مجزرة قانا 18 نيسان 1996…

بعد ظهر يوم 18 نيسان 1996 اطلقت المدفعية “الاسرائيلية” المتمركزة على الحدود اللبنانية ـ “الاسرائيلية” مزيجا فتاكا من القذائف على القاعدة المترامية الاطراف لقوة حفظ السلام الدولية في قانا الكبيرة، ما ادى إلى قتل اكثر من 100 من الاطفال والنساء والرجال الذين كانوا لجأوا هناك. واصيب بعض الناجين بجروح فظيعة ووصلوا إلى المستشفيات المحلية باجساد مشوهة ومحروقة ومصابة بشظايا. ويرجع العدد المرتفع للضحايا جزئيا إلى نوع القذائف التي استخدمت في القصف ـ حوالي ثلثي المجموع من القذائف التي تنفجر في الجو فوق الهدف. وهذه القذائف الشديدة الانفجار اسلحة مضادة للافراد مصممة لتنفجر فوق الارض وتنشر الشظايا على امتداد منطقة واسعة بهدف زيادة حجم الاصابات على الارض إلى اقصى ما يمكن

كان هذا القلق مبررا تماما. ويمكن للمرء ان يجادل بان حادثة قانا كانت، بالحد الادنى، ستقع لا محالة. وقال الجنرال فرانكلين فان كابن، المستشار العسكري الهولندي للامين العام للامم المتحدة آنذاك بطرس غالي، في تقريره بتاريخ 1 ايار 1996 حول الهجوم على قانا، انه “كانت هناك ادلة مهمة على انفجار قذائف مدفعية، مزودة بصواعق تفجير فعند الاقتراب من الهدف، فوق المجمع مباشرة، وتغطيتها لجزء كبير من مساحته. وعلى رغم ان عدد (القذائف) لا يمكن ان يحدد بالضبط، فان الادلة المتوفرة تشير إلى ان ثماني قذائف من هذا النوع انفجرت فوق المجمع ولم تنفجر سوى قذيفة واحدة خارجه”.‏‏‏

وقال موظف لبناني في “يونيفيل” كان يعمل في قاعدة قانا انه جلب عائلته إلى القاعدة في 12 نيسان، في اليوم الثاني من القتال. وقال لي ان “البوابات كانت مغلقة. وكان هناك 300 شخص خارج القاعدة يريدون الدخول. وسمح للمدنيين خلال الايام القليلة التي اعقبت ذلك ان يدخلوا المعسكر، وسرعان ما زاد عددهم على 800”. لكن الجيش “الاسرائيلي” تمسك بادعائه ان “الصور الفوتوغرافية الملتقطة من الجو للمعسكر في الايام السابقة لم تظهر أي ادلة على وجود عدد كبير من المدنيين في المعسكر”. لكن واحدا على الاقل من كبار المسؤولين العسكريين “الاسرائيليين” اعترف بان الجيش كان يعرف فعلا ان مدنيين يحتمون في قواعد للامم المتحدة في انحاء الجنوب. وربما يكون عن الحادث كله : “كان اجلاء مدنيين من القرى إلى منشآت تابعة للامم المتحدة معروفا لدينا منذ اليوم الثاني للعملية. ولم يجر أي نقاش في جناح الاستخبارات حول ما اذا كان هناك 200 او 600 من المدنيين في قانا. السؤال المناسب هو هل كان صائبا ان تطلق النار في مثل هذه الظروف؟”.‏‏‏

وبعد اطلاق قذائف الهاون رفعت قاعدة قانا “تقريرا عن الحادث” إلى قيادة “يونيفيل” واصدرت تحذيرا عبر اجهزة الميكروفون الى جنود القوة الدولية بان عليهم ان يرتدوا السترات الواقية من الرصاص، ان اولى القذائف بدأت تسقط قرب موقع الهون بعد انقضاء حوالي 8 إلى 10 دقائق على التحذير الموجه عبر الميكروفون، في الساعة 2.08 او 2.10 تقريبا بعد الظهر، ثم تعرضت القاعدة ذاتها إلى القصف، وسقطت القذيفة الاولى على محيط المجمع، قرب المدخل الرئيسي، ودمرت بنايتين من النوع المسبق الصنع. وادت القذائف الثلاث الاولى إلى تدمير خطوط الكهرباء والاتصالات. وقال الكولونيل واهمي: “كانت مواقعنا في التلال تنقل الينا ما يجري كنا هنا في انتظار الموت. لم يكن هناك اطلاقا ما يمكن ان نفعله”.

واضاف: “كان هناك الكثير من الصراخ، وكانت المباني تشتعل لم نستطع ان نصدق ان قاعدتنا تتعرض إلى هجوم، كان صوت القذائف آلاتية، تعقبها الانفجارات، ومنظر القتلى يفوق حدود الوصف. كانت هناك اشلاء في كل مكان”.‏‏‏

وابلغ موظف في “يونيفيل” كان موجودا اثناء الهجوم، لكنه رفض الكشف عن هويته، ان العائلات المشردة كانت متجمعة في ثمانية مواقع في القاعدة. ودمر القصف بشكل كامل ثلاثة مبان جاهزة كانت تؤوي حوالي 240 شخصا ـ كل ما تبقى عند زيارتي للمكان حفرة مستطيلة ضخمة احدثها القصف وقال : “كان هناك 126 شخصا اخرين داخل منزل “فاتوا” حيث انفجرت قنبلة في الجو فوقه وقتلت 52 شخصا”.‏‏‏

والقى الجنرال فليناي (ضابط “اسرائيلي”) مسؤولية استمرار المذبحة على قوات حفظ السلام. ونقل عنه قوله “انهم لم يبلغونا ابدا ان القذائف كانت تتساقط داخل المعسكر”. لكن تقارير متزامنة لصحافيين سمعوا الاتصالات اللاسلكية، وشهادات لضباط في “يونيفيل” تناقض ادعاء الجنرال، وابلغ مسؤول رفيع المستوى في “يونيفيل” ان “الضابط المسؤول عن العمليات ضغط على زر الاتصال السريع (في جهاز الهاتف لديه” وابلغ “الاسرائيليين” حول الهجوم”.

واضاف: “كان القصف يتواصل. ثم اتصلوا، واعطونا انذارا بالقصف… بينما كان القصف مستمرا قلنا اننا نعرف ان هناك قصف. وابلغناهم ان يوقفوا القصف”. وادعى رئيس اركان الجيش “الاسرائيلي” الجنرال امنون شاحاك في 18 نيسان 1996ان “الامم المتحدة ابلغت باسرع ما يمكن”. حول القصف. ويترك هذا سؤالا من دون جواب: لماذا لم يغير الجيش “الاسرائيلي” اتجاه القصف او يوقفه بعدما تم اشعار القيادة الشمالية بان قاعدة قوة حفظ السلام الدولية تتعرض إلى هجوم مباشر؟‏‏‏

وبين اكثر القضايا اثارة للخلاف في شأن حادثة قانا هو ما اذا كان الهجوم “الاسرائيلي” عرضيا ام متعمدا. وما اذا كان القذائف التي سقطت داخل القاعدة قذائف طائشة ـ تعرف بـ “نثار المدفعية”.‏‏‏

وعبر مسؤول كبير في “يونيفيل” عن قناعته بان الهجوم على قانا لم يكن حالة “نثار مدفعي”. وقال لي: “كان يمثل تغييرا في الهدف، ليس هناك ادنى شك في انه جرى تغيير الهدف”. ولم يجادل هو ايضا بان القاعدة استهدفت بشكل متعمد، لكنه اعتبر ان القصف “الاسرائيلي” تميز بالاهمال: “كانوا يعرفون انهم يطلقون النار قرب قاعدة تابعة للامم المتحدة. كان الخطر الحقيقي هو مدفعية الهاون، وكان مثالا على الاهمال. كان قرارا اتخذته القيادة الشمالية (للجيش “الاسرائيلي”) باطلاق النار على منطقة مكتظة بالمباني. هناك خط دقيق يفصل بين انعدام الحرص والاهمال وبين القتل المتعمد في هجوم مقصود”.‏‏‏

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock