لماذا تتركز الاضطرابات في المناطق المحسوبة على “تيار المستقبل”؟

ربما تكون الانتخابات البلدية الفرعية، التي شهدها لبنان امس، اخر مشهد من مشاهد الاقتراع الذي يشهده لبنان واللبنانيون على المدى القريب، والمتوسط. لا علاقة للصورة بالموضوع، وليس ثمّة رابط بين الشكل والمضمون. إجراء الانتخابات مرتبط بجملة عوامل سياسية وامنية، توفّرت بحدها المقبول امس، مما اتاح اجراءها في اجواء هادئة. لكن مناسبة الانتخابات البلدية الفرعية دفعت المتابعين الى السؤال عن جدية اجراء الانتخابات النيابية في موعدها في ظل التوترات الامنية المتنقلة، وحالة الانقسام والاستقطاب السياسي، حيث لا اتفاق على قانون تجري على اساسه الانتخابات، والقوى الامنية والعسكرية منهكة جرّاء الواقع الامني المتدهور والمفتوح على المزيد من التدهور، والزخم الدولي حيال لبنان يرتفع ويخفت على ايقاع الازمة السورية المرشحة لجولة من التصعيد بموازاة المساعي لإنضاج الحل او التسوية، ما يعني ان “الاهتمام” بلبنان سيتراجع بالحد الادنى، هذا مع العلم بأن بعض الدول المعنية بالشأن اللبناني قد بدأت “تغض الطرف” عن عملية “تصدير الثورة” من سوريا الى لبنان عبر صمتها اللافت حيال الظواهر المتشددة والخطرة التي يعيشها البلد والتي تصب جميعها في خانة التطرف وتقويض الدولة واستنزاف الجيش والاجهزة الامنية. وابرز مثال على ذلك عدم صدور بيان او تحذير من استخدام لبنان كمنطلق لشن هجمات عبر الحدود على سوريا، والتعامل مع ما جرى مع عناصر الجيش في “عرسال” بطريقة خجولة لم ترقى الى الادانة الواضحة والصريحة من قبل دول تعلن ليل نهار دعمها للبنان والجيش والشرعية والدولة، وتقف مكتوفة الايدي مربوطة اللسان حيال عمليات ارهابية واضحة بحق الجيش، وحالات خروج علنية على الدولة والشرعية والمؤسسات.

بناء على هذه الصورة للواقع اللبناني المرتبط جذريا بالصراع الدائر في سوريا، ترى اوساط ديبلوماسية غير عربية: ان الانتخابات النيابية اللبنانية في حكم المؤجلة، وتبدي هذه الاوساط خشيتها من ان ينسحب تأجيل “الاستحقاق النيابي” على غيره من الاستحقاقات وفي مقدمتها الانتخابات الرئاسية في العام 2014. وترى هذه الاوساط ان “حادثة عرسال” كانت مفتتحاً لمرحلة جديدة في لبنان عنوانها التوتير والنفخ في “بالون” الامن بحيث يكون الواقع اللبناني جاهزا في اي لحظة ليصبح “جزءا من الحدث السوري”. واعتبرت الاوساط ان “تشريع ابواب لبنان” بهذا الشكل امام التطرف والتشدد، وفتح الحدود على دخول وخروج السلاح، وصعود قوى اسلامية متشددة في الشارع السني “على انقاض” تيار المستقبل”، وغيرها من العوامل الضاغطة تجعل الدولة في حالة اهتراء وتراجع امام المد الفوضوي الذي يبدو منظما ومدروسا وله ابعاد ودلالات خطيرة. ورأت الاوساط عينها ان سياسة “النأي بالنفس”، التي اتبعتها الحكومة فشلت في تجنيب لبنان التداعيات الاقليمية والتتأثير المباشر للحرب الدائرة على لبنان، وسألت هذه الاوساط: لماذا تتركز الاضطرابات في المناطق التي يسيطر عليها تيار المستقبل ولها صبغة مذهبية معينة؟ وعبرت الاوساط الديبلوماسية عن اعتقادها أن “الصورة” التي يجري تظهيرها في الواقع اللبناني تتحدث عن نفسها، بحيث تحاول السعودية وقطر وتركيا ومن خلفها الحريري، بعث رسائل داخلية وخارجية مفادها ان “المناطق السنية” في لبنان قد تتحوّل في اي لحظة الى جزء متمم لبنانيا “للثورة السنية”، ما يعني في السياسة ان هذه الدول قرّرت استخدام ورقة “السنة اللبنانيين” في الصراع الدائر على سوريا بعدما فشلت في استمالة جميع السوريين وعصبهم “السني” القوي في دمشق وحلب.

وختمت الاوساط برسم صورة تشاؤمية للمنطقة ولبنان اذا استمرت السياسات الغربية والعربية في عملية دعم “الجماعات الاصولية” لأن المشرق العربي المتعدد المتنوع قد ينفجر من داخله، ويصبح الحديث عن استحقاقات دستورية ومواعيد ومواقيت نوعا من الترف او تضييع الوقت لأن جميع دول المنطقة مهددة بحدودها وصيغها، ويصيبها ما اصاب اوروبا الشرقية عند انهيار الاتحاد السوفياتي، ولبنان ليس سوى دولة صغيرة غير قادرة على مواجهة هذا النوع من الزلازل التاريخية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock