مواجهة بين كاتب مصري وكاتب إسرائيلي: الحلقة الأولى

فوجئت بأن إسرائيليين يقرأون مقالاتي ويتابعونني إذ تسلمت رسالة من حساب بإسم الكاتب الأمريكي الإسرائيلي / يوسي كلاين ، وهو من أنصار السلام و معارض للحكومة الإسرائيلية ويتبنى حل الدولتين ، وهو يكتب في كبريات الصحف الأمريكية مثل نيويورك تايمز ، وول ستريت ، لوس أنجلوس تايم . وهو حاصل على ماجستير في الصحافة والإعلام ومهتم بدراسة الأديان .

وكانت الرسالة تقول : “….. بداية أتشرف بمتابعتك وقراءة أعمالك ومقالاتك وأرغب بالحديث معك بخصوص كتاب يتطرق للصراع الإسرائيلي / الفلسطيني إسمه “رسائل إلى جاري الفلسطيني” ويهمني جدا معرفة رأيك وإنطباعك وملاحظاتك خاصة وإنك ناقد ومفكر مصري يسبح عكس التيار ، فهل بإمكاني الحديث معك بهذا الخصوص” .

مواجهة بين الكاتب المصري جمال عبد العظيم والكاتب الإسرائيلي يوسي كلاين

وإختتمت الرسالة بتلميح مهذب للغاية إلى أن كتاباتي معادية لـ إسرائيل ، وأشار تحديدا إلى مقالي المنشور في “العربي برس” والذي إتهمت فيه الموساد بقتل الأميرة ديانا .

بدأت أقرأ أول رسالة من رسائل السيد/ يوسي كلاين إلى جاره الفلسطيني ، وسرعان ما فقدت حماسي للكتابة وإعتذرت للسيد المترجم الوسيط بيني وبين الكاتب ، وسألني لماذا ؟ فأجبته بأن هذه الرسائل ليست موجهة إلى جاره الفلسطينين ، بل إلى المواطن الأمريكي الذي يعيش في الدنيا مثل عبيط القرية ، ويظن أن العالم ينتهي عند حدود الولاية التي يسكنها . ولا يعرف شيئا عن مأساة فلسطين ، ولا يعرف أصلا مكانها على الخريطة . ومثل هذا القارئ يسهل أن يتبنى وجهة النظر الإسرائيلية المنفردة به ، في ظل عدم وجود لوبي عربي في أمريكا ليقدم وجهة النظر الفلسطينية . أما نحن في العالم العربي فنعرف أن الحكومة الإسرائيلية هي المتعنته ، وهي التي أفسدت مسيرة السلام بجولاتها المتعددة من إتفاقات في أمريكا ثم أوسلو ثم مدريد ، ونعرف أن إسرائيل تبني مستوطنات على الأرض التي لازالوا يتفاوضون بشأنها فتصبح المفاوضات عديمة الجدوى . ورأينا عدوان جيش نظامي هو الجيش الإسرائيلي على بيوت وشوارع ومساجد وأطفال في قطاع غزة ، وتلك ليست أخلاقيات الحرب والإقتتال . وفي ظل هذه الكوارث يأتي السيد يوسي كلاين ليوجه رسائله للطرف الفلسطيني المسحوق ، المحبط والأضعف ويقنعه بالسلام ؟ كان أولى به أن يوجه رسائله للحكومة الإسرائيلية .

إنتهى ردي وإعتذاري إلا أن السيد المترجم كان على درجة عالية من اللباقة ، ويتحدث بأدب جم يجعلك تخجل ألا تستمع إليه ونصحني بتكملة الكتاب ، لأن الكاتب في رسائله إنتقد الحكومة الإسرائيلية في غير موضع ، وهو مؤمن تماما بحل الدولتين والتعايش السلمي بين الشعبين .

عدت لتكملة الرسالة الأولى من رسائل السيد / يوسي كلاين إلى جاره الفلسطيني ، والتي يستطلع عنها رأي الكتاب والمثقفين العرب . وبداية فالكاتب يتمتع بأسلوب أدبي راقٍ ونزعة دينية عميقة للغاية وصوفية ، ولعلها المرة الأولى التي أعرف فيها أن هناك صوفية يهودية . ويبدو السيد كلاين كرجل دين ، بل أنه بالفعل يحمل درجة البكالوريوس في الدراسات اليهودية ، عدا بحثه في مقارنة الأديان ، غير أنه كان في شبابه عضوا في جماعة دينية متشددة ، وألف كتابه الأول عن هذا وكان بعنوان “مذكرات يهودي متشدد”. ومن هذا المنطلق أو بالأحرى من فوق هذا المنبر يتحدث السيد كلاين فنقل الصراع بين العرب واليهود من الأرض إلى السماء ، ومن ميادين القتال وقاعات التفاوض إلى المسجد والكنيس اليهودي . ومن ناحيتي فتكويني يختلف عن تكوين السيد كلاين ، فأنا رجل سياسة في المقام الأول ، وعلمتني دراسة القانون التقيد بالوقائع التي على الأرض ، وليس بأبعادها الميتافيزيقية . ولم أكن في شبابي إسلاميا متشددا بل كنت شيوعيا ملحدا . وهذا الإختلاف في التكوين والمشارب سيؤدي حتما إلى إختلاف الرؤى بيني وبين السيد كلاين .

أقرأ أيضاً:

تعليقات اعلاميين وناشطين صهاينة على فيديو المقاومة

فهو يرى في الديانة اليهودية والدين الإسلامي مدخلا لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين ، على أساس إشتراكهما في التوحيد وتقديس الذات الإلهية العلية . وبالطبع أختلف معه في هكذا مدخلا للسلام بين الطرفين ، فالفلسطينيين كمسلمين يؤمنون بالتوراة وبموسى فيما لا يؤمن اليهود بالقرآن ولا بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم . كما أن الرسالة السماوية التي يحملها اليهود قديمة للغاية وكانوا فيها مفضلين على العالمين . بينما الرسالة التي يحملها الفلسطينيون هي الأحدث وأصبح اليهود فيها هم المغضوب عليهم والمسلمون هم خير أمة أخرجت للناس . وبناء عليه فإن ماهو سياسي تعالجه السياسة وليس الدين .

  • الرسالة الأولى: “الجدار الذي يفصل بيننا”

يطرح الكاتب في رسالته الأولي لجاره الفلسطيني البحث عن قواسم دينية مشتركة بين المسلمين واليهود . ويرى أنهما معا موحدين للذات الإلهية إذ تقول التوراة : “إسمع يا إسرائيل ، الرب إلهنا رب واحد” ويقول القرآن : < وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ > ، كما أنهما يشتركان في تقديس الذات الإلهية . ويتحدث السيد / يوسي بإحترام بالغ عن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) و عن الدين الإسلامي وطريقة وحركات الصلاة ، حيث تعلم الإسلام على يد “الشيخ عبد الرحيم” وهو يتزعم جماعة صوفيه بمخيم الصخيرات بالأراضي المحتلة ، ويقيم في مسجد قبالته مقبرة بغرض تذكير العباد بالموت لردعهم عن المعاصي .

ثم ينتقل للحديث عن إحترامه للوجدان الإسلامي ويصفه بأنه لا يخاف الموت ، بينما يتملص الإنسان الغربي من أي مواجهة مع الموت . وقد بدا لي هذا على أنه ذم في معرض المدح أو أنه السم المدسوس في العسل . حيث تردد كثيرا في الغرب مصطلح “ثقافة الموت” عند المسلمين ، خاصة بعد إعلان الحرب على الإسلام . وإتهامه بأنه دين يوجه أتباعه إلى القتل والإستهانة بالموت . وهو إتهام ظالم لأن الإنسان بحكم فطرته لايُقبل على الموت بل يهرب منه ، وما يجعل إنسان يقدم على الموت هو يإسه وإحباطه وفقدانه أي أمل في الحياة ، أي أن الغرب يحاكم الضحية ويترك من دفعه إلى الموت .

ويواصل الكاتب الموهوب التحليق بقارئه الأمريكي إلى عنان السماء ، في رحلة إيمانية يقدم فيها دولته على أنها دولة الرب التي تحنو على الفلسطينيين وتمد لهم يد السلام ، بل وتشعر بالذنب لأنها تأخرت في ذلك . وطبعا واضح تماما أن الكاتب ينتهج أسلوبا دعائيا إستعطافيا سينفذ إلى عقل وقلب القارئ الأمريكي البائس ، لكنه غير مقنع البتة لي كعربي أسمع من حين لأخر أزيز الطائرات وهدير القنابل الحارقة ، تسقط على إخوتي في قطاع غزة أو في جنوب لبنان .

أقرأ أيضاً:

رسالة من محمود عباس الى الرئيس الأسد

ويذكر السيد / كلاين أن إسرائيل مدت يدها بالسلام ، من خلال إسحق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي أطلق عملية السلام ، من باحة البيت الأبيض في سبتمبر 1993 وصافح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات . ويطيب لي أن أذكر السيد كلاين بلقطة شاهدها العالم بأكمله وأرى فيها تعبيرا صادقا عن نوايا قادة إسرائيل . حيث وقف الزعماء الثلاثة في حديقة البيت أمام الصحفيين ، وتليفزيونات العالم تنقل الحدث وكان كلينتون في المنتصف وعلى شماله رابين وعلى يمينه عرفات ، وبعد الديباجة التي قالها كلينتون دعا طرفي السلام لمصافحة بعضهما فتعمد رابين أن يتأخر لتمتد يد عرفات أولا ، فتركها معلقة في الهواء للحظة وبدا كالمتردد أو كمن يفعل شئ كريه ويصافح عرفات رغما عنه . وكان هذا مثار تعليق الصحف ربما أكثر من عملية السلام نفسها . وبالنسبة لي فقد إعتبرتها لقطة معبرة للغاية عن حقيقة الحدث ونوايا قادة إسرائيل . وأن ما نراه ليس سعيا للسلام من جانب إسرائيل ، بل أننا أمام إحدى حلقات الصراع تجري على هيئة عملية سلام ، تجعل من عرفات عمدة على الضفة الغربية وقطاع غزة لتوفر إسرائيل على نفسها الكلفة الأمنية الفادحة . وتظهر إسرائيل للعالم كدولة تسعى للسلام ، و تحصل على إعتراف الطرف الفلسطيني بالدولة الإسرائيلية وحقها في الوجود ، وسيترتب على هذا الإعتراف فيما بعد إنتهاء مقاطعة العالم لإسرائيل ، على أساس أن الطرف الفلسطيني الذي يتضامنون معه ، هو نفسه قد تصالح مع إسرائيل . وهكذا تكسب إسرائيل مقدما مسكبا هائلا وهو كسر المقاطعة الدولية المضروبة حولها تضامنا مع القضية الفلسطينية .

وكان توقعي أن إسرائيل سوف تتنصل وتعرقل مسيرة السلام بعد أن تحصل على كل مكاسبها ، السياسية والدبلوماسية والأمنية والدعائية والتجارية . وهو ما حدث بالفعل . أما من منظور السيد / يوسي كلاين فهو يعتبر أن إسرائيل مدت يد السلام بهذا المؤتمر في سبتمبر 1993 . ثم يضيف بلغة العتاب “وفي نفس الشهر من سنة 2000 إندلعت الإنتفاضة الفلسطينية الثانية ، حيث قتل وأصيب آلاف الإسرائيليين وبالمثل آلاف الفلسطينيين” . ويستمر الأسلوب الإستعطافي فيحكي الكاتب الكبير مشهدا حزينا حيث إنتحاري فلسطيني فجر نفسه في مقهى مما أدى إلى مقتل أب وإبنته عشية زفافها إلى عريسها ُ فزفت إلى الموت ، وجاء الناس للتعزية بدلا من التهنئة . ولم يذكر السيد كلاين أسباب هذه الإنتفاضة بل قدمها على إنها الرد الفلسطيني على يد إسرائيل الممدودة بالسلام . فلننعش ذاكرته بذكر بعض الوقائع .

  • أسباب الإنتفاضةالفلسطينية الثانية :

كانت سنة 1999 شديدة الإحباط بالنسبة للفلسطينيين لعدم وفاء الجانب الإسرائيلي بإلتزاماته بحسب إتفاق أوسلو ، وإنتهت الفترة المقررة لتطبيق الحل النهائي . وماطلت إسرائيل وتجمدت المفاوضات ، وأرادت إسرائيل مدعومة من أمريكا فرض حل على الفلسطينيين بعيدا عن قرارات الشرعية الدولية (242,338,194) بالإضافة إلى عدم تنفيذ إسرائيل للعديد من إلتزاماتها في كل الإتفاقيات ، وتكرر إجتياحها لأراضي السلطة الفلسطينية وإعتقال فلسطينيين أو إغتيالهم ، إلى جانب إستمرار إسرائيل في بناء المستوطنات وقضم الأراضي . مع رفض العودة لحدود 4 يونيو 1967 . كل هذا جعل الفلسطينيين موقنين تماما بعدم جدوى عملية السلام . وفي هذه الأجواء الملتهبة والمحتقنة قام رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون بإقتحام المسجد الأقصى برفقة حراسه .

أقرأ أيضاً:

الضم أُقرّ من حيث المبدأ.. وخباثة أمريكية – اسرائيلية للتطبيق

وراح يتجول في ساحاته معلنا أن الحرم القدسي سيبقى منطقة إسرائيلية ، فحاولت جموع المصلين التصدي له . وإندلعت الإشتباكات بين المصلين وجنود شارون في ساحات المسجد الأقصى ، وسقط 7 قتلى و250 جريح فلسطيني وأصيب 13 جندي إسرائيلي وبدأت الإنتفاضة الثانية . وإستمرت حتى 2005 حيث عقدت هدنة بين الطرفين في مؤتمر شرم الشيخ .

وهكذا إنتهت تقريبا عملية السلام مع إستمرار المحادثات واللقاءات وإطالة أمدها كنوع من تلطيف الأجواء وإستهلاك الوقت . وهكذا وكما توقعت من البداية فإن إسرائيل قد خدعت وتلاعبت بالفلسطينيين تحت غطاء يسمى عملية سلام . وكانت مكاسب إسرائيل من تلك العملية أكبر من مكاسب الحرب ، وأبرز مكاسبها كان إفقاد القضية الفلسطينية الزخم الدولي الداعم لها ووصول السفارات الإسرائيلية إلى قطاعات كبيرة من العالم لم يكن لها وجود فيها ، بما يستتبعه ذلك من تبادل تجاري وتعاون سياسي وأمني …

  • الأقوى سيفرض شروطه :

في تسعينيات القرن الماضي جمعتني صداقة مع الفنان سمير الإسكندراني – شفاه الله وعافاه – وهو ليس مجرد فنان معروف ، فهو رجل مخابرات ومهتم بالسياسة ، و من أنصار السلام وتربطه علاقات قوية بمسئولين وشخصيات نافذة . وفي أخر لقاء لي به سنة 1998 سألته عن إحتمالات الحرب في المنطقة في ظل تعنت إسرائيل وتعثر عملية السلام . فقال بحسم أن حرب أكتوبر كانت هي أخر الحروب كما قال الرئيس السادات ، وأن المنطقة لن تشهد حربا أبدا مهما توقفت عملية السلام . ولما علقت بأن الأقليم هكذا سيبقى في توتر وإحتقان دائم . فأجاب بأن هذا لن يستمر طويلا وأن القانون الذي سيحكم المنطقة بل والعالم هو : أن الأقوى يفرض شروطه ، والأضعف سيقبل بها في نهاية المطاف . وهو بالضبط ما سارت المنطقة فيه من يومها ، تحت إسم عملية السلام إلى أن جاء الرئيس الأمريكي المنفلت دونالد ترامب ، وأطلق رصاصة الرحمة على هكذا عملية .

أي أن ماحدث بين الفلسطينيين والإسرائيليين من وجهة نظري لم يكن عملية سلام ، بل كان خدعة كبيرة كسرت بها إسرائيل سياج العزلة الدولية ، ثم عادت لسلوكها المعتاد .

وفي الختام فالعرب ليسوا همج أو متوحشين كما تصفهم الدعاية الإسرائيلية للمواطن الغربي . وقد عاش اليهود في كثير من البلاد العربية قبل نشأة إسرائيل فهل وجدتم “ثقافة الموت” التي يلمح إليها السيد / يوسي كلاين ؟ هل قاتلكم العرب وقتلوكم على الهوية أم عشتم كمواطنين ؟

وهل كان هناك إنتحاريون عرب ومسلمون قبل أن تظهر دولة إسرائيل ؟ . وأخيرا أرجو ألا تكون كلماتي قد سببت خيبة أمل للكاتب القدير والمثقف المحترم السيد / يوسي كلاين الذي سعدت بالتعرف إليه والتحاور معه .

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق