لغم كلفة الإنتاج ينفجر بصانع «تشكليتس»

لغم آخر ينفجر بمسيرة الصناعة اللبنانية. هذه المرّة كان مصنع «Cadbury adams» هو الضحية، أعلن انتقاله من لبنان بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج. إدارة المصنع قرّرت أن تنتج في مصر السلع نفسها التي كانت تنتجها في لبنان، لكن بكلفة أقل بنحو 3 أضعاف. Cadbury لا يسير وحيداً في حقل الألغام، فهناك آلاف المصانع التي أقفلت، فيما عزمت عشرات المصانع على الهجرة

محمد وهبة – الأخبار
p12_20130611_pic1
الصناعات اللبنانية تتعرض لمنافسة شديدة في الأسواق المحلية والخارجية (هيثم الموسوي)

في 17 حزيران، يحتفل الصناعيون بعيدهم السنوي «يوم الصناعة اللبناني» ولسان حالهم: عيدٌ بأية حال عدت يا عيدُ. للأسف، يومهم هذا لن تتخلله ابتهالات زيادة الأرباح وتوسيع الاستثمارات، ولن ينطوي على تصريحات مفادها زيادة قدراتهم التنافسية، ولن يتضمن أي إعلان عن فتح أسواق جديدة… بل سيكون حفل تأبين لفارس آخر يترجل هو مصنع «Cadbury adams». خلال الشهر الماضي، انضمّ هذا المصنع إلى لائحة المهاجرين بعد ارتباطه على مدى 5 عقود بسلّة من المنتجات التي شكّلت جزءاً من صناعة ذاكرة اللبنانيين. هو ليس أول المصانع التي تغلق في لبنان ولن يكون آخرها! يروي صناعيون أن إنتاج الفول المدمس بات أقلّ كلفة في الخليج بنحو 7 دولارات للصندوق الواحد، وهو ما دفع بعضهم إلى استيراد كميات كبيرة من العلب الجاهزة الصنع من الإمارات وبيعها في لبنان، تحت اسم علامة تجارية يملكها المصنع اللبناني.
ويشير صناعيون آخرون إلى أن مصنع «سوليفر» لإنتاج الزجاج، تكبّد خسائر تصل إلى 5 ملايين دولار، وهو يبحث عن مخرج للإقفال. سلسلة إقفال المصانع في لبنان لم تتوقف يوماً، ففي عام 2011، أقفل مصنع المستقبل للأنابيب. وفي عام 2008، أغلق نهائياً مصنع «يونيسراميك» لإنتاج بلاط السيراميك، وقبل ذلك، أغلق مصنع للحديد في عمشيت، وسبقته عشرات مصانع للأحذية، غالبية أصحابها من بنت جبيل. وبحسب دراسة قطاعية، فإن أكثر من 5000 مصنع غزل ونسيج أقفلت قسراً بين عامي 1996 و2008… حتى الآن، ليس هناك إحصاء دقيق لدى جمعية الصناعيين عن المصانع المقفلة، لكن مسؤوليها يؤكدون وجود خطط للإقفال لدى عشرات المصانع.
إذاً، لهجرة المصانع أشكال مختلفة، بعضها إقفال نهائي وبعضها الآخر انكفاء إلى غير بلدان كحال مصنعCadbury adams. لكن إدارة هذا المصنع قرّرت أن تتحوّل من صانع إلى تاجر. قبل نحو 50 سنة، أطلق هذا المصنع أعماله في لبنان وبدأ ينتج سلعاً اشتهرت وتآلفت مع ذاكرة المستهلك اللبناني، حتى إن بعض العلامات التجارية التي أنتجها أصبحت اسماً تشتهر به السلعة، مهما كان صانعها. فعلى سبيل المثال، «تشكلتس» هو اسم العلكة في لبنان مهما كان اسمها التجاري الفعلي، و«كلورتس» هم اسم العلكة التي تحتوي على مواد مزيلة للروائح وخلافه، و«هولز» هو اسم السكاكر من نوعية معينة… الأمر مشابه كثيراً للمحارم الورقية التي أصبحت تعرف باسم «كلينكس»، مهما كان اسمها التجاري الفعلي.
في عام 2000، بدأ هذا المصنع يشعر، كغيره من المصانع، بالانتكاسة التي تزامنت مع خفض الرسوم الجمركية على غالبية السلع المستوردة. أُقرّت هذه الخطوة من دون أيّ تدعيم لواقع الصناعة وحاجاتها لتصبح الحجر الأول في مشروع «تسييح» و«تهجير» اقتصاد لبنان، إذ كان الهدف منها أن يزيد درجة اعتماده على المغتربين والسياحة (الطلب الخارجي) لا على القيمة المضافة التي تضخّها الصناعة والزراعة في نموّ الناتج المحلي وفي سوق العمل. المهم، أن أوضاع Cadbury بلغت حداً دفعه إلى اتخاذ قرار بالإقفال في عام 2003 «فمنذ نحو 10 سنوات، قرّرت الشركة المالكة لمصنع Cadbury في لبنان الإقفال» يقول متحدث باسم الشركة جيمس قرداحي. لكن الشركة الأميركية، تراجعت عن قرارها هذا بعد نحو سنة وأبقت على وجودها في السوق اللبنانية كجزء أساسي من عملياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا.
لعلّ آمال الشركة خالفتها الظروف الموضوعية على أرض الواقع اللبناني، حيث لا يمكن أن يصبح أي مصنع في لبنان منافساً لمصنع مماثل في مصر أو في الجزائر أو السعودية أو الإمارات. وبحسب مصدر صناعي مطّلع، فإن شركة Cadbury لم تعد قادرة على احتمال الخسائر الناتجة من ارتفاع كلفة الإنتاج في لبنان، فانتقلت إلى خطّة جديدة تتضمن «رسم مشهد شامل لكل المصانع التي تملكها إقليمياً، فقرّرت تقليص عدد المصانع في المنطقة وتوسيع المصانع التي لن تغلق» يقول قرداحي.
لم يكن قرار الشركة سهلاً، إذ كانت طيلة هذه الفترة تجري مقارنة بين مصنعيها في لبنان ومصر وظروفهما المستقبلية. ففيما الأول كان يعاني ارتفاع كلفة الإنتاج، كان الثاني يضيف إلى السلع المنتجة قدرة تنافسية مرتفعة. سبب هذا الفرق بينهما، بحسب عاملين في الصناعات الغذائية، أن العنصرين الأساسيين اللذين يمثّلان الثقل الأساسي في كلفة إنتاج السكاكر والشوكولا والعلكة وسواها، هما الحليب والكهرباء. بالنسبة إلى الحليب، فإن سعر الكيلوغرام الواحد في لبنان من النوعية المطلوبة لهذه المنتجات يتراوح بين 600 و700 ليرة لبنانية، لكنه يتراوح في مصر بين 181 و227 ليرة لبنانية، أي أنه أغلى في لبنان بنحو 3 أضعاف. وفي ما خصّ العنصر الثاني، أي كلفة استعمال الكهرباء، فإن سعر الكيلو واط ساعة في لبنان يبلغ 12 سنتاً (181 ليرة لبنانية)، مقابل 3 سنتات (45 ليرة لبنانية) في مصر، أي أنه في لبنان أغلى بنحو 4 أضعاف.
بهذا الوضوح، حسمت إدارة المصنع قرارها بالانتقال إلى مصر بوصفه «جزءاً من استراتيجيّتنا الرامية إلى استثمار مواردنا في مصانع ذات قدرة أنتاجية أكبر وبكفاءة أعلى»، وفق قرداحي. غير أن هذا الأمر لن يمنع الشركة من الإبقاء على وجودها في السوق اللبنانية «لن نترك لبنان، حيث سيكون لدينا مكتب تجاري إقليمي وسنتعامل مع الموزعين والتجار لتسويق بضائعنا في لبنان». هذا يعني أن كلفة الإنتاج في مصر وتصديره إلى لبنان هي أكثر ربحية من كلفة الإنتاج في لبنان وبيعه للمستهلك اللبناني أيضاً.
بيئة الأعمال في لبنان لا تزال طاردة للمصانع، حتى إن آلاف المصانع السورية التي أقفلت لم تجد مكاناً لها هناك فهربت إلى الأردن ومصر.
الصناعة اللبنانية تسير في حقل ألغام.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock