نحو تقزيم السعودية: «محور المقاومة» وصل إلى اليمن…

خلطت الأوراق من جديد، وبوتيرة أسرع مما كان متوقعاً، تبدل المشهد العام للمنطقة بالأمس. مسار الأحداث، كان يشير إلى حرب استنزاف طويلة الأمد ستشهدها الساحات الإقليمية المشتعلة، من سوريا الى العراق فاليمن، كل التطورات كانت توحي بلعبة عض أصابع من يصرخ فيها أولاً سيكون المجبر على التنازل خلال أي تسوية إقليمية قادمة.

إلا أن اللاعب الإيراني اختار تغيير قواعد اللعبة، ويحق له ذلك، فمعطياته تبدلت، وصراع “الأنداد” مع السعودية لم يعد عادلاً بعد أن أصبحت إيران دولة نووية باعتراف العالم كله ورضوخه، في حين أن السعودية لم تثبت جدارتها بالمنافسة، على مختلف الساحات، من سوريا إلى العراق وأخيراً اليمن، حتى أنها عجزت عن إثبات قدراتها القيادية في تحالف إقليمي بدأت تتبدد معالم “إتحاده” ما بين المزاج المصري، والبرلمان الباكستاني و”الرّدة” التركية. وعليه فقد اختارت إيران تحويل اللعبة من “عض الأصابع” إلى لعبة “فقء الأعين” حيث صراخ الخاسر فيها أكثر دوياً، ونتائج الخسارة أكثر وضوحاً، لا تعويض فيها.

خطاب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، السيد علي الخامنئي بالأمس، شكل الإعلان الواضح والصريح عن تبدل قوانين اللعبة. فمن تابع السياسة الإيرانية على مدى عقود خلت، سيتساءل عن روحية “حائك السجاد الفارسي” بهدوئه وصبره في خطاب الأمس، لا شيء يشير الى برودة العقل الإيراني المعهودة في عبارة “سيمرغ أنف السعودية في التراب”. هي سابقة لم يشهدها الخطاب الإيراني فيما مضى، سوى بتوجهه للعدو الصهيوني، لكنه اليوم موجه للسعودية، بعنف وحزم. فما الذي تبدل حتى اختارت الجمهورية الإسلامية قطع طريق العودة مع المملكة، الذي طالما سعت للحفاظ عليه في المرحلة الماضية؟ هل هو خروج عن المسار الإيراني الهادئ، تحت وقع التطورات المتسارعة في المنطقة؟ أم أن ما يحدث هو جزء من سلوك “حائك السجاد”، حين ينهي حياكته، يندفع بثقة لعرض ما أنتجه، بعد طول صبر وهدوء؟

يبدو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية قد نجحت في استخدامها سياسة “إعرف حجمك”، للمرة الثانية، مع أتباعها المتمردين على إرادتها في المنطقة. فعلتها مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين، حين دفعته لاحتلال الكويت، ثم ما لبثت أن تركته وحيداً “ليعرف حجمه” الحقيقي بعد أن بالغ في تمرده على إرادة صنّاعه. وها هي السياسة نفسها تنجح اليوم في لجم تمرد آل سعود على صانعيهم، بعد أن بلغ الأمر بهم حد تهديد المصالح الامريكية في المنطقة، التي تقوم حالياً على مهادنة إيران والرضوخ لإرادتها بامتلاك التكنولوجيا النووية، إدراكاً من واشنطن أن لا قائمة ستقوم للمنطقة دون رضى طهران القادر على تعطيل المصالح الامريكية إذا ما تعارضت مع طموحاتها العلمية والتكنولوجية والسياسية.

منذ انطلاق مغامرة “عاصفة الحزم”، دخلت السعودية مرحلة تعارف مع حجمها الحقيقي، وعلى الرغم من التضخيم الإعلامي له في الأيام الأولى، إلا أنه دخل حيّز “التقزيم” بعد مرور أسبوعين دون تحقيق نتائج تذكر. تقف السعودية اليوم، بقيادة “طفل البلاط” محمد بن سلمان، الذي لم يسعفه عقل والده في إكسابه الخبرة السياسية، أمام خيارات محدودة أحلاها علقم على المملكة وحكامها.

الخيار الأول يتمثل بالإعتراف بفشل العدوان على اليمن في تحقيق أهدافه، حيث عجزت الغارات الجوية عن وقف الزحف الشعبي بقيادة “أنصار الله” نحو المحافظات الجنوبية الخاضعة للتنظيمات الإرهابية وميليشيات الرئيس اليمني الفاقد للشرعية عبد ربه منصور هادي. وتم تحرير مدينة عدن (عقدة السعودية)، فيما سيطر أنصار الله بالأمس على مدينة عتق عاصمة محافظة شبوة، التي تشكل آخر معاقل ميليشيات “هادي”، ليشكل تحريرها إخراجاً رسمياً لهادي، من مشهد الصراع اليمني، وتصبح المواجهة مباشرة بين أنصار الله والتنظيمات الإرهابية (القاعدة وداعش) المتمركزة في محافظتي حضرموت ومأرب. ومن شأن إعتراف السعودية بفشل الضربات الجوية، أن يمثل هزيمة نكراء لها ستدمر صورة “المملكة” كلاعب قوي وأساسي في المنطقة، على حساب صعود نجم “أنصار الله” كقوة إقليمية لها قرارها المستقل ووزنها الفاعل خارج الإرادة السعودية.

أما الخيار الثاني، فيتمثل في الذهاب نحو حرب برية على اليمن، لم تجد السعودية نصيراً فيها حتى اليوم، في ظل تردد مصري، ومماطلة تتجه نحو رفض برلماني باكستاني بدأ يتضح على لسان قيادات وبرلمانيين أجمعوا على رفضهم دخول الحرب والزج بجيشهم الوطني في سبيل نزوات آل سعود وطموحاتهم السلطوية. أما وإن وجدت المملكة من يعيرها جيشاً، أو اختارت الدخول بجيشها (متعدد الجنسيات) في تلك الحرب، فإنّ مغامرة أخرى ستكون بانتظارها، حين ستجد نفسها بمواجهة “يمن” آخر قد بات جزءاً من محور إقليمي له من يسانده ويدافع عنه، مستعد لإرسال السفن الحربية إلى مضيق باب المندب وخليج عدن، كما فعلت إيران بالأمس في رسالة تحدٍّ واضحة. ومستعد أيضاً للمشاركة الميدانية المباشرة، وفق ما كشفته مصادر خاصة لـ”سلاب نيوز”، أكدت أنّ “محور المقاومة بدوله وفصائله، بات على تماس مباشر مع الميدان اليمني، وعلى إطلاع كامل بالمعطيات والمستجدات في تلك الساحة، حيث يجري إستعدادات لوجستية للمشاركة في صد أي عدوان بري والمساهمة (حسب الحاجة) بدحر أي مغامرة برية قد تقوم بها السعودية.”

يبقى خيار ثالث يبدو أنه الأكثر ترجيحاً، بحسب التطورات السياسية والديبلوماسية الأخيرة، وهو السعي من أجل تسوية ظاهرها الملف اليمني وباطنها إيراني – سعودي، بدأ يتضح من خلال المساعي الديبلوماسية التي تقودها أطراف ما زالت محايدة في الصراع الدائر بطلب سعودي، كسلطنة عمان وباكستان، اللتان شهدتا نشاطاً ديبلوماسياً ذهاباً وإياباً ما بين زيارات إلى السعودية، وإستقبالات لوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بالأمس.

لكن حتى الخيار الثالث يبدو أنه سيحمل مرّاً من الخيارين الأولين ولن ينطلق قبل أن تتذوق السعودية إحداهما، إذ أن تصريح السيد الخامنئي بالأمس الذي شدّد على أنّ “السعودية سيمرغ أنفها في التراب”، وما سبقه من تصريحات أدلى بها أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، الذي أكد على حتمية إنتصار اليمن وهزيمة السعودية، كلها تشير إلى أن قراراً لا عودة عنه، قد إتخذ لإجبار السعودية على دفع ثمن غطرستها وكبح إستكبار آل سعود الذي جلب ما يكفي من الويلات على المنطقة وشعوبها. ويبقى للإدارة الامريكية كلامها أيضاً مع حليفتها “المتمردة”، قد يكون أكثر قسوة على المملكة مما يحضره محور المقاومة، فأوباما قد لمح لسيناريوهات قاتلة، قد تواجه السعودية، خاصة في تصريحه الأخير الذي غمز فيه من قناة الصراعات الداخلية في السعودية والإنتفاضات الشبابية التي قد تكون أخطر على حكم آل سعود من إيران. ودائماً ما يعمد الأمريكي للتحذيرات المبنية على أسس من الواقع.

حسين طليس | سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock