوري ورغم مروره بكوارث اقتصادية وسياسية وعسكرية، إلا أنه لا زال صامداً إلى جانب قيادته السياسية والعسكرية، ولكن هذا الأمر يجب أن يتم تعزيزه بمقومات الصمود، والعناية الفائقة بأوضاع الشعب السوري، وتقديم المزيد من الدعم الغذائي والمادي له.

أزمات كثيرة تعصف بالشعب السوري جراء الحرب من جهة، والان بسبب كورونا، فغلاء الأسعار في سوريا قارب مستويات قياسية رغم توفر الكثير من المواد الغذائية محلياً، ويتم تصنيعها أيضاً محلياً، ولا حاجة لاستيرادها فهي إنتاج محلي، فما السبب لارتفاع اسعارها.

السوريون يُطلقون مصطلح دواعش الداخل في توصيف هؤلاء الفاسدين الذين يستغلون الازمات، في ظل انشغال حكومي كامل لمواجهة كورونا، لكن أيضاً على الحكومة السورية أن توسع مروحة مساعدتها للشعب، والضرب بيدٍ من حديد على ممارسات تُجار الأزمة السورية، لذين يستغلون كل مناسبة لزيادة أرباحهم على حساب المواطن الفقير الذي نهكته الحرب، خاصة أن الرئيس الأسد لديه توجهات واضحة في هذا الأمر، فلماذا التقصير هو سؤال غالبية المواطنين السوريين.

الإجراءات الحكومية السورية لمواجهة هذا المرض كانت ناجحة في الحد من انتشاره، ووزارة الصحة السورية إتخذت إجراءات صارمة لمواجهة هذا الفايروس، ومثله باقي وزارات الدولة، لكن لابد من العناية بالشعب السوري الصامد، الذي صمد في وجه الإرهاب وقدم الغالي والنفيس في سبيل بقاء سوريا واحدة موحدة، ولا يُمكن السماح لبعض التجار السوريين أن يقومون باستغلال الوقائع المستجدة، حيال رفع اسعار غالبية المواد الغذائية والخضروات، ولا بد من وضع النقاط على الحروف والقول صراحة، أن هناك تقصير حكومي واضح في مواجهة غلاء الأسعار، حتى بات لسان حال المواطن السوري يقول، أنه خلال سنوات الحرب والإرهاب في سوريا، لم تصل تطورات الأوضاع إلى هذا الحد من غلاء وتفشي الفساد الذي بات بنظر المواطن السوري، أخطر وأفتك من فايروس كورونا.

أقرأ أيضاً:

الصحة السورية: ثمة مؤشرات على تطور الإصابات بكورونا

في ذات السياق، فإن الحكومة السورية اتخذت اجراءات هامة في ظل منع التجول بين المحافظات، واجراءات الحظر، وخصصت وسائل نقل للعسكريين وأفراد الجيش السوري، لإيصالهم إلى نقاط تمركزهم والاستمرار في محاربة الإرهاب، وعليه، يمكن القول بأن الشعب السوري بكل فئاته، يُدرك حجم التحدي القادم، ولابد من التعاون لمواجهة هذا الوباء، وما بين الإجراءات الحكومية الصارمة، وبين حال المواطن السوري لجهة غلاء الأسعار، وتدني مستوى المعيشة بشكل عام، واجراءات الحظر، يجب الاهتمام أكثر بغالبية السوريين، خاصة أن معظمهم فقد بيته ومكان عمله ووظيفته جراء الإرهاب، وبات يعمل بشكل يومي لتأمين قوت يومه، ودفع مستحقاته الشهرية، واليوم توقفت الأعمال في سوريا جراء اجراءات مواجهة كورونا، وبات المواطن السوري بين نارين، تأمين قوت يومه من جهة، والخوف من تفشي فايروس كورونا من جهة أخرى. ولابد من اليد الحكومية التي تواجه الإرهاب وتداعياته، أن تقوم أيضاً بمد يد العون للمواطن السوري.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق