” كي تكتمل الصورة “

كربلاء المأساة لوحة سماوية كاملة متكاملة،رسمت وخطت بسواعد الشهداء،وذيلت بتوقيع الإمام الحسين المبارك،لتكون شاهداً عبر التاريخ على جريمة كبرى إرتكبها شذاذ الآفاق، طمعاً بالسلطة والمال والجاه ولم يراعوا في جريمتهم الشنعاء هذه حرمة أو كرامة أو قربة للنبي محمد (ص).

في كربلاء مارس السفهاء غلاظ القلوب كل أنواع الإرهاب والظلم والعنف، بحق الأسرة العلوية الهاشمية الشريفة بأوامر مباشرة من الملعون الزنديق “الطاغوت يزيد” لعنة الله عليه وعلى آبائه وأجداده اللئام الخبثاء ، هذه اللوحة الكربلائية المأساوية ، التي رسمتها مشيئة الله ،هي لوحة سماوية خالدة ، تسرد للأجيال مأساة الحسين البطولية ، وتروي لأحرار العالم رواية المقاومة والحب والعشق والشهادة ، من أجل الدين والكرامة والحرية ،التي إستبسل وإستشهد من أجلها بشجاعة أهل وأولاد وأصحاب الحسين(ع)، وعلى رأس هؤلاء الأشاوس الميامين البطل المغوار “العباس” أبا الفضل “قمر بني هاشم” عليه السلام ، الذي إستأذن أخاه الحسين عليه السلام لجلب الماء للأطفال والنساء العطشى ، ومضى نحو الفرات بهمة وعزم وإصرار لجلب الماء العذب من نهر الفرات، وخلال رحلة الذهاب والعودة ،بدمه المبارك وكفيه الشريفين وعينيه اليقظتين وروحه الطاهرة، أضاف خطوطاً عريضة وألواناً قاتمة وتعابيراً حزينة وهمسات صادقة للوحة كربلاء المأساوية الخالدة ، ليزيد من روعتها وهيبتها ووقارها ، في الإفصاح عن الظلم وتبيان مقدار حقد الأعداء على الحسين عليه السلام وأهل بيته الكرام.

نعم في لوحة كربلاء المرسومة بدماء الشهداء نرى فيها مشهداً إنسانياً مؤثراً ، يوجع القلب ويؤلم الروح التي بين جنبينا ، هاهو “العباس” العطشان ينحني نحو ماء الفرات، من شدة العطش ليروي روحه الظمآنة ، فيشتد ساعده وتقوى عزيمته على منازلة الأعداء الكفرة عند العودة نحو المخيم ، هذا المشهد المؤثر جعل القوم فريقين فريق قال : “سيشرب العباس من ماء الفرات” ، وفريق آخر وهو الأعلم والأدرى بالعباس وأخلاق العباس وقيم العباس وولاء العباس قال : “لن يشرب العباس من ماء الفرات”.

نحن بدورنا نسأل ماذا لو شرب العباس ؟.

هل ستهتز صورته البطوليه وقيمته الروحية والعقائدية في نظر الإمام الحسين (ع) ، وعشاق أهل البيت الكرام عليهم السلام ؟.

هل لو شرب العباس (ع) لوحة كربلاء المأساوية الرائعة ستقل قيمتها الإنسانية والروحية ، وتتبدد معها كل القيم والمعاني والعبر التي تجسدها لنا بوضوح تام؟.

هل لو شرب العباس من الفرات العذب (ع) ،كانت ستسقط مع أول رشفة للماء كل بطولات وتضحيات وإيثار شهداء فاجعة  كربلاء؟.

أليس من حق العباس الأبي الظمآن أن يشرب من ماء الفرات ليروي عطشه ؟.

نعم من حق العباس العطشان أن يشرب من ماء الفرات العذب، ليروي عطشه ولن يغضب الحسين (ع) ولن تزعل زينب (ع) لو فعلها “العباس” قمر بني هاشم (ع)، ولكن لم يفعلها مطلقاً وأبداً فهو أسمى من ذلك بكثير، وهدفه وقيمه التي ورثها عن أمير المؤمنين “علي بن أبي طالب”، أقدس بكثير من شرب الماء لثوان معدودة فقط كي يروي عطشه الشديد ، قسماً قسماً لو شرب العباس وإرتوى ما غضب الرب أبداً ، لو شرب العباس أبداً أبداٌ ما قلت قيمة لوحة كربلاء المأساة، وما سقطت كل معاني الإباء والفداء والتضحية والشهادة ، العباس عليه السلام “سبع القنطرة” لم يشرب وهو وارث علم وأخلاق علي (ع)، والمتتلمذ في مدرسة الحسن والحسين وزينب عليهم السلام ، مدرسة الحرية والكرامة والإباء والشهادة، لم يشرب “العباس” لسبب هام جداً وهو من أجل أن تكتمل الصورة وضوحاً ، صورة الظلم والإرهاب وكي تزداد لوحة كربلاء قوة في التعبير، وتبيان حقيقة الطاغوت الظالم ، وكي لا يرتاح ضمير الظالم المستبد ويثلج صدره، وتنشرح أساريره لو شرب هو (العباس) من ماء الفرات ، أبى العباس (ع) أن يمنح هذه الفرصة وهذه الغنيمة مجاناً للظالم المستبد الحاقد، ليشمت ويبتهج لشربه للماء والحسين عليه السلام مازال عطشاناً.

عدم شرب العباس للماء هو إصرار منه لملاقات الله عطشاناً مظلوماً ، كأخيه وإمامه الحسين (ع)، لم يشرب “العباس” ليلقنا جميعاً نحن أتباع أهل البيت (ع) ، درساً في الأخلاق والإباء يرسخ في أذهاننا على مر العصور ، كيف تكون الشهادة خنجراً في قلب العدو الظالم، وكيف ينتصر الدم على السيف، وكيف تستطيع العين أن تقاوم المخرز، وفعلاً عين “العباس” (ع) قاومت المخرز.

لم يشرب العباس لتكتمل الصورة ، صورة كربلاء المأساة . بشهادة العباس والحسين عليهما السلام عطشانين مظلومين إكتملت الصورة ، صورة مأساة كربلاء الأبدية الرائعة ، كربلاء الإباء والفداء والبطولة والشهادة ، لوحة كربلاء إكتملت روعتها ببصمة عطش العباس (ع)، و ببصمة دم مولانا “الإمام الحسين” عليه السلام.

لوحة كربلاء إكتملت عظمتها وهيبتها ببصمة عطش سيد الشهداء مولانا “الإمام الحسين” عليه السلام ، وببصمة دم كفي قمر بني هاشم “العباس” عليه السلام.

لوحة كربلاء المقدسة إزدادت جمالاً ورونقاً وقدسية ،بوفاء وإخلاص وطاعة “العباس” لإمامه الحسين بن علي عليهما السلام.

وا علياه ، وا حسيناه ، وا عباساه ، لبيك يا زينب ،لبيك يا زينب،لبيك يا زينب …

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق