لا نريد الخروج

عشيقان، حبيبان، خليلان، زوج وزوجته… وما شِئتَ فَعَبِّر من نماذج الربط العاطفي والتعلق الوجداني، ولا تنسَ أن تضم إليهما الجوّ الرومانسي: وقت قبيل الغروب، أو في خِضَمّ الليل، نسائم هواء عليل يأتي ويذهب حاملاً برفقته أوراقاً متساقطة لأشجار من شتى الصنوف، لون مميز للشمس أو إطلالة بهية للقمر. ولا يفوتكم البحر وأمواجه وأصواتها التي تواكب مشاعراً ألهبَها هذا الإيقاع الحميمي والسياق التفاعلي بين فؤادَيْن ذائبَيْن في بعضهما البعض الى درجة الالتحام الموصِل الى اتحاد القَلبَيْن في قالبٍ أحادِيّ.

أترك لكم تكملة المشهد بما يخطر لكم من إضافات تزيد المشهد حماساً وتُفضي رَوْنقاً انسيابياً وردياً حبائبيّاً، وأنتقل للاستفادة من العِبرة التي تفيدنا في البَيْن، فمن الواضح أن “أبطال” هكذا مواضع، والمقصود بهم “الحبايب المتعلقون ببعضهم البعض”، يتمنون لو أن المشهد يطول ويطول ولا تعرف النهاية الى طريقه سبيلا.

وهنا الشاهد الذي يُهمنا، فكلما كان اللقاء حارّاً، والمشاعر تغلي التهاباً في حضرة “المعشوق”، فإن العاشق يرغب لو أن عقارب الساعة تتوقف عن التحرك لأجلٍ غير مُسَمى، أو أن الزمان يتجمد في مكانه بضع سنين، أو أنه سيكون بغاية السرور لو أنهما – أي هو (العاشق) ومعشوقته – يستطيعان أن ينعزلا – في هذا الموقف الرومانسي – عن العالم بأسره كي يَضْمَنا عدم حدوث أي حادث قد يُعَكّر عليهما خلوتهما التلاحمية.

فَلْنستوحي من هذه المعاني العميقة وننتقل من هذا التلاصق الدنيوي بين العشاق الى مرتبة أعلى ومستوى أهم وأرقى في ميادين المحبة والعشق: مرحباً بكم في زمرة أولياء الله الصالحين وعباده المُكَرَّمين بنور عزّه الأبهج.

صحيح أن العلاقة بين المؤمن وربه هي علاقة مستدامة على طول السنة ولا تحتاج الى مناسبة أو أخرى كي تتجلى وتظهر، فهي على الدوام لامعة وتزداد إشراقاً وتَنَوُّراً، ولكن طالما أننا في رحاب الشهر الفضيل والممتلئ بالخير والفيض الإلهِيَّيْن، فلا بأس أن نتوقف عند هذه المحطة الربانية النورانية الفريدة ونقول: أن الشهر الفضيل يُشَكِّل مناسبة زمانية مفصلية لِيُظهِر المؤمن تألقه وتَفَرُّدَه، وكلما كانت علاقته بِرَبِّه “عز وجل” متينة ومتجذرة على طول السنة، فلا بد لهذه العلاقة أن يكون لها انعاكسها المتميز في الشهر الفضيل، ورونقها الزاهي الذي تفوح منه رائحة التميز والتقرب الفريدَيْن، فتتحول هذه المحطة الزمنية الموسمية الى مناسبة تزودية مركزية لطول السنة وأداة شحنٍ يستخدمها أهل السير والسلوك لِتُقَرِّبهم – الى صاحب هذا الشهر (تبارك وتعالى) – زُلْفَى، فيصبح لسان حالهم “لا نريد الخروج” من هذه الدوامة التي تنقلنا الى عوالم أخرى تُدرَك ولا توصف، فَهَلُمّوا يا عباد الله بالانضمام إلينا، وأحسنوا التزود، فمن غير المعلوم إن كنا سندرك الشهر الفضيل العام القادم، فاغتنموا الفرص وشدّوا العزائم… وتزودوا فإن خير الزاد التقوى.

أقرأ أيضاً:

  المرجع الخالصي يفتي بجواز الافطار والصلاة بسقوط تمام قرص الشمس في الافق الغربي

نسأل الله تعالى أن يجعل كلَّ أيامنا “شهر رمضان”، من الناحية الروحية والمعنوية، وأن يُبْقِيَ الهمم في ذروتها الرمضانية التفاعلية لا سيما بعد انتهاء الشهر الفضيل، وأن يُطيل هذه السفرة الشهية ويجعلها مديدةً طوال العام، فأولياء الله متشوقون، وأصحاب القلوب مندفعون، وفرسان الليل مُتَأهِّبون، ولدينا ربٌّ كريم لا مثيل لكرمه وعطائه… وهنيئاً للمتزودين.

جاء في الخبر ما مضمونه “ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو عَلِم العبد ما في رمضان لَودّ أن يكون رمضانُ السنة.” (بحار الأنوار).

[ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون ].

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock