“معلّم وأفتخر”

من إدارة الوكالة العربية للأخبار نتوجه بأسمى آيات التقدير والمحبة للمُربي الفاضل ومُعلم الأجيال

 

الأستاذ منتجب علي سلامي


معلّم وأفتخر”

منتجب علي سلامي

أحدُ الذين يعتبرون أنفسهم (مسؤولين) صغاراً بعد أن لجأ إلى الواسطة وبرع في التمثيل وتمسيح الجوخ ليهرب كما هرب غيره من مهنة التعليم المقدّسة التي حلم بها وبراتبها سنوات وسنوات واستمات لينجح في مسابقتها ويُعيَّن أخيراً.

وقد تفاخر بمنصبه الإداريّ الجديد وراء مكتب صغير يحميه من جُرأة الوقوف مقابل وجوه التلاميذ وعيونهم الذكيّة، والذي يسمح له أن يرتاح من متاعب التدريس وهموم طلّابه في المدارس الرسميّة، و كاد أن يخنق نفسه بربطة عنق تكلّفَ وتصنّعَ في شدّها على رقبته، وراح يهرولُ ليلتحقَ بموكبِ مسؤولين أكبر منه رتبةً لعلّه يحظى بصورة معهم لينفش ريشه الصغير الذي نُتِفَ أغلبه مُستعرضاً أهمّيته الوهميّة لزملائه وزميلاته وخاصّة الجميلات منهنّ ولأقاربه وجيرانه وزوجته التي تتحكّم ببيته وبه.

التقيته من سنوات صدفةً في إحدى المناسبات العامّة في المدينة وهو يحاول عبثاً أن يَلقَى الاهتمام من أحد ولو تصنّعاً، وقد تظاهر بتواضعه المضحك وهو ينقل نقّاله العريض من يده اليمنى إلى اليسرى مضطرباً ليسلّم عليّ خجلاً من كوني معلّماً بسيطاً غير مسؤول وأنا أرتدي الجينز المريح و أحاول أن أغادر الازدحام غير مكترث به ولا بغروره.

داهمني بابتسامتة الصفراء التي أظهرت حرجه وارتباكه من هزيمته التي تلقّاها من دقائق عندما تجاهلَه الحاضرون ولم تُلتَقَط له صورة مع فخاماتهم المصطنعة أيضاً.

تابعت سيري شامخ الهامة بلا تواضع وأعترف مُعتزّاً بذلك، ويسراي تقبض على محفظتي السوداء المتواضعة التي أضع فيها كتاب اللغة العربيّة-(الأدب العربيّ الحديث) الذي أفاخر بتدريسه ودفتَري التحضير و العلامات وأقلام السبّورة والخطّ العربيّ الذي أعشقه وبضع مئات من الليرات السوريّة المتبقية من راتبي بعد يومين من زيارته الخاطفة لجيب محفظتي، لأصلَ إلى ثانويّة التجمّع الشرقيّ في مدينة طرطوس وأدخل قاعة البكالوريا التي أعتبرها مسرحي الذي أعشقه وأرتاح إليه وأباشر بإعطاء نصّ أدبيّ وأشرحه بأسلوبي سعيداً للتلاميذ المنصتين والمشاركين وأنا أشعر بنشوة الكرامة مُعتزّاً بكوني معلّماً مدرّساً والسبّورة شاهدّ على ذلك وقلمي يئنّ وأنا أخطّ به بالأسود على وجهها الأبيض ماعشقته وتخصّصت به ومازلت أكتشف عمق بحوره وجهلي الذي أعترف به، أعلّم التلاميذ وأتعلّم منهم، ولم أطمح بأكثر من ذلك العشق على الرغم من حصولي على فرص يعتقد الكثيرون بأنّني مقصّر في عدم اغتنامها.

وأنا الموظّف المستقيل من شركة المرفأ لأدخل مجال التربية والتعليم بمحض إرادتي …..وهل يوجد أعظم من كلمة معلّم؟!.

رحم الله كلّ من علّمني حرفاً أوخطّاً أو فكرةً أو نصيحةً.

بواسطة
منتجب علي سلامي
المصدر
الوكالة العربية للأخبار
الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق