نهاية محاسب المقاطعجي…

كتب فراس الشوفي مقالاً في صحيفة الأخبار، بتحت عنوان “نهاية محاسب المقاطعجي” ، بعنوان فرعي هو “جنبلاط يُقصي أبو حمزة: آخر أيام محاسب”، جاء فيه:

وقع «الشر» بين النائب وليد جنبلاط ومدير أعماله ومحاسبه الشيخ بهيج أبو حمزة. يتردّد كلام كثير عن ملفات مالية «خبّص» فيها الأخير، فيما القضية حول مجموعة أراضٍ اشتراها جنبلاط بمحض إرادته. أبو حمزة الغائب عن السمع ينتظر أن تعود الأمور إلى سابق عهدها، فيما يبدو المقاطعجي وليد بك مصرّاً على أن «المحاسب» صار من الماضي، من دون بديل

لم تعد «الجرّة المكسورة» بين النائب وليد جنبلاط ومدير أعماله بهيج أبو حمزة سرّاً على أحد. طبعاً، لا يمكن الركون إلى الروايات التي يردّدها الاشتراكيون «المغرضون» عن الأسباب الكامنة خلف هذه القطيعة، ولو أن شيئاً كبيراً قد حدث قبل شهر تقريباً، فصل «البصلة عن قشرتها». في المحصّلة، الشيخ بهيج خارج الجنّة الجنبلاطية.

قصّة آل جنبلاط وآل حمزة ليست جديدة. اعتاد المشايخ إدارة أموال «البكوات» منذ قرن على الأقل. وفي التاريخ الحديث، كان الشيخ نجيب أبو حمزة يدير أموال زعامة المختارة أيام «الست» نظيرة جنبلاط، قبل أن يترك العمل نتيجة خلاف سياسي، إذ اقترب الأخير من خيارات الرئيس كميل شمعون. وفي مرحلة لاحقة، أدار الشيخ عارف أبو حمزة أموال آل جنبلاط في عصر الراحل كمال جنبلاط، قبل أن يستقر الأمر أخيراً على الشيخ بهيج في عصر وليد جنبلاط.

ماذا يمكن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي أن يقول أكثر؟ في المرّة الأولى أصدر بياناً أعلن فيه أنه يجري «سلسلة ترتيبات تتصل بإعادة تنظيم وتوزيع المسؤوليات والمهام المتعلقة بإدارة الأملاك الخاصة والمؤسسات التابعة له، بعد أن تولى بعض هذه المهمات الشيخ بهيج أبو حمزة، الذي رافق هذه المسيرة على مدى ثلاثين عاماً متواصلة». وفي المرّة الثانية، أصدر بياناً جديداً بعد وفاة والدته مي أرسلان، عالي اللهجة نسبيّاً، أكد فيه أنه «سيستأنف متابعة ملف إعادة ترتيب وتنظيم المسؤوليات والمهام في ما يتعلق بإدارة أملاكه الخاصة والشركات التابعة له، بعد أن كان باشر بسلسلة من الخطوات في هذا الإطار، تلافياً لوقوع المزيد من الأخطاء الإدارية في مجمل القطاعات، ومنها شركة «كوجيكو»، بما قد يضر بمصلحة الشركة». من قصد بـ«المزيد من الأخطاء الإدارية؟»، وهل وصل الأمر إلى الحدّ الذي يضرّ بمصلحة «كوجيكو»؟ المسألة في مكان آخر.

أقرأ أيضاً:

  لا استشارات ولا ’’الخطيب‘‘ وجنبلاط والإشتراكي لن يُسمّي

من هو الشيخ بهيج؟ المهندس الخمسيني الآتي من دراسة «الكيمياء» يملك ألقاباً كثيرة، على رأسها مدير أعمال وليد جنبلاط، وممثّله في مجلس إدارة معمل سبلين للترابة وشركة كفريا لصناعة النبيذ، ورئيس مجلس إدارة شركة «كوجيكو» المعنية باستيراد النفط وبيعه، ورئيس نادي الصفاء، المحسوب على جنبلاط أيضاً. كان أبو حمزة وكيلاً في الشرق الأوسط لشركة «UP JOHN» الأميركية المعنية بالصناعات الكيميائية، ويعيش في باريس، قبل أن ينتقل إلى لبنان مطلع عام 1987 بطلب من جنبلاط، لإدارة شركة «كوجيكو»، الحديثة العهد في ذاك الوقت، والتي حظيت بدعم من النفط السوري، وكذلك العراقي في مرحلة لاحقة، ثمّ لإدارة «كفريا» في عام 1989. ومنذ عام 1991، بهيج أبو حمزة هو رئيس تجمع الشركات المستوردة للنفط في لبنان. إضافة إلى عمل «الشركات»، يدير أبو حمزة أملاك جنبلاط وعقاراته وأمواله ويشرف على استثمارها والاستفادة منها، وكذلك يعمل على تحقيق الاستقرار المالي المطلوب لآل جنبلاط، وانتظام مداخيلهم ومصادر تمويلهم الجديدة.

على الأقل، هكذا كان بهيج أبو حمزة، رفيق درب وليد جنبلاط في المال، وقرشه الأبيض في أيامه السوداء، أو حتى الرمادية، وما أكثرها. بين ليلة وضحاها، «انتبه» البك (أو نبّهه أحدهم) إلى أن ثمّة ما حيك في الخفاء، وأن «أخطاءً جسيمة في حساباته المالية» قد سبّبتها إدارة أبو حمزة. هذا في حسن النيّة.

أن تسأل مقرّبين لصيقين بجنبلاط عن الحال بين البك وأبو حمزة، يعني أن تسمع كلاماً منمّقاً وحصراً للمسألة في إطار «إعادة ترتيب مال وأملاك الحزب والرئيس، كل شيء عادي وطبيعي». هذا خطاب رسمي بامتياز.

أما ما يقال في أروقة الحزبيين، فيصل إلى حدّ اتهام أبو حمزة بالسرقة والاحتيال وقبض عمولات عن صفقات مالية وعقارات في أكثر من مكان. ولا يملك الاشتراكيون «مادة حقيقيّة» عن أسباب الخلاف بين جنبلاط وأبو حمزة، لكنك ستسمع معزوفة واحدة عن أن «الشيخ بهيج قبض عمولة من شرائه مبنيين في كليمنصو، وعن قطعة أرض ضخمة في منطقة الدلهمية، وكذلك قبض «خلو» عن قطعة الأرض المشيّد عليها ملعب نادي الصفاء في منطقة وطى المصيطبة».

أقرأ أيضاً:

  إلى كلّ الثّوار تحيّة وبعد

في المقابل، يقول العارفون، إن «كل كلام يقال لا علاقة له بالحقيقة. وإن التهم التي تساق بحقّ أبو حمزة حول مبنيين في كليمنصو أو قطعة أرض في الدلهمية عارٍ من الصحّة. وبالنسبة إلى أرض ملعب الصفاء، التي اشتراها آل غيث أخيراً، فإن «الخلوّ» المطلوب لم يدفع حتى اللحظة، وإن النادي بدأ بتشييد ملعب جديد في منطقة عرمون».

ما الذي حصل إذاً؟ تؤكّد مصادر مطلعة على العلاقة بين الرجلين إن «أبو حمزة اشترى مجموعة أراض يتراوح مجموع مساحتها بين 570 ألف متر و600 ألف متر مربّع من الأرض، في التلال الواقعة فوق منطقة ملتقى النهرين، أي على مدخل الشوف الغربي، بـ40 دولاراً للمتر الواحد». وتشير المصادر أيضاً إلى أن «مجموعة الأراضي قد تمّ شراؤها من تاجر العقارات المعروف أبو علي بدير وصاحب أوتيل «كوستابرافا» الشهير، صديق جنبلاط وأبو حمزة على حدٍّ سواء».

أيام قليلة، ويكتشف النائب وليد جنبلاط، ودائماً بحسب رواية المصادر، «أن مجموعة الأراضي اشتراها بدير على مراحل، والجزء الأكبر منها قبل شهرين من تاريخ شراء أبو حمزة لها، وأن السعر الذي دفعه بدير سابقاً للحصول عليها أقل بكثير من الـ40 دولاراً للمتر الواحد. كذلك فإن هناك تفاوتاً في بعض الأجزاء بين خرائط المسح والمساحات الفعلية». وتقول المصادر إن جنبلاط اشترى الأراضي على عجل بعدما «أبلِغ معلومات عن أن حزب الله سيشتري الأراضي ليقيم عليها مجمعات سكنية، وبالتالي أوعز إلى أبو حمزة لشرائها، ومن ثمّ اكتشف أن لا علاقة لحزب الله بالموضوع، وأن بدير وأبو حمزة اتفقا على الأمر حتى يشتري جنبلاط الأرض».

وتؤكد المصادر أن «جنبلاط اتخذ قراراً متسرعاً برفع دعوى قضائية بحقّ الرجلين قبل وفاة والدته، بتهمة الاحتيال وتهم أخرى، ثمّ عاد وعدل عنها لمصلحة تشكيل لجنة تحقيق داخلية في الحزب لمراجعة حسابات الشركات والعقارات».

الاتصال بأبو حمزة متعذّر، إذ ابتعد الرجل عن الإعلام تماماً. وتؤكد مصادر مطلعة على القضية أن «ابتعاد أبو حمزة عن التصريح سببه انتظاره أن يكون الأمر غيمة صيف عابرة، وتعود الأمور إلى سابق عهدها، خصوصاً أنه يتواصل مع اللجنة المكلّفة بالتدقيق ويردّ على استيضاحاتها، وينفي أمامها أن يكون أي ممّا يقال صحيحاً، لأن السعر الذي دُفع ثمناً للأراضي منطقي للغاية». لكنّ المصادر تنسف عمليّاً آمال أبو حمزة المفترضة، بالقول «إن الأمور لن تعود إلى سابق عهدها، لأن الجرّة قد انكسرت على ما يبدو عند البك».

أقرأ أيضاً:

  عندما يصل جنبلاط إلى عين التينة

مسألة أخرى يجري الحديث عنها في الهمس داخل أروقة الحزب الاشتراكي ورجال الأعمال اللبنانيين المطّلعين على علاقة أبو حمزة بجنبلاط، وعلاقة جنبلاط بقريب الشيخ بهيج، وجدي أبو حمزة، تاجر النفط والعقارات ووكيل أعمال أشقاء شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز السابق بهجت غيث، إذ تقول المصادر إن «وجدي يشعر منذ زمن طويل بأنه الشخصية التي من حقّها إدارة أملاك آل جنبلاط، كما كان جدّه عارف أيام كمال بك، وهو لا يوفّر جهداً منذ سنوات لتشويه سمعة بهيج أبو حمزة و«التنقير» عليه». وتشير المصادر إلى أن «وجدي من أشد المعارضين لحزب الله، وتربطه علاقة صداقة وثيقة بالشيخ علي زين الدين (رئيس مؤسسة العرفان التوحيدية)، وعَمِل بعد أحداث 7 أيار على دعم حركة زين الدين وبعض المشايخ لناحية توزيع مساعدات مالية». وتشير المصادر إلى أن «وجدي لا يمكن أن يكون بديلاً من الشيخ بهيج لعدّة أسباب، كما أن جنبلاط الذي وجد بديلاً بسرعة لتنفيذ الأدوار التي كان يقوم بها الوزير غازي العريضي، لم يجد بديلاً حتى الساعة من بهيج أبو حمزة».

مع كلّ ما تقدّم، لا يزال كثيرون يعتقدون أن في الأمر لغزاً، إذ ليس من عادة جنبلاط أن يصدر بيانات رسمية عن أوضاع بيته الداخلية، خصوصاً أن المسألة تتعلّق بأمور مالية وببهيج أبو حمزة تحديداً، «محاسبه الدائم». يتردد بالهمس هنا وهناك، على أكثر من لسان، أن «جنبلاط يعيد ترتيب بيته بما يتناسب مع المرحلة المقبلة ربما، وهي إعداد أرضية لابنه تيمور من مجموعة من المساعدين المضموني الولاء، وأبو حمزة ليس من ضمنهم»، بينما تقول المصادر السابقة إن «الأمر لا علاقة له بالسياسة أو بتيمور. المسألة مجرّد خلاف بين صاحب مال ومحاسبه».

لم تنته الحكاية بعد. هذه ليست المرة الأولى التي يتّهم فيها جنبلاط أبو حمزة بملفات مالية، إذ فعل الأمر عينه في التسعينيات وتبيّن أنه مخطئ بعد التدقيق. قد يكون جنبلاط مخطئاً أيضاً هذه المرة، وقد لا يكون.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق