كيف خرج النمر الاسود من الدين والوطن واللغة الى احضان اسرائيل

من الابيض والاسود والنور والظلام نسج السیناریست القدیر بشیر الدیك قصته العمیقه المستوحاه من قصه حقیقیه. وهى قصة نجاح نمطیه لكنها تخفى تحت مظهرها البسیط صراعا حضاریا یقتلع الجذور.

اذ تتناول الهجره بعمق غیر مسبوق وتعتبرها حدثا عنیفا قد یعصف بالانسان ویسلبه هویته الوطنیه والدینیه والثقافیه ویجرده من لغته.. وقد تعرض بطلها محمد حسن لهذا التحدى فماذا كانت النتیجة ؟ یبدأ الفیلم بمشهد فى ورشة الخراطه التى یملكها الخواجه باولوحیث یعمل البطل.ویتداخل صوت الماكینه مع صوت القرءان لیرتبط محمد ولونه الاسود بالاسلام من اللحظه الاولى .ویشید الخواجه بمهارة تلمیذه وینصحه بالسفر الى المانیا.

مصر: كيف خرج النمر الاسود من الدين والوطن واللغة الى احضان اسرائيل

وفى المشهد الثانى كان البطل فى زیاره لامه السمراء وهى طلیقة الاسطى حسن المنجد. وفى بیت الام یقدم الطعام لمحمد.ویبدأ عنصر الطعام فى التداخل مع الاحداث الدرامیه كرمز للعنف بدء من المشهد الرابع حیث البطل على المقهى لیلا مع زملائه الملاكمين ويظهر الطعام للمره الثانيه رغم عدم الحاجه الیه فى المشهد وسنكتشف فیما بعد ان المقصود هو ربط الطعام بالملاكمة .

وقد لخصت المشاهد الاربعه الاولى حیاة البطل فى مصر.. لیبدأ بعدها رحلته الى الغرب. وعلى متن السفينة البيضاء تبدأ معاناته مع اللغه اذ یعجز تماما عن التواصل مع الاخرین. وهو ما یضیف قسوة الوحدة الى مرارة الغربه عن الوطن.

وتدور الأحداث ويختار البطل عمال السفینه لیفرض علیهم صداقته من خلال مساعدتهم فى عملهم. ويتواصل ارتباط الطعام بالملاكمة بالعسكرية حیث یدخل البطل مطبخ السفینه ویجرى حوارا من جانب واحد مع الطباخ ویبدى اعجابه بالمطبخ ویشبهه بمطبخ الجیش ویضیف انه قضى مدته كلها فى الاتحاد الریاضى بصفته ملاكم .

وهنا يختلط الطعام بالملاكمه والعسكريه. ثم تاتى لقطة الفیلم وهى من اعلى السفینه ویظهر البحر من خلف البطل وهو یتحدث مع نفسه عن خوفه من الضیاع فى هذه الرحله ..فیتسائل : ماذا لوفقد القبطان طریقه وتاه بهم فى هذا الخضم الكبیر؟ وطبعا واضح خوف البطل من المصیر الحضاري المجهول الذى یوشك ان یبتلعه. ثم یتذكرالبطل سنوات طفولته حیث مشهد فى بیت امه السمراء ”یأكل” وهى تحكى له ان أبیه قد أخذه بالمحكمه عقب طلاقهما.

ثم مشهد مع ابیه أثناء العمل وفى الخلفیه الاهرامات الثلاثه لترسم هویه وانتماء حضارى للاب لا تملكه الام بدلیل طلاقهما. فالأب رغم اسلامه الا ان اصوله الفرعونیه حاضره بقوه..اما الأم فهى ترمز لمصر العربیه الاسلامیه والحضارتین متنافرتین الى حد طلاقهما. وقد تنازعا على حضانة الطفل ولكن المحكمه حكمت به للاب اى قطعت بانتماء الابن لاصوله الفرعونیه .

أقرأ أيضاً:

إيهود أولمرت يكشف عن محاولة إسرائيلية لاغتيال نصرالله

تلك هى حالة التنازع الحضارى التى لازال البطل یعیشها ویتوزع ما بین امه وابیه الذى عهد بابنه طفلا للخواجه الحكیم ذو الوجه الطیب..والرداء الابیض بلون القطن لیصبح امتدادا للاب حيث للاب علاقة بالقطن بحكم عمله ( منجد ).وهو ما یعنى ان الحضاره الغربیه هى الامتداد الطبیعى للحضاره المصریه القدیمه. ویتواصل موقف الاب اذ یسلم ابنه شابا الى حضن السفینه البیضاء التى ستحمله الى العالم الجدید.

وتصل به السفینه الى الأرض الأوروبیه وتتصاعد مشكلة اللغه ولا تفلح البطاقات العشر فى مساعدته على الاتصال بالناس او حتى مجرد سؤال عن محطة القطار.. فیجلس الشاب حزینا لیعبر عنه صوت احمد ابراهیم یغنى كلمات الابنودى :

یعنى اختلاف اللسان یسجن بنى الانسان
ممكن تقوم الحدود ما بین لسان ولسان

یا وحدتى انت سجنى وغربتى وحیرتى
انت العطش والقلق والدمع والحرمان

یعنى اختلاف اللسان یسجن بنى الانسان

ویصل محمد بعد معاناه الى المصنع وینجح فى الاختبار ویتسلم عمله محاطا بنظرات الكراهیه والسخریه من زمیل المانى عنیف وعنصرى ینادیه ”نیجرو” اى زنجى.

ویعود الطعام كرمز للعنف حیث یلتقى هذا الالمانى مع محمد حسن على مائدة الطعام فینظر له شظرا ویتهكم علیه بما ینذر بالصراع القادم مع هذا العدوانى الهمجى .وبالفعل ینصب كمینا لمحمد وهو خارج لیلا من المصنع فیقوم بضربه بمعاونة اصدقائه تحت جنح الظلام.وفى المقابل یتعرف محمد بعد هذا الضرب المبرح على جارته الجمیله هیلجا التى تمثل الحضاره الغربیه كامتداد للحضاره الفرعونیه حیث ام الفتاه ولدت فى مصر. وتبدا هیلجا فى تعلیمه اللغه الالمانیه.

وهكذا تلتقى الفتاه الاوروبیه البیضاء بالشاب الاسود وهو لون الظلام والعنف والعنصریه ورفض الاخر. وكل هذا تتسم به فى السیناریو الحضاره العربیه والدین الاسلامى.

وبهذه الابعاد یلتقى العاشقان . ویتحرك الخطین: الابیض ممثلا فى هیلجا التى تخاطب العمق الفرعونى..والاسود ممثلا فى محمد حسن حيث الحضارة العربية الاسلامية اما الالمانى العنصرى زمیل المصنع فهو یستهدف البعد العربى الاسلامى فى وجدان محمد حسن لیصل الصراع والتنازع الحضارى بداخله الى ذروته. وعلى “مائدة الطعام” یضطر_ كملاكم _لاستعمال العنف مع زمیله العنصرى الذى یحتفظ بلحیه صغیره فوق ذقنه یرمز بها للاسلام .جاعلا منه سببا لعدم توافق البطل مع الحضاره الغربیه التى یمثلها المصنع ولاحظ هنا الفارق الحضاري الكبير بين المصنع وورشة الخراطة .

أقرأ أيضاً:

مفاجآت محور المقاومة: خروج السيف من غمده... ام تجرع العدو كأس السم...!؟

ويتعرف محمد على مدرب الملاكمة كوستا ویجد فيه ابا حضاریا له ولحبیبته هیلجا. فهو یونانى مصرى. ویسعى كوستا لتقنین العنف عند البطل والمرتبط بالاسلام من خلال رموز اسلامیه مثل قلعة صلاح الدین التى كان محمد یسكن بجوارها. ونادى الشبان المسلمین الذى لعب فیه الملاكمه.وینصحه كوستا بان ینسى كل ما تعلمه عن الملاكمه فى مصر.وهى نصیحه مبطنه بان ینسى كل شىء عن الاسلام.وبالفعل تختفى مشاهد الصلاه نهائیا من حیاة البطل كما تختفى مشكلة اللغه على يد هيلجا التي جعلته ينسى ابنة خالته والتي ترمز للغة العربية . وكان الفارق بين الممثلتين لمصلحة هيلجا .

ویدفع كوستا بالبطل الى افاق النجومیه فیصبح ملاكما مشهورا.كما یعمل على تنمیة الجانب المدنى المتحضر بداخل الشاب من خلال مساعدته على اختراع ماكینه جدیده بعد ان یفصل من المصنع. ویخوض البطل عدة مباریات تجرى كلها فى الظلام ومع ملاكمین سود. ثم تختلط الملاكمه بالحرب فى مشهد یجمع كوستا ومحمد فى مقهى یشبه حلقة الملاكمه حیث یخبره كوستا بان مصر هزمت فى حرب حزيران 1967 والمشهد یمثل ذروة خط العنف وقد كانت لصالح الیهود حیث انتهت بنجاحهم فى كسر العنف الاسلامى نهائیا.اى كسر شوكة الاسلام. ویقرر محمد العوده لمصر اى لعروبته واسلامه . كما یصل الخط الابیض لذروته ایضا عندما یعرف محمد ان فتاته حامل وان ابنه على وشك ان یولد..ليكتشف محمد حسن ان وقت العوده قد فات وأنه قد انصهر بالفعل فى الاخر الحضارى. واصبح أبا لطفل انجبته له عشيقته.ویقرر تسمیته باسم جده.اى الحاقه باصله الفرعونى.

ويختتم الفيلم بمشهد البطل وهو فى قمة نجاحه حیث یدخل مبنى شركته ویجلس فى مكتبه وبجانبه تمثال فرعونى ابیض یشیر إلى انه قد غادر نهائيا الحضاره العربیه الاسلامیه والتحق بالحضاره الغربیه كامتداد لاصوله الفرعونىه.

ویؤكد ذلك باطلاق شاربه وهو عكس التقلید الاسلامى الذى یوصى بحلق الشارب وإطلاق اللحية . وقد استخدم المخرج سيارتين للبطل كانت اولاهما تناسب الستينات وتعتبر طراز حديث اما في المشهد قبل الاخير والمفروض ان موديلات السيارات تنتقل للاحدث فوجئنا بالبطل يستقل سيارة قديمة للغاية وفي هذا ايحاء بالرجوع الى الخلف . وهي تقنية تناسب رسالة الفيلم والتي تحض على العودة الى الاصول الفرعونية الاولى والالتحاق بالحضارة الغربية .

والان بقي لنا اخر كشف اخر اسرار الفيلم وهو لغز ارتباط الطعام بالملاكمة والعنف والحرب والاسلام . فهذا العنصر يستهدف مصر الخامسة المذكورة في اية 61 من سورة البقرة حيث ارتبطت بالطعام الذي طلبه بني اسرائيل من نبيهم موسى وانتهت الاية الى ان اليهود قد باءو بغضب من الله سبحانه وتعالى . وبهذا فان مصر الخامسة وهي الغضباء التي ننتظرها والتي ترتعب منها اسرائيل كانت هي محور الفيلم باكمله . ورغم انها لم تأت بعد الا ان السيناريو اعتبرها هي مصر 1967 وان اليهود قتلوها بالفعل وانتهى الامر . وعبر البطل عن ذلك بانقطاعه النهائي عن لغته ودينه ووطنه . وتختفي كل هذه الالغاز والاعماق تحت مظهر بسيط خادع حيث تبدو قصة الفيلم نمطية وبسيطة للغاية على حين ان الرسالة المبطنه شديدة الخطورة .

أقرأ أيضاً:

ليبيا: بعد أن دمروها وأحرقوها، أردوغان يخوض الحرب بمرتزقته السوريين

وما يزيد من خطورتها ان القصة موجهة للشباب حيث بها السفر والمغامرة وحلم الهجرة الى العالم الحر . والغريب ان يمر الفيلم دون اعتراض من الرقابة وقتها ودون حتى ان يكتب ناقد تحليل للفيلم وكشف الغازه واسراره الخطيره . هل هناك من فهم الفيلم وسمح به رغم خطورته ؟ ام ان احدا لم يفهم هذه الابعاد المخابراتيه التي انسابت بنعومة وسكنت اعماق ملايين المشاهين؟ ورغم اختلافنا بل تنافرنا مع رسالة الفيلم وتناوله للصراع العربي الاسرائيلي من وجهة نظر اسرائيلية الا اننا نشيد بالسيناريست القدير بشير الديك والمخرج المتمكن عاطف سالم . واخيرا نتساءل : هل نحن فعلا امام قصة نجاح ؟

نعم حقق البطل ثروة كبیره لكنه قد خرج من الوطن واللغه والدین .. فهل هى قصة نجاح فعلا؟ ام قصة ضیاع وفقدان للذات وذوبان وتلاشى فى الاخر؟

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق