لماذا لم تستثمر حركة النهضة في الثقافة؟

عندما نجرى مسحا للساحة الإعلامية و الثقافية في تونس لا نجد أثرا لإنتاج ثقافي أو معرفي أو رياضي لحركة النهضة و من يقف معها على نفس الخط ، بطبيعة الحال الحركة لا تؤمن بالفن و الإبداع كرافد ثقافي و حضاري و هي تقف منهما على طرفي نقيض في العموم لذلك يجد بعض منشطي الحصص و بالذات الثقافية حرجا كبيرا في استضافة قيادات حركة النهضة أو عند سؤالهم عن هذا الهامش من الحياة الإنسانية أو مطالبتهم بإبداء موقف صريح من مسالة الإبداع الفني أو الاستجابة لطلب المنشط بالغناء أو الرقص أو استذكار بعض الأفلام السينمائية ، هذا مهم لنفهم عقلية من حكمونا طيلة ثلاثة سنوات من الجمر و نصل إلى حقائق مذهلة حول هذه الحركة التكفيرية ، لقد حكمت حركة النهضة البلاد طيلة هذه المدة الطويلة نسبيا و لم تسع إطلاقا إلى بلورة مشروع ثقافي حضاري يمكن أن يكون رافدا لمسار الثورة و لعملية الانتقال السلس للحكم و اتساع رقعة الديمقراطية و مناخ الحريات العامة و مطالب الشعب بحرية التعبير و شفافية القضاء ، هناك من يعتقد أن الحركة قد عجزت عن التأسيس لإعلام حر رغم أهمية الإعلام في خلق الرأي العام و تنويره و تثقيفه بل ذهبت إلى محاربة طواحين الهواء أو ما يسمى بمعركة إعلام المجارى أو إعلام العار .

يتساءل بعض المتابعين عن أسباب فشل حركة النهضة في بلورة مشروع ثقافي لعلمهم الثابت أن الثقافة و الإعلام و الإبداع يمثلون اليوم حجر الزاوية في كل سياسات الدول المتقدمة و يستشهدون في هذا الخصوص بما يحظى به هؤلاء المبدعون في كل هذه المجالات من حفاوة و تقدير و تبجيل يصل إلى حد تنظيم مناسبات دورية سنوية لمنحهم جوائز قيمة تليق بإبداعاتهم و مساهماتهم في نشر الوعي الحضاري و الثقافي ، يتساءل هؤلاء المتابعين باهتمام و بحذر شديد هل غفلت الحركة عن هذا المسعى رغم أهميته في ما يعرف ب”سياسة التمكين ” التي يتبعها الإخوان و هل أن قيادات الحركة لا ترى أن الثقافة هي مدخل مهم للقلوب و للاستحواذ على الرأي العام و جلبه إلى حظيرة الإسلام السياسي و مشروع الإخوان في التغلغل داخل الوجدان و مكونات الدولة ، أيضا يتساءل هؤلاء لماذا ترفض قيادات النهضة الجواب على هذا السؤال بمنتهى الصراحة و لو أنهم يعتقدون في قرارة أنفسهم أن الحركة ليست في وارد الاستثمار في الثقافة لأنها ترى الفن بكل عناوينه الإبداعية عدوا لفكرها التخريبي التفكيري القائم على معاداة الحضارة الإنسانية .

أقرأ أيضاً:

الرئيس قيس سعيد في زيارته المرتقبة لـ فرنسا

في تاريخ الحركة و فترة حكمها أنها عادت الثقافة و المبدعين بشكل علني و مخيف وصل حد حرق دور الثقافة و الإبداع و تهديد المبدعين و محاولة ترهيبهم بالاغتيال و السحل في الساحات العامة و قد شاهدنا ما تعرض إليه الفنان لطفي العبدلى من اعتداءات وحشية تؤكد همجية هؤلاء المنتسبين لثقافة بول البعير و شيوخ الظلام و مشروع الفتنة المتحول في كل الأقطار العربية ، إن ما حدث في أفغانستان و سوريا و العراق من تدمير لمعالم الإبداع الإنساني و التراث الحضاري البشرى ليس فكرا بعيدا عن فكر حركة النهضة فالإرهابيون الذين دمروا الآثار التاريخية في أفغانستان و أثاروا حفيظة البشرية في كل أصقاع العالم هم أنفسهم من دمروا تراث الإنسانية و حضارتها في مدينة ” تدمر ” السورية و من نهبوا آثار العراق ، لعله من المفارقات المحزنة أن يتلاقى في نفس المكان و الزمان مشروع إسرائيل في تدمير الإرث الحضاري العراقي مثلا مع مشروع الجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنتسب إليها حركة النهضة قلبا و قالبا ، بدليل تصريح شيخ الحركة الذي اعتبرها تمثل ما سماه ” الإسلام الغاضب ” ، في تدمير هذه الآثار و تسهيل عملية نهبها من كل قطاع طرق العالم ، هذا التزامن في الغايات الخبيثة يؤكد تشابك مصالح حركة النهضة و مصالح الصهيونية العالمية و التقاء إرادتين خبيثتين لتدمير و تفتيت الدولة العربية حتى يمكن نصب الخلافة السادسة التي بشر بها رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالى هذه الجماعات الإرهابية التي كانت تنشط داخل تراب الجمهورية و خارجه.

إن عداوة قيادة حركة النهضة للثقافة و المثقفين و للإبداع عموما أمر محسوم بكثير من الأدلة و البراهين و التصريحات و لعل ما تخبطت فيه تونس طيلة حكم هذه الحركة التكفيرية من فوضى و اعتداء و تهديد قد جعل المبدعين يعملون وسط مناخ رهيب و تحت طائلة تهديدات تصل إلى حد القتل كما حصل لصاحب معرض الصور بالعبدلية أو برنامج ” اللوجيك السياسي ” أو قناة نسمة أو صالة العرض السينمائي بشارع بورقيبة من محسوبين على التيار السلفي الجناح العسكري لحركة النهضة رغم صراخ و انتقادات عدة منظمات دولية مثل منظمة ” هيومن رايتس ووتش ” ، يقول موقع ” الأخبار ” اللبناني في مقال بعنوان ” معركة مفتوحة و رقابة باسم المقدس ” بتاريخ 27/1/2012 ” لم يكن المبدعون التونسيون يتخيّلون أنّهم سيضطرون إلى الدفاع عن مكتسبات اعتقدوا أنّها من الثوابت! إلا أنّ ما حصل منذ صعود الترويكا، التي تسيطر عليها «حركة النهضة» الإسلامية، فتح عيون المبدعين على واقع لم ينتظروه بعد «ثورة 14 يناير». بدأت متاعب المبدعين: حصار واعتداءات سلفية متكررة. اعتدى سلفيون على المسرحي رجب مقري، كما اعتدت مجموعة أخرى على النحّات الشاب حلمي الناجح وكسروا أعماله الفنية ” .

أقرأ أيضاً:

هل تتوحّد الدول المغاربية في مواجهة الغزو التركي لليبيا...؟

من عادة حركة النهضة أنها تضع جميع أفراد الشعب المعارضين لسطوتها و إرهابها و مشروعها التكفيري في سلة واحدة و من عادة الإسلام السياسي انه يعادى كل المتحررين من سطوته بمن فيهم من كانوا يوما من بين مؤسسي هذه الحركة الإرهابية و قد شاهدنا ما حصل لكبار المثقفين المصريين و نظرائهم التونسيين مثل يوسف الصديق و ألفة يوسف و قد نال الإعلام نصيبه من التحذيرات و التهديدات المباشرة كما حصل للإعلاميين لطفي لعمارى و حمزة البلومى و زياد الهانى و غيرهم و قد شهد مقر التلفزيون و الإذاعة التونسية في عهد حكومة النهضة غزوات الإرهابيين و تهديداتهم العلنية تحت تواطىء المؤسسة الأمنية بقيادة وزير الداخلية على لعريض احد عتاة المجرمين الإرهابيين في الحركة و الذي لم يتورع عن ضرب أهالي مدينة سليانة بالرشد المبيد للأجسام دون أن تتم محاسبته قضائيا لحد الآن ، إن معادة حركة النهضة للثقافة أمر موروث من حركة الإخوان المسلمين في مصر لان مؤسس الحركة حسن البنا لم يكن يرى في الثقافة إلا عدوا لمشروعه الرامي إلى استغلال عقول البسطاء لدفعهم إلى المعصية التكفيرية و استغلال هشاشتهم النفسية و الروحية للإيحاء إليهم بان ما يسمى بالجهاد ” لدى الجماعة هو الطريق الأقصر للوصول و إدراك الجنة و حورها الحسان ، الثقافة بالنسبة لحركة النهضة عدو مبين و ما نشهده من مصافحات و زيارات مجاملة بين الحركة و بعض الفنانين أو الرياضيين هي مسرحية عرجاء لا تنطلي إلا على المغفلين و تبقى علامة فارقة على عداء النهضة للثقافة .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق