من فمه يدينه اللبنانيون!

بعيدًا عن الإحتفالية المئوية (مئة يوم) وضمّ “إنجازات” حسّان دياب، بصفته رئيسًا للحكومة وليس بصفته وزيرًا للتربية، إلى كتاب قيل عنه في وقته إنه “كتاب إنجازات” ليتبيّن أنه ليس سوى مجموعة صور إلتقطت “لمعاليه” أثناء تسلمّه مهام وزارة دأبها تعليم الأجيال الطالعة القليل من التواضع قبل أي شيء آخر، فإن ما “تضمنتّه كلمته المئوية” من تعداد لما سُميت “إنجازات” إنتهت بمشهدية إعتراف المقصرّ، وكأنه واحد من بين ملايين اللبنانيين، الذين يعانون نتيجة إهمال الدولة لهم في أقل المستلزمات، فاصلًا بينه كمسؤول وبين السلطة، أي سلطة، “التي تنظر إلى اللبناني على أنه محكوم بها باعتبار أنه لا غنى عنها”، وفق نظرية جديدة تقوم على “الشيزوفرنيا”، بحيث يكون المسؤول مسؤولًا عندما يُفرش له السجاد الأحمر ويدخل إلى السراي الحكومي على صوت المزامير وقرع الطبول، ولا يكون مسؤولًا عندما يتطلب الأمر إتخاذ قرارات مصيرية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن يلتهم الحريق المنزل الكبير، الذي إسمه الوطن.

وعلى شاكلة الإعتراف بالذنب، قال إن “علاقة الثقة بين المواطن والدولة لا تستقيم إذا كانت الدولة تأخذ ولا تعطي”. ( لم يسمع تصفيقًا من وزرائه الآتين بمجملهم من بين عامة الناس). واضاف: “الدولة تأخذ الرسوم والضرائب، لكن، ماذا قدمت للناس؟ كهرباء مظلمة!
مياها ملوثة!
شوارع غير نظيفة!
استشفاء غير مجاني!
فساد في الإدارة!
فساد في السياسة!
هدر في المالية العامة!
مشاريع فاشلة!
سمسرات فاجرة!
طرقات غير سوية!
غلاء فاحش!
تلاعب مجرم بسعر الليرة!
ويسأل بعد كل ذلك: “أليست هذه هي الوقائع؟ وهل يكفي تعداد المشكلات للدلالة على سوء العلاقة بين الدولة والمواطنين؟ نحن نريد تغيير هذه العلاقة. نبذل جهودا كبيرة لهذا الهدف. لكن العوائق كثيرة، والجدران مرتفعة جدا وحصينة، والذهنيات متحجرة. مع ذلك، سنواصل العمل، ونحتاج إلى دعم الناس كي نتمكن من تغيير الصورة النمطية للدولة”.
وإستنتج في نهاية “كلمته المئوية”: “نحن نؤمن بأن الدولة، أي دولة، لا يمكن أن تستقر إلا إذا شعر مواطنوها بالأمان. بكل أسف، لم تقدم الدولة لأبنائها الأمان”. وأنتهى من حيث بدأ كلمته، وفي هذه الخاتمة ما يناقض ما جاء قبلها، ليقول “لكني أؤكد لكم، وبكل ثقة، أن الأمل كبير بتحقيق هذا التحول الذي يجعل الناس شركاء في بناء الدولة التي تحترم قيمة الإنسان فيها، وتمنح أبناءها الاستقرار الذي يطمئنهم إلى حاضرهم ومستقبل أبنائهم.”
هكذا وبكل بساطة رسم حسّان دياب خارطة طريق لنفسه، واعدًا اللبنانيين بمزيد من المئويات، في حال بقي العدّاد شغّالًا، وبمزيد من التناقضات، أسلوبًا ومضمونًا، من دون أن يكون لديه بالطبع أجوبة عن أسئلته وتساؤلاته حين تحدّث عن الكهرباء المظلمة، وعن المياه الملوثة، وعن الشوارع غير النظيفة، وعن الإستشفاء غير المجاني، وعن الفساد في الإدارة والسياسة، وعن الهدر في المالبة العامة، وعن المشاريع الفاشلة، وعن السمسرات الفاجرة، وعن الطرقات غير السوية، وعن الغلاء الفاحش، وعن التلاعب المجرم بسعر الليرة، من دون أن يترك للمواطن العادي الذي يعاني من كل هذا مجالًا لكي يعبرّ عن وجعه، فرأى من يُفترض به أن يكون مسؤولًا بالفعل وليس فقط بالقول والرسميات يسبقه لهذا المواطن بأشواط في مجال تعداد بعض من معاناته اليومية، وبعض مما يشكو منه ليل نهار، وبعض من مطالب نزل إلى الشوارع لينادي بها، وقد رُشق بالمياه والقنابل المسيلة للدموع.
وتعجبون بعد كل ذلك لماذا كل هذا التعتير الحالُّ بالوطن!

المصدر

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق