مآلات الانسحاب الأمريكي من سوريا.. بين الهواجس التركية والأداة الكردية

في الشمال السوري، ومع حالة عدم الاستقرار السياسي والعسكري التي جاءت جراء التجاذبات التركية والكردية في المنطقة، تواجه واشنطن مختلف المصالح المتباينة لحلفائها والجهات الفاعلة الخارجية على السواء، فالتحديات التي تواجه واشنطن تنطلق من بُعدٍ استراتيجي ناظم لسياساتها الشرق أوسيطة، فما بين الاشكاليات الكردية، والهواجس التركية، والقدرة على إحتواء ايران، والحد من تعاظم القوة الروسية في سوريا والمنطقة، وعطفاً على إفراغ الانتصار السوري من فحواه الاستراتيجي، ومنع الدولة السورية من استكمال معادلات النصر وترجمتها واقعاً في الجغرافية السورية.

سعت الولايات المتحدة إلى تحويل أهداف وجودها في سوريا ، من محاربة داعش، إلى منع الدولة السورية من تشبيك منجزاتها السياسية والعسكرية، وترجمتها عبر بسط للسيطرة والنفوذ على كامل الجغرافية السورية. كما سعت واشنطن لتحويل سوريا إلى نقطة محورية فيما يُسمى استراتيجية الضغط على روسيا وإيران، عبر الاستثمار السياسي بملف الكرد، واتباع سياسية إمساك العصا من المنتصف لجهة التعامل مع تركيا، إضافة إلى اتباع استراتيجيات مضادة تؤطر كافة الخطط السورية الروسية الإيرانية في الشمال السوري، وتحديداً تلك الخطط المُتعلق باتفاقات استانا ونُسخ سوتشي.

دوريات عسكرية أمريكية وتركية شمال سوريا
دوريات عسكرية أمريكية وتركية شمال سوريا – أرشيف

ومع توسع النتائج السياسية والجيواستراتيجية في سوريا، جاء القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا في كانون الأول من عام 2018، لكنه قرار جاء صادماً لكافة أصدقاء واشنطن، لا سيما تركيا والكرد، وبات هؤلاء في مرحلة البحث عن تحالفات واصطفافات تكون سبيلاً للحد من تداعيات الانسحاب الأمريكي. في تلك المرحلة، دأبت الدبلوماسية الأمريكية على منع الغزو التركي لمناطق تواجد الكرد، وطرح حلول بديلة تُرضي أنقرة والأداة الكردية، لكن ومع استمرار التعنت الأمريكي لجهة توسيع المظلة الحامية للكرد، وعدم الإصغاء للهواجس التركية، يضاف إلى ذلك، التباينات والتعقيدات المتعلقة بما اتفق عليه اصطلاحاً المنطقة الأمنة أو ممر السلام، وجد رئيس النظام التركي رجب طيب أردوغان نفسه أمام جُملة من الضغوط الداخلية والخارجية، والتي تُحتم عليه البحث عن مخارج سياسية وأخرى عسكرية، ولم يكن أمام أردوغان إلا رفع سقف تهديداته باجتياح مناطق الكرد التي تتخذ من العلم الأمريكي درع سياسي وعسكري.

أقرأ أيضاً:

  مسيرةُ الأربعين والمفسدون في الأرض

فقد وصلت تهديدات “أنقرة” إلى ذروتها في أوائل أغسطس/آب 2019، ما دفع بجولتين من المحادثات التي عقدت في “أنقرة“، والتي أسفرت عن إنشاء مركز مشترك للعمليات المشتركة في “أورفا”، حيث أرسل الجيشان التركي والأمريكي ممثلين لتنسيق الدوريات المشتركة وإزالة المواقع الدفاعية الكردية السورية من جزء من الحدود التركية السورية.

ولا يزال يتعين على المحادثات بين الولايات المتحدة وتركيا حل الخلافات الثنائية الخطيرة، المرتبطة بمطالبة أنقرة بأن تمتد المنطقة الآمنة على بعد 32 كيلومتراً إلى سوريا، وتوضع تحت السيطرة التركية للإعداد لعودة ما يصل إلى مليون من النازحين السوريين المقيمين في تركيا. بالمقابل، وافقت الولايات المتحدة على اقتراح أكثر تواضعا لإقامة منطقة ضيقة بطول 5 كيلومترات تمتد إلى 14 كيلومترا في مناطق معينة. وللقيام بدوريات في هذه المنطقة، اقترحت الولايات المتحدة قوات محلية رفضتها “أنقرة” لصالح الميليشيات المدعومة من تركيا والتي تتخللها الحاميات العسكرية التركية.

واشنطن اتبعت تكتيكاً سيقف عنده أردوغان طويلا، حيث أنه وبموازاة القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا بالتزامن مع القرار التركي، قال ترامب أن على الأتراك والأكراد حل الوضع فيما بينهم بعد انسحابنا من شمال سوريا. هي معادلة وإن احتوت جُزئياتها على قرار برفع الغطاء بشكل جُزئي عن الكرد، إلا أنها تحتوي رسائل قاتلة لتركيا، خاصة أن انقرة تُدرك معنى الاجتياح العسكري لمناطق الكرد المُدججين بالسلاح الأمريكي، وتُدرك أيضاً أن معادلة موازنة المصالح قد ابتعدت عن متناول اليد لتركية، حتى أن ترامب قالها صراحة أن “الولايات المتحدة ستحارب في المكان الذي يحقق مصالحها وستحارب فقط لتفوز”، وهذا بدوره يؤكد أن واشنطن لا تزال ترى في الشرق السوري منطلقاً لنظرياتها الاستراتيجية ضد موسكو وطهران، ومع تواجد البيدق الكردي في المنطقة ستكون مهمة أردوغان العسكرية شرق الفرات، أشبه بالمستحيلات لتحقيق أهدافها ومضامينها، ولعل التهديدات التركية المتعلقة بهذا الإطار، رسمت مساراً بُنيت عليه الآمال لانتزاع تنازلات من واشنطن، والتالي فإن قرار لتصعيد التركي يبقى قراراً غايته الأولى والأخيرة استمالة واشنطن وجذبها للتماهي مع خُطط أنقرة، وعليه فإن القرار التركي هذه المرة لم يُفلح لجهة الضغط على واشنطن وتقديم تنازلات، فواشنطن كسرت عصاها، ولوحت بالانسحاب، وقررت ضمنياً أن يكون المستنقع السوري مكانا لغرق أردوغان وطموحاته، لا سيما أن واشنطن لا تبحث في سياساتها عن احتواء تركيا أو الكرد أو حتى تبريد هواجسهم، بقدر ما تبحث عن مصالحها وما يؤمن لها كبر قدر من المكاسب، حتى لو كانت هذه المكاسب بالانسحاب التام من سوريا.

أقرأ أيضاً:

  هل يتمكن الموساد الإسرائيلي من اغتيال قاسم سليماني؟

مع بدء الولايات المتحدة سحب قواتها من المناطق السورية الواقعة على الشريط الحدودي مع تركيا، بات الطريق مفتوحا أمام أنقرة لشن هجوم توعد به أردوغان، غير أنه يضع أنقرة كذلك أمام تحديات جسيمة، صحيح أن العملية العسكرية التركية شرق الفرات، تأتي في إطار الطموحات التركية الرامية لفرض واقع عسكري يُصرف سياسياً. لكنه طموح محفوف بالمخاطر، لأسباب ثلاث:

  • الأول – رغبة تركيا برسم خطوط سياسية واخرى عسكرية، بُغية تغير قواعد اللعبة في شرق الفرات، وهذا يعني اصطدام عسكري مع الكرد المدعومين أمريكياً، وبالتالي زيادة التوترات مع واشنطن والتي ستنعكس على المستويين السياسي والاقتصادي. وقد تُرجم هذا الأمر عبر تصريحات لـ ترامب أكد فيها أنه إذا تجاوزت تركيا حدودها فسيدمر الاقتصاد التركي.
  • الثاني – الواضح من التصريحات التركية لجهة العملية العسكرية أن القوات التركية ستنفذ الهجوم من البر والجو، وهذا يؤشر إلى أن نطاق المعارك سيتسع، ومع هذا التوسع العسكري، سيكون هناك توتراً سياسياً مع إيران، خاصة أن طهران وبناء على مُخرجات سوتشي وتفاهمات أستانا، تُعارض أي تحرك تركي يمس مباشرة بالسيادة السورية. كما ابدت طهران رغبتها بتقريب وجهات النظر بين دمشق وأنقرة وفقاتفاقية أضنة 1998.
  • الثالث – التحرك العسكري التركي شرق الفرات لن يبقى ضمن نطاق جغرافي محدد، وهذا يعني أن رقعة المعارك قد تمتد إلى الداخل التركي، الأمر الذي يشي باحتمالية أن تكون هناك تحركات سياسية لمعارضي أردوغان تُطالبه بعدم الزج بالقوات التركية في أتون الحرب السورية، الأمر الذي سيزيد من التعقيدات السياسية في الداخل التركي.

وبصرف النظر عما سبق لجهة طموحات أردوغان، فقد بدأت تداعيات العملية العسكرية التركية في الشمال السوري، تترجم عبر تنديد دولي بهذه العملية، ما يعني تزايد الضغوط على أردوغان، حتى أنه من الممكن أن يبقى وحيداً مع إرهابيّيه، في مواجهة جُملة واسعة التحديات التي لا يمكن ان تؤطر فقط في الجغرافية السورية، يُضاف إلى ذلك، فإن احتمالية التحرك العسكري السوري- الروسي هو أمر مرجح بشكل كبير في صد العملية العسكرية التركية، حتى وإن كانت الدولة السورية ترى بأن قسد هي أحد أسباب هذا الاعتداء عبر إهمالها عدة مرات الدعوات السورية للعودة إلى كنف الدولة السورية التي سبق لها أن حذرت قسد حول تصرفاتها التي أدت لتقسيم الأراضي وتسهيل عملية إدخال القوات الأجنبية وتدخلها في الشأن السوري.

أقرأ أيضاً:

  الخالصي يحذر من مخططات الاحتلال في استغلال الاوضاع لتمرير أهدافه

في المحصلة، قد ينجح ترامب في توجيه ضربة انتقامية لأردوغان جراء استفزازاته المتكررة لواشنطن، فالأهداف الأمريكية الحالية تتمحور حول التقاط التباينات التركية والكردية، وترجمتها بما يناسب الاستراتيجية الأمريكية في سوريا والمنطقة، لكن أي سيناريو تركي شرق الفرات، سيُغرق أردوغان أكثر في المستنقع السوري، فالنتائج الغير متوقعة من التحركات التركية، وعدم قدرة أردوغان على رصد المتغيرات في الساحة السورية سياسياً وعسكرياً، هذا الأمر أشبه بكرة النار التي تتسع لتلتهم طموحات أردوغان، ولا سبيل لتجنب هذه الكرة النارية، إلا بالتوجه إلى دمشق ودراسة كافة الأوراق المتعلقة بشرق الفرات وإدلب والكرد، دون ذلك، فإن القنبلة الصوتية التي يسعى أردوغان لتفجيرها شرق الفرات، لن تنفجر إلا بوجه استراتيجياته الفاشلة، وسيغدو أردوغان هائماً على وجهه كما بقايا داعش الإرهابية في سورية، خاصة أن الدولة السورية ترصد بدقة استراتيجية متناهية، كافة التطورات، وتُهندس الخيارات كافة، بما فيها توجيه ضربات تكتيكة لتركيا.

بواسطة
أمجد إسماعيل الآغا
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock