مهزلة “الحداد الوطني”

MGL1422017405

المشكلة ليست في الموقف من وفاة الملك السّعودي عبد الله، ولا في ما تحويه زواريب السّياسة من خلاف وإختلافٍ مع ما يمثّل الرّجل من نهج وفكر، المشكلة لا تكمن في كون السّعودية بلداً لا يراعي حقوق الإنسان ولا الحرّيات، بل المشكلة تكمن فينا كمجتمع لبناني، والمسؤولون السّياسييون ليسوا إلّا صورةً عن هذا المجتمع.

يكفي أن تُعلن الحكومة اللبنانية بإجماع أطيافها الحداد لثلاثة أيامٍ على الملك السّعودي، كي نعي أنّنا غير موجودون. لا وزن يُقام لنا من قبل ممثلينا السّياسيين، لا وزن للعسكريين الشّهداء، لا إحترام للمبدعين، ولا تخليد لذكرى أيٍ من الذين ساهموا في إيصال لبنان إلى المحافل الإقليمية والعالمية. تُشعرنا الحكومة وبقرارٍ واحدٍ أن لا قيمة لنا كشعب، أو لنكن أدقّ، لا تشعرنا بذلك، بل تذكّرنا أننا فعلاً أتباعٌ عمي، لو مهما كانت إنجازاتنا، لن نحصل على شرف الحداد، بل على وسام أرزٍ يُرمى على نعوشنا عند الموت، تماماً كما فعل الرّؤوساء والحكومات مع من رحل من الرّموز اللبنانية.

فرنسوا الحاج، جنرالٌ في الجيش اللبناني، إغتالته العصابات الإرهابية بعد تحقيقه إنتصاراً في نهر البارد على تنظيم “فتح الإسلام”، لم تكلّف الحكومة اللبنانية نفسها عناء إعلان الحداد، “الحاج” كان قائداً وقدّم نفسه كي يبقى الوطن، وطنٌ قائمٌ على تماسك المؤسّسة العسكرية بشكل أساسي، إستشهد فرنسوا الحاج ومن بعده العشرات لا بل المئات من الضبّاط العساكر في معارك مع الإرهاب، في جولات حرب جبل محسن – التبّانة، في معركة تحرير عبرا من الأسير، في معارك وكمائن الإرهابيين في عرسال وجرودها، في طرابلس وبيروت، بتساقط العسكر في حرب إستنزافٍ يشنّها الإرهاب عليهم، ولا حداد، تخاف الحكومة على مشاعر الإرهابيين ومن خلفهم، وتحرص على ترك جرح الأهالي مفتوحاً، كما تحرص على إبقائنا على قيد الذّل.

بيار بشعلاني، داني حرب، حسين حمزة، يحيى الدّيراني، احمد الحاج حسن، داني خيرالله وغيرهم، هؤلاء شهداء الجيش الذين سقطوا في حربه على الإرهاب، أتحدّى أي مسؤولٍ لبناني، أو ناظمٍ لقصائد الرّثاء أن يذكر أيّ منهم، أن يعرف من هم أصلاً، وماذا قدّموا للبنان. كيف له أن يذكرهم ويعرفهم، فهم ليسوا ملوك خزائن المال ولا جرار الذّهب وبحور الرّيال، ليسوا أصواتاً إنتخابية، هم من الشّعب، وما حاجة المسؤول للشعب، إن مات هو يحدّ عليه زملاؤه، يصبح شهيد الوطن، لكن أي وطن؟ وطن السّياسيين ومصالحهم، يُغتال هو ويموت معه مدنييون ذنبهم انّهم كانوا في مكان إغتياله، يموتون ولا نعرف عنهم شيئاً، ليسوا سياسيين ولا أصحاب مصالح.

ماذا عن منصور الرّحباني، سعيد عقل، جوزيف حرب، صباح ووديع الصّافي؟ ماذا عن ذاكرة لبنان الثّقافية والفنية؟، أيضاً لم تعلن الدّولة اللبنانية الحداد عليهم، لا يعنيها –الحكومة- الأمر، لم تمترث لعلاجهم في حيواتهم، كيف لها أن تكترث لموتهم؟ لا قيمة لهم ولا لإنجازاتهم، ليسوا أمراء، ولا يملكون براميلاً من النّفط، بل يملكون كنوزاً فكرية، ادبية وفنّيةً نشروها في العالم وفي لبنان. لا تنفع هذه الكنوز حكومتنا، ليست سندات خزينة ولا ودائع ولا هبات إعلامية شكلية.

مجدّداً، لا قيمة للبناني في وطنه مهما علا شأنه، مهما قدّم لوطنه، وأظنّ أن واقعنا المعاش أصبح عادياً، تُعلن الحكومة الحداد، نضحك نحن على ذلك، على رخصنا وتبعيتنا، نطلق النّكات ونمضي كأن شيئاً لم يكن، لم تقدّم الحكومة سبباً مقنعاً موجباً للحداد، لا شيء، لم تُجب على سؤالٍ يتكرّر دائماً، لماذا نحدّ على شخصٍ لا نعرفه، وننسى من نعرف؟ لماذا أصلاً علينا قراءة قصائد نفاقٍ ورياء، نعرف  نحن كما كاتبها أن الهدف منها لا يتخطى المنفعة المادية، حداد الحكومة “الوطني” ثلاثة أيامٍ ليس سوى مهزلة، مهزلة.

أحمد م. ياسين | موقع الجقيقة

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock