معهد واشنطن: هل انهارت السلطة الفلسطينية بالفعل؟

غيث العمري – “ذي هيل”

ربما تكون السلطة الفلسطينية قد تجنبت قيام أزمة فورية مدمرة بعد قرار إسرائيل الأخير استئناف تحويل عائدات الضرائب، إلا أن فشل عملية السلام الفلسطينية -الإسرائيلية، وعدم رغبة السلطة الفلسطينية في ممارسة إدارة رشيدة وتمثيلية، قد خلق دينامية ستستمر في تفتيت شرعية هذه السلطة، ويمكن أن تؤدي إلى انهيارها في النهاية.

ويقيناً، تم استثمار الكثير في السلطة الفلسطينية، وهناك ديناميات مهمة تعمل على تفادي حدوث انفجار داخلي وشيك. ويرى النظام العالمي والإقليمي، الذي قدّم الكثير لدعم حل الدولتين، أن السلطة الفلسطينية هي العنوان لإدارة الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي وتسويته في النهاية. وبالنسبة لإسرائيل، تؤدي السلطة الفلسطينية وظيفة هامة في المجال الأمني بالإضافة إلى كونها محاورة في التوصل إلى سلام. وبالنسبة للفلسطينيين، يشكل القطاع العام أكبر جهة توظيف بفارق كبير.

وعلى الرغم من هذا الدعم، فإن السلطة الفلسطينية هي حالياً في وضع أكثر هشاشة منذ إنشائها في عام 1994. لماذا؟ لأنها فشلت في تحقيق تعهداتها للشعب الفلسطيني.

ولم تستطع السلطة الفلسطينية حتى الآن تحقيق هدفاها التأسيسيان وهما: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. فلا يزال حل الدولتين – الذي راهنت القيادة الفلسطينية مصداقيتها من أجل التوصل إليه – مرغوباً بين أغلبية الفلسطينيين، ولكن يُنظر إليه من قبل أغلبية أكبر وعلى نحو متزايد بأنه غير قابل للتحقيق.

كما لم تتمكن السلطة الفلسطينية من الإشارة إلى المكاسب التي حصلت عليها من إسرائيل خلال المفاوضات الأخيرة. ولا يتعلق ذلك بالقضايا السياسية المتعلقة باتفاق سلام فحسب، بل بالتحسينات الملموسة التي تجسد بشكل إيجابي الحياة اليومية للفلسطينيين أيضاً. وبدلاً من ذلك، يرى معظم الفلسطينيين أن المفاوضات تشكل غطاء لتوسيع الاحتلال وترسيخه، وخاصة بسبب النشاطات الاستيطانية.

إن عدم قدرة السلطة الفلسطينية على دفع “أجندة الاستقلال” إلى الأمام قد تفاقمت بسبب فشلها في توفير الحكم الرشيد. فالعمل تحت الاحتلال يفرض قيوداً طبيعية حول قدرة السلطة الفلسطينية على تيسير أمورها. إلا أن مشاكل الفساد وعدم الكفاءة وسوء الإدارة، فضلاً عن المجال السياسي الآخذ في التقلص بسرعة هي معضلات ناجمة عن أفعال الفلسطينيين أنفسهم. كما أن القيادة التقليدية للسلطة الفلسطينية قد عملت بشدة وعلى نحو استباقي، وبنجاح في النهاية، على مقاومة المحاولات التي قام بها رئيس الوزراء السابق سلام فياض لمعالجة هذه القضايا.

ومما يزيد من إحباط الفلسطينيين هو عدم الرغبة الواضحة للسلطة الفلسطينية في السيطرة على المعابر في غزة، وهذا شرط وضعته الجهات المانحة لبدء إعادة الإعمار وخطوة من شأنها أن تعيد السلطة الفلسطينية إلى غزة. ويعتبر الكثير من الفلسطينيين أن هذه الخطوة الخاطئة تعني عدم الاكتراث لمعاناة سكان القطاع الساحلي.

إن الفشل على الجبهتين: الدبلوماسية والحوكمة، لا يعني أن الجمهور الفلسطيني متحمساً للتخلص من السلطة الفلسطينية. فهذه الأخيرة لا تزال توفر الخدمات وتدفع الرواتب لشريحة واسعة من المجتمع الفلسطيني. ومع ذلك، فإن ما تخلقه هذه الإخفاقات هو سلطة فلسطينية أكثر ضعفاً وغير جاهزة للصمود أمام أزمة مالية مطوّلة أو تطورات سياسية هامة.

وهذه هي ليست المرة الاولى التي لم تستطع خلالها السلطة الفلسطينية من دفع الرواتب وتكاليف الإدارة الناجمة عن الأزمة المالية الأخيرة التي نتجت عن احتجاز اسرائيل لعائدات الضرائب. إلا أن السلطة الفلسطينية تفتقر هذه المرة إلى رصيد سياسي احتياطي أو مصادر بديلة للشرعية للحفاظ على دعمها الشعبي وأهميتها بين الفلسطينيين.

ولا تعطي التوقعات للمستقبل القريب الكثير من الدوافع الباعثة للراحة. وكما تبدو الأمور [حالياً]، يبدو أن العلاقات الفلسطينية -الإسرائيلية تندفع نحو المزيد من المواجهات على الساحة الدولية – ونحو المزيد من ردود الفعل الإسرائيلية على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، هناك شعور متزايد من الإعياء في صفوف المانحين، والذي تفاقم بسبب الأولويات الإقليمية المتنافسة والأكثر إلحاحاً.

ستكون هناك عواقب وخيمة لانهيار السلطة الفلسطينية. فسوف يُنظر إليها من قبل الجمهور الفلسطيني بأنها تضع نهاية لحل الدولتين الذي يواجه مرحلة صعبة، ومن المرجح أن يعني ذلك نهاية المعسكر العلماني الوطني الفلسطيني. فمن الصعب على القيادة التي تفتقر إلى المصداقية بين جمهورها [الاستمرار في إدارة الأراضي الفلسطينية]- بعد أن فشل مشروعها الوطني في إعادة تشكيل نفسه كحكومة في المنفى على غرار الدور الذي قامت به منظمة التحرير الفلسطينية في الماضي. وبالنسبة لإسرائيل، فسوف تؤدي الحوكمة والأمن والفراغ السياسي الناتجة عن ذلك إلى خلق العديد من التحديات الفورية والطويلة الأمد.

وحيث انحسرت حالياً الأزمة المالية المباشرة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية، يجب اتخاذ خطوات لمعالجة الأسباب الكامنة وراء هشاشتها. ينبغي استئناف مفاوضات السلام فقط عندما تكون الأطراف مستعدة وتوجد هناك فرصة معقولة لنجاحها خشية مواجهة فشل آخر يؤدي إلى تقويض [شرعية] السلطة الفلسطينية. وبدلاً من المبادرات الدبلوماسية الكبرى، ينبغي على [المجتمع] الدولي أن يحوّل تركيزه نحو إيجاد خطوات ملموسة لبدء الافراج عن الضغط الآخذ في النمو في صفوف الفلسطينيين.

يتعيّن على الفلسطينيين على الأرض أن يبدأوا بالشعور بالفوائد الملموسة من علاقات السلطة الفلسطينية المستمرة مع إسرائيل، ويجب أن يرون أن هناك خطوات ذات مصداقية تعمل على إصلاح السلطة الفلسطينية وتبدأ في إعادة إعمار غزة. وخلاف ذلك، فإننا قد نجد أنفسنا قريباً نواجه الاحتمال المجدد المتمثل بانهيار السلطة الفلسطينية التي أصبحت أكثر هشاشة.

غيث العمري هو زميل أقدم في معهد واشنطن.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock