من الرقة إلى إدلب.. دمشق لن تفوّت فرصة سحق أعدائها

هو الحلم العثماني الأزلي في الأرض السورية , الذي لطالما خفقت له قلوب ومطامع الشعب التركي ومن تعاقب على حكمه , الذين يجدون فيه تعويضاً عن حلمٍ بائدٍ تحطمت فيه أحلامهم على طاولة التشريح الدولية , بعدما ضخّت في عروق السلطنة سماً زعافاً ووعوداً كاذبة , فأطاحت وتقاسمت مُلكاً عصملياً مسروقاً وأراضٍ مغتصبة بالأساس , ولا يختلف السفاح أردوغان عمن سبقوه في شبقه الإستعماري , والذي لم يكن ليفوت فرصةً ليغزو سوريا , ويسرق ما يسرق , ويقضم ما يقضم من أراضيها , فقد وجد في الإرهاب وعداً وإمكانية , فلم يتوان عن تزعم الجبهة الأكبر للحرب الكونية على سوريا بحكم الحدود الطويلة بين البلدين.

فمن بوابة محاربة الإرهاب والحفاظ على الأمن القومي التركي , سعى لتشكيل منطقة عازلة , تمتد من مدينة جرابلس الحدودية , لتصل إلى ما بعد مدينة عفرين غرباً وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط , لكنه فوجئ برفضٍ أمريكي وصل حد الإطاحة بحكمه عبر الإنقلاب العسكري في 15\ 7 \ 2016, كشفت واشنطن من بعده دعمها وإعتمادها الصريح على بعض الفصائل الكردية في شرق وشمال شرق البلاد , وأبعدته عن المشاركة في تحرير الرقة , وعن مناطق قواعدها العسكرية وحيث تسيطر “وحدات الحماية الكردية” وما يسمى “قوات سوريا الديمقراطية”, وظل قابعاً و مترقباً في مدينة الباب , واتجه غرباً , بعدما أخرج الجيش العربي السوري مدينة حلب من اللعبة الدولية بعد تحريرها بالكامل , فكانت مدينة إدلب قبلته ومسرح عدوانه الجديد , بالإعتماد على قواته النظامية وما تبقى من “الجيش الحر” , وفصائل “درع الفرات” و”جبهة النصرة” بتسمياتها المختلفة (هيئة تحرير الشام ), واستطاع بما يملكه من موروث عصملي بعيد كل البعد عن المصداقية وبمواهبه في الخداع , ليُثبت من جديد وقاحةً وقدرةً عصملية كبيرة في الإنقلاب على التفاهمات والإتفاقات الثنائية وحتى الأممية , واستغل موقعه في الجهود الدولية خصوصاً ما يتعلق بإعتبار تركيا إحدى الدول الضامنة لإتفاق أستانا ومناطق خفض التوتر في مدينة إدلب وما حولها , وما يترتب عليه في تطبيق فرز “النصرة” عن باقي الفصائل , والبدء دون مواربة بقتالها و إخراجها من هناك , تنفيذاً للقرارات الدولية والتي أقرتها تنظيماً إرهابياً كتنظيم “داعش” .. لكنه, كشف نواياه الخبيئة واستغل العملية العسكرية لوضع يده على كامل المناطق المحاذية الحدود السورية , بتعاونٍ وتنسيقٍ كامل مع “جبهة النصرة”, بدا جلياً بطريقة اللقاءات العسكرية وبمسرحية – سلم واستلم – .

أقرأ أيضاً:

  فضائحٌ جديدة للسياسيين والمشاهير وأعرق الجامعات الأمريكية

وعلى الفور سارعت الحكومة السورية , بمطالبة القوات التركية – بالخروج و مغادرة الأراضي السورية , والذي اعتبرته إحتلالاً مباشراً , وأبعد ما يكون تطبيقاً لبنود التسوية وفقاً لتفاهمات أستانا – , وأنه ذاهبٌ لأبعد من ذلك , تحت ذريعة منع إقامة “كيان كردي إرهابي” على حدوده الجنوبية , في مسعىً جدي ليضمن من خلاله مقعداً تفاوضياً متقدماً في التسوية الكبرى , أو بالإحتفاظ بالأرض و إلى الأبد.

ولحين نضوج الحل السياسي بشكل حقيقي , أسس أردوغان نقاطاً عسكرية أشبه ما تكون بالقواعد الدائمة , وحاول التمويه على نواياه الإستعمارية , بإبرامه إتفاقاً مع ما تسمى ” الحكومة السورية المؤقتة”, والمجالس المدنية المحلية, وفصائل “الجيش الحر” , تم الإتفاق فيه على توزيع واردات المعابر الحدودية بالتساوي فيما بينهم , وبالإتفاق على تشكيل جيش من الفصائل الإرهابية يتكون في المرحلة الأولى من ثلاثة فيالق وتسلحيها , يكون قابلاً للتطوير خلال شهر , تحت مسمى “الجيش النظامي”!, وسط إهتمامٍ بالغٍ بتسريع عمليات التتريك وتكريس مظاهر السيطرة التركية , ليفرض منطقةً عازلة بحكم الواقع.

وعلى المقلب الأمريكي, انهمكت الإدارة الأمريكية بعد فشل الإستفتاء الإنفصالي في شمال العراق , إلى تسريع عملية تحرير مدينة الرقة بالإعتماد على قفزاتٍ مشبوهة ل”قوات سوريا الديمقراطية” , وسط عمليات القصف الأمريكي الجنوني , والتي أسفرت عن تسوية 95% من مدينة الرقة بالأرض , من خلال عملٍ همجي لم يعرف التاريخ مثيلاً له , وأزهقت عبره حياة عددٍ غير معروف حتى اللحظة من المدنيين , وسط إختفاء مثير للإستغراب لعناصر تنظيم “داعش” الإرهابي و خصوصاً لقادته من الجنسيات الأجنبية , وسارعت بالتوازي مع اللحظات الأخيرة وقبيل القضاء النهائي على التنظيم في سوريا و العراق , للإعلان عن تسليم المدينة لإداراتٍ محلية , ولإستعدادها لإعادة إعمار المدينة المدمرة , وسارعت للبدء بعمليات رفع الأنقاض , في محاولة لإخفاء جريمة العصر المتوحشة , ونوعية القذائف التي استخدمتها , وللإعتراف الوقح بمقتل بعض المدنيين عن طريق الخطأ !.

أقرأ أيضاً:

  المرجعية والإستهداف المتكرر !

وسط إعلان الرئيس ترامب عن الإنتقال إلى “مرحلة جديدة” ؟, وتأكيد وزير خارجيته بأن بقاء القوات الأمريكية في سورية سيكون طويل الأمد , فيما أكدت فرنسا على عدم إنسحابها من الأراضي السورية بداعي مخاطر عودة ظهور التنظيم ذاته أو غيره من التنظيمات الإرهابية , بما يطرح إشارة الإستفهام عمّا يُحضر وراء الكواليس.

إن استهداف واشنطن لمناطق الشمال والشمال الشرقي في سوريا يعود إلى غناها بالنفط وبالثروات المعدنية والمائية والحيوانية والزراعية , ناهيك عن الموقع الجغرافي الذي يتيح لها إمكانية الإحتفاظ بملفات التقسيم من جهة , و بإمكانية الضغط على الدولتين العراقية والإيرانية عبر دعمها المباشر للقوات الكردية الإنفصالية على الأرض بداعي التحالف معها, وبما يؤثر ويضغط على الحكومة العراقية لقبول التقارب السعودي , لإستمالة العراق نحو الصف “العربي” حالياً والناتو “العربي” لاحقاً لإستهداف إيران , ولمنع تواصل خط المقاومة من طهران إلى دمشق عبر العراق , ولإعتراض طريق خط النفط من طهران إلى العراق وسوريا والبحر الأبيض المتوسط .

لا شك أن هذا العدوان يسلك تصاعدياً وفق خط العدوان المباشر- الخطير على السيادة السورية .. لكن, نحذر من الإنجرار وراء الأفعال المعادية دون متابعة مقاومة و ردود الأفعال للدولة السورية وحلفائها , فقد مرت خلال السنوات السبع الماضية بلحظات أكثر واشد خطورة , وتمكنت الدولة السورية بفضل حكمة وشجاعة الرئيس بشار الأسد من إدارة المعركة بكفاءة عالية حظيت بإعجاب وتقدير زعماء العالم أصدقاء أو أعداء على حدٍ سواء , مكنتها من إلحاق الهزيمة بالمشروع الأمريكي الأساسي , وحافظت على بقائها وتوازنها , وانطلقت بحسمها لتنال مبتغاها في تحرير غالبية ما استحوذ عليه الإرهابيون سابقاً, واستطاعت كسر شوكة جيش الإرهاب الدولي , وتكاد تطوي صفحة تنظيم “داعش” الإرهابي في سورية وإلى الأبد , وها هي تستعيد مدينة دير الزور والميادين , وتنطلق نحو تحرير البوكمال , كما استطاعت إخراج السعودية وقطر ومن لف لفهم من الحرب بصورة شبه كاملة , وكبدتهم عشرات الهزائم , كذلك ألحقت بدور العدو الإسرائيلي وأذرعه الصدع و الصداع , فرضت قواعد ومعادلات جديدة للإشتباك و الردع , ما جعل قادة العدو الإسرائيلي لا يكفون عن الصراخ , وتحولت مضاجعهم إلى مسارح لكوابيس قادمة, ففي ميزان الحروب وبحسب الإستراتيجيين والخبراء العسكريين, لا يختلف إثنان على نصر سوريا , و بإعتراف وزير الحرب الصهيوني وغيره .

أقرأ أيضاً:

  إيران والتطورات العلمية والصناعية بعد الثورة الإسلامية

ولا زالت سوريا تمتلك من الأسرار والقدرات العسكرية ما يمنحها قدرة الإحتفاظ بالمبادرة في حسم الكثير من معارك الجبهات , فوطنٌ يقوده الرئيس بشار الأسد , وبعزيمة وهمة وشجاعة الجيش العربي السوري , وكافة القوات الرديفة , وبالتحالف الممهور بالدم والوفاء مع المقاومة اللبنانية , وقائدها التاريخي سماحة السيد حسن نصر الله , وبالتحالف المقاوم الذي تخطى حدود سايكس- بيكو ليستقدم مئات ألوف المقاومين للدفاع عن سوريا , وبالتحالف الإستثنائي الذي تخطى كافة العلاقات الإستراتيجية التقليدية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية , وبالمشاركة الفعلية للحليف الروسي والزعيم الإستثنائي الذي تربع على عرش قيادة العالم , وبالعلاقات التاريخية المميزة مع الدولة الصينية العظيمة , ومع دول وسكان العالم الحر وصولا ً إلى أمريكا اللاتينية , بالتأكيد سينتصر .. فقد أثبت محور المقاومة حضوراً قوياً واثقا ً متماسكاً , ومنظومةً واحدة لن تعرف التراجع , ولا ترى عن الإنتصار بديلا .

لا يخشى أحدكم على سوريا التي لم تبح بعد بكل أسرارها , ولا زال خزانها الشعبي مليءٌ بمن يلبون النداء , فلن يخذل السوريون – كوناً – راهن على صلابة مركزه , وعلى طًهر صخوره الدمشقية , التي اصطفاها الله تعالى لتكون عمود النور الذي يربط السماء بالأرض .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock