مصير “إسرائيل” بين شجرةٍ وسبابة

إيهاب زكي | أصابتني حالة من السخرية المزمنة، وأنا أتابع ردود الأفعال “الإسرائيلية” الإعلامية منها خصوصاً، على خطاب السيد نصرالله في ذكرى نصر تموز، انتجت ابتسامات الرضا الدائم عمّا تعنيه هذه الردود عن هشاشة الكيان، فقديماً كنّا نتابع الإعلام “الإسرائيلي” بحسرةٍ مشوبةٍ بالسخط على النفس أولاً، وعلى أمةٍ عاجزة الإرادة مترهلة الهمة، وكان الإعلام العبري يكاد يلامس حدود القداسة في العقل الجمعي العربي لانطباعنا النمطي عن حريته وصدقيته. ولكن في زمن نصرالله أصبح ذلك الإعلام تجلياً حقيقياً لتسرّي الخائف، فهو يعكس بؤس حال الكيان وانعدام خياراته الجيدة، فهي من السيئ للأسوأ للأكثر سوءًا، وكلها خياراتٌ تمس المصير والوجود، فيقول مثلاً الكاتب أيال زيسر “حسن نصرالله مازال متحصناً منذ 2006 في الخندق، وكل ما يستطيع قوله لمستمعيه هي القصص المفتعلة عن نجاح منظمته في المعارك مع الجيش الإسرائيلي”، ويبدو أنّ هذا الكاتب شديد التأثر بإطلالات نديم قطيش الإعلامية، ولكم أن تتخيلوا ما سينفجر من براكين السخرية لمجرد الوصول لهذا الاستنتاج.

ثم يواصل تأثره الشديد بإعلام النفط عموماً والعرعوري منه خصوصاً، فيضيف “إن نصرالله مرتدعٌ بسبب الضربة التي تعرض لها في العام 2006، ومن هذه الناحية فقد أصبح ذخراً لإسرائيل، فلا أحد مثله يحافظ على الهدوء وضبط النفس على طول الحدود”، وأشك أنّ هذا الكاتب يوجه خطابه هذا لجمهوره “الإسرائيلي”، هذا الجمهور الذي يراقب سبابة نصرالله حركةً وسكوناً، ويعرف أنّ قلامةً من تلك السبابة أصدق من كل تهديدات “حكومته” للبنان، ولكن هناك جمهوراُ نفطياً يصدق “حديث التسري” لـ”إسرائيل”، بل يريد أن يصدق، لأنّ هذا التصديق بالضبط هو ما يتناسب مع روح الهزيمة التي رسّخها النفط في عقول متابعيه، وهو لا يريد أن يصدق أنّ قادة التطبيع يمارسون الخيانات لا الحكمة، وأنهم يستمرئون الهزائم عن رغبةٍ لا عن ضعف، وما يدعم هذا الاستنتاج بأنّ الحديث موجه لجمهور النفط ما أردفه كنتيجة عن تداعيات هزيمة داعش وهي”أنّ ذلك سيُبقي إسرائيل والأردن وحدهما في مواجهة الهلال الشيعي”، فلماذا لا تكون “إسرائيل” وحدها في المواجهة، ولماذا إقحام الأردن مع مصطلحٍ للملك الأردني براءة اختراعه، فالكاتب يريد الإيحاء بأنّه و”دولته” في خندق المعتدلين السنة، ضد خطرٍ مشترك يمثله ما سمّاه الملك “الهلال الشيعي”، وحتى هذه اللحظة لا أجد سبباً وجيهاً لخشية الملك من “الهلال الشيعي”، في حين أنه ككيانٍ وظيفي عليه خشية تبدل مزاج الموظِف ولا شيء غير ذلك.

أقرأ أيضاً:

تعليقات اعلاميين وناشطين صهاينة على فيديو المقاومة

واللافت أنّ هذا الكاتب خصوصاً والإعلام العبري عموماً، ركزوا على تهديد السيد نصرالله بديمونا مجدداً، بعد قرار تفكيك حاويات الأمونيا في حيفا، ولكنهم تجاهلوا الأكثر أهمية والأكبر دلالةً، فالسيد نصرالله تناول تهديده بديمونا ساخراً لكنه هدد كيان العدو بالشجر جاداً، والسخرية هنا ليست عبثية كما الجدّية، فحين يصبح أعتى ما تفاخر به “إسرائيل” من قوةٍ محط سخرية، فالنتيجة الحتمية هي أن تصبح مجرد شجرةٍ على الحدود، هاجساً يؤرق القوة النووية الوحيدة في المنطقة، وكأن السيد نصرالله-وإن لم ينّوه أو لم يقصد- يرد على الدعابة “الإسرائيلية” القديمة، بأنّ “فرقة موسيقية في جيش الدفاع” قادرة على اجتياح لبنان، بأنّ شجرة لبنانية يزرعها لبناني على الحدود قادرة على تهديد القوة النووية، وقادرة على استدعاء اجتماعات أمنية عسكرية وتحركات دبلوماسية دولية ومناكفات سياسية داخلية، فكم من شكوى ستقدمها “إسرائيل” للأمم المتحدة عن شجيرات الجنوبيين، وكم من الرعب سيجتاح جنود الحدود وسكان الحدود إن تكاثر الشجر، وكم ستتعاظم مصيبتهم في ليالي الشتاء إن تحرك الشجر، ولكن ما نوَّه له السيد وقصده بدقة، حين اعتبر أنّ خسائر العدو في 2006 حال أيّ عدوانٍ جديد، ستتضاعف مئات المرات، وحين قال مئات المرات سكت قبلها هنيهة، وهو ما يعني أنّه فكر بها جيداً، وهذا السكوت ونظراً لحنكة السيد في الحرب النفسية، كما معرفته المسبقة واليقينية بخضوع كل حرفٍ من خطابه بل كل حركة الجسم وكل طرفة عين للتحليل أجزم أنّه كان مقصوداً، لتصل الرسالة بأنّه كلام كحق اليقين لا يقبل الاحتمال، كاحتمال أنه رقم للمبالغة، أو أنه نابعٌ من حماسة تتناسب مع خطاب جماهيري.

ولا نبالغ إذ قلنا أنّ “إسرائيل” أصبحت تنظر لمصيرها من خلال حدّين، سبابة السيد وشجر الجنوب، وبعد تظهير انتصار سوريا سيصبح هذا الكيان المتهالك أشد رعباً، وقد أكدّ السيد نصرالله وحسبما قال عن سبق معلومات لا تكهنات، بأنّ أطراف العدوان ستبدأ بالتخلي وتحميل المسؤوليات، بكل ما يعنيه ذلك من سباقٍ نحو دمشق وتحديداً نحو منطقة العفو في عقل الرئيس الأسد، وهذا السباق نحو تلك النقطة ليس مجانياً، بل إنهم سيفتحون المزادات السرّية في سبيل الوصول وتخفيف آثار الفشل قدر الممكن والتخفيف من وطء الهزيمة قدر المستطاع، وفي انتظار إطلالة ثانية للسيد في الذكرى الثانية عشرة لانتصار تموز، على “إسرائيل” أن تحسب أعداد الشجر، وتفكر جدياً بالفرق الهائل بين الصاروخ والشجرة، ثم تطرح حاصل ذلك من عمر الكيان المفترض، وحتماً ستصل للجواب النهائي

أقرأ أيضاً:

الإعلام ودوره بالصراع مع ماكينة الإعلام الإسرائيلية
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق