“مسح الرأس”

مسح الرأس

كان زميلاً لي على مقاعد الدراسة أيّام الفتوة سقى الله زمانها، وكان عاشقاً للثرثرة أثناء شرح الدروس، وكثيراً ما تعرَض للعقوبة من المعلّمين الغاضبين منه، وبسببها طُردَ من القاعة غير مرّة.

وكنْتُ قد تعوّدتُ على حركاته لطول العشرة والصحبة، فقد اكتشفْتُ أنّه عندما يبرّر أغلاطه أو تقصيره يضطرّ أن يلجأ لحبله القصير وهو الكذب، وغالباً ما كان ينجح في خداع المعلمين الطيّبين، فكان يترافق كذبه مع مدّ يده اليسرى على رأسه فيمسح شعره الأسود بأصابعها الصغيرة مرّات متكرّرة.

وانقضت السنون تأكل من أعمار البشر، وبعد ثلاثين سنة وبينما كنت أشاهد التلفاز وأتنقّل من قناة إلى أخرى استوقفتني محطّة فضائيّة تُجري مقابلةً معه كونه أصبح من المسؤولين الفطاحل، وكان يتحدّث ببراعة لغويّة وإسهاب وفصاحة عن إنجازاته في الحقل العام ويبدو عليه الوقار، والحرص على المصلحة العامّة، وهو يرتدي اللباس الأنيق المزخرف بربطة العنق الزاهية، فانتابني الحنين لأيّام المدرسة، واقتحمت فؤادي جيوش الفرح وذكريات أيّام الصّبا والولدنة، وانتشيت تفاخراً بصاحبي المسؤول المعظّم الذي لا يبالي بامتعاض محاوره الإعلاميّ بسبب عدم تقيّده بالزمن المخصّص له في الكلام، والذي أدهشني أكثر أنّ زميلي المسؤول لم يتغيّر في تواضعه، فما زالت يده اليسرى يمدّها إلى رأسه فيمسح بأصابعها شعره الأبيض مرّات متكرّرة!!!!.

منتجب علي سلامي

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى