هذا هو حكم العسكر

يسألني القراء كثيرا عما اسميه “حكم العسكر” ويتعللون بأن الغرب الديمقراطي يحكمه جنرالات في كثير من الاحيان . مثل شارل ديجول وأيزنهاور وكثيرين غيرهم . وتعد هذه واحدة من اكاذيب الاعلام المصري التي يتعاطاها مشاهديه. والفرق كبير للغاية بين رئيس من خلفية عسكرية وما يحدث في بلادنا نحن العالم الثالث .

ففي العالم الديمقراطي يندمج العسكريين المتقاعدين من هواة السياسة في حزب ما . وهم ممنوعون من الترشح للمناصب السياسية الا بعد مرور فترة تصل الى خمس سنوات على تقاعدهم . وهم يأتون بيوت الحكم من ابوابها فيترشحون ويعرضون برامجهم على الشعب . وهو اما يمنحهم ثقته فيحولهم الى رؤساء واما لا يفعل فيطرحهم أرضا . ونحن هنا امام منظومة ديمقراطية وضعها الشعب ويراقب تنفيذها ،يمكن اعتبارها خط انتاج يدخله المواطن من ناحية فيخرج منه رئيسا من الناحية الاخرى . وهناك من يفتش في تاريخه و من يناظره و من يراقب تمويل حملته الانتخابية . وبعد ان يصبح رئيسا فهو لا يمتلك سلطة مطلقة فالبرلمان يشاركه ويراقب قراراته ويحاسبه وقد يعاقبه . وهو طبعا برلمان أتى باختيار الشعب في انتخابات نزيهة وموكل من الشعب لمراقبة الحكومة والرئيس .

الى جانب تولي سلطة التشريع أو سن القوانين واعتماد الميزانية الى أخر اعماله المعروفة في الدساتير الحديثة . وجميع السلطات في النظام الديمقراطي تراقب بعضها بعضا لصالح الشعب في النهاية . فلا يملك الرئيس أن يأمر جهاز أمني أيا كان بأن يصفي مواطن أو يؤذيه أو يختطفه أو يخفيه قسريا او يلفق له قضية .

واذا أمر رئيس بهذا فلن ينفذ أمره إحد وسيطلبون منه ان يفعل ذلك بنفسه ليدخل السجن وحده . و بعد كل هذه الضمانات من سلطات بعضها فوق بعض تراقب بعضها البعض يأتي الاعلام الحر . فهو ملك الشعب ويعمل لصالح الشعب ومفتوح لتلقي شكاوي المواطن ان تعرض لغبن من اي سلطة. ولا يملك الرئيس تكميم الافواه أو تلقين الاعلام ما يقوله للشعب أو اخفاء المعلومات عنه .

والرئيس في النظام الديمقراطي ليس من سلطته التنازل عن جزء من أرض الدولة أو عن حصتها من المياه أو تعديل حدودها . او تغيير ثقافتها وانتمائها الحضاري أو تغيير دينها ومحاربته أو تفكيك جيشها او تغيير عقيدته القتالية . كما أنه لا يستطيع تعديل الدستور ليبقى في الحكم حتى الموت ولا يمكنه الغاء الاحزاب وقتل الحياة السياسية . وبهذا فالرئيس في النظام الديمقراطي مجرد ترس في ألة ويستحيل عليه ايقاف هذه الالة والانفراد بالدولة . وتستطيع كل طبقة ان تبني حزبها الذي يتبنى مصالحها وان تدفع بممثليها الى البرلمان للمشاركة في سن القوانين . والاحزاب تعتبر مدارس للسياسة تدفع بسياسيين محترفين الى المعترك السياسي ولهذا لا تتعرض الدوله الديمقراطية لفراغ سياسي ابدا. والقضاء في الدولة الديمقراطية نزاهته مضمونة وحريته مصانة و لا تستطيع السلطة التنفيذية المساس به أو توجيهه أو تسييسه . كما أن الدولة الديمقراطية لا تقوم بتسييس الدين أو الرياضة أو الفن .

أقرأ أيضاً:

  وزير الخارجية المصري: تم استقدام "مقاتلين أجانب" إلى ليبيا

هذا هو الرئيس في النظام الديمقراطي سواء كان من خلفية عسكرية او غيرها ، مجرد موظف يخضع لإجراءات تعيين وعزل ورقابة ومحاكمة أما في بلادنا فنحن لسنا أمام مجرد رئيس من خلفية عسكرية بل امام ضابط يأتي بدون ارادة الشعب إذ يرث الدولة من الضابط الذي سبقه . فهم يتوارثون الحكم ويختزلون ارادة الشعب بأكمله في أرادة رجل واحد هو الضابط الذي يورث الدولة للضابط الجديد . بينما الشعب وهو صاحب السيادة الحقيقي مستبعد من عملية إختيار الحاكم وكأنه مجنون يخضع لقوامة الجيش . كما أننا أمام عدة ألاف من العسكريين يتوزعون على المناصب المدنية وهم لا يعرفون شيئا عنها حتى أن دار الأوبرا كان يديرها لواء أركان حرب . اي أننا أمام جيش بأكمله يسيطر على دولة وينتقل من العسكرية الى الحكم وكأنه احتلال . وفي النهاية فقد وقعت مصر في حوزة طبقة عسكرية من اللواءات المتقاعدين يسيطرون على كل شئ في مصر وهذا هو حكم العسكر .

وطبيعي أن يكون للمؤسسة العسكرية وضع مميز في الأنظمة الديكتاتورية حيث أحدهم يحكم رغم أنف الشعب . وينصب نفسه إلها ثم يجعل من الجيش حملة عرشه ويبدأ في منحهم الامتيازات لقهر الشعب إن ثار. وخلال العقود الثلاثة الماضية وصل تغلغل القوات المسلحة في القطاعين المدني والإقتصادي الى حد غير مسبوق . على حد وصف دراسة قام بها معهد كارينجي للشرق الأوسط بعد ثورة يناير 2011. فقد إحتفظ العسكريين المتقاعدين على الدوام بحقائب الدفاع والإنتاج الحربي والطيران المدني والحكم المحلي وأحيانا أضيف إليها النقل والإتصالات والبيئة والتضامن الإجتماعي . بالإضافة الى وكلاء الوزراء والمدراء العامون وفي النهاية نكون أمام مجتمع عسكري يقدر بالألاف يسيطرون على الحياة المدنية . وهذا من أجل المال والنفوذ ولا يهم بعد ذلك مستوى الآداء المهني لهؤلاء المتطفلين على الوظائف المدنية . ومن بين الوظائف المقتطعة للعسكر وظيفة خطيرة هي رئاسة هيئة الرقابة الإدارية . فقد أصبحت وسيلة لإختراق الجيش لإدارات الدولة إذ يتلقى جميع الوزراء وبشكل روتيني قوائم من هذه الهيئة تحوي أسماء ومؤهلات الضباط الذين شارفوا على التقاعد لتوزيعهم على الوظائف المهمة والمربحة . وبهذا فقد أصبحت الوزارات والإدارات المدنية مرتعا خصبا للعسكريين المتقاعدين يشغلون فيها المناصب العليا . ونفس الدور تلعبه الهيئة المركزية للتنظيم والإدارة المسئولة عن تطوير وإصلاح جهاز الخدمة المدنية وفقا للمادة 8 من القانون رقم 118 لسنة 1964 .

أقرأ أيضاً:

  تطبيق معرض الكتاب 2020 متوفر للتحميل الآن لاندرويد وايفون

أما الحكم المحلي فهو الأكثر إبتلاءً بالعسكريين المتقاعدين حيث يتوغلون من ديوان المحافظة إلى أحياء المدن والقرى . وهم أصحاب السلطة الفعلية بينما لا يفعل المجلس الشعبي المحلي المنتخب سوى تقديم توصيات أو نصائح استشارية ويعتبر هيئة ديكورية . وخلال عقد التسعينات كانت نسبة العسكريين من بين المحافظين من 50:80% فيما تأتي النسبة الباقية من الشرطة والقضاء والجامعة . ولا يتوقف الأمر على منصب المحافظ فقد سيطروا أيضا على مادون ذلك مثل نائب المحافظ ، مدير مكتب المحافظ ، الامين العام والامين العام المساعد للمجلس المحلي في المحافظة . ويتكرر هذا بشكل واسع النطاق في إدارات المراكز والمدن وأحياء المدن والقرى . ويكفي للتعبير عن عسكرة الدولة هذا الخبر المنشور في 22 فبراير/ شباط 2012 : “وقع وزير الإنتاج الحربي اللواء / علي ابراهيم صبري إتفاقا لتطوير سوق الجملة في محافظة الجيزة مع الرئيس للتنفيذي لسوق الجملة اللواء / محمد سامي عبد الرحيم وذلك بحضور نائب محافظ الجيزة اللواء / أسامة شمعة والأمين العام للمجلس اللواء / محمد الشيخ ومساعده اللواء / أحمد هاني “. ولا يتوقف الأمر على ذلك فهناك في كل محافظة وكل مركز من المراكز والمدن التابعة لها مدراء للتخطيط والعقارات المالية والمشاريع والشئون الفنية والهندسية . وهناك أيضا فروع لشركات المرافق العامة والكيانات الحكومية الأخرى مثل المحاجر والخدمات الجيولوجية وشعبة البيئة .

كما يتواجد الضباط المتقاعدين في مجالس إدارات كليات ومراكز بحوث متخصصة . أيضا يعملون مدراء و موظفين في المعاهد القومية للقياس والمعايير والتغذية وجمعيات حماية المستهلك ومراقبة المياه والمستشفيات الحكومية والملاعب الرياضية . بالإضافة لهيئات مثل الإذاعة والتليفزيون والمجلس القومي للشباب وهيئة التنمية الصناعية والهيئة العامة للأبنية التعليمية والجمعية التي تتولى إدارة المدارس الأجنبية . ويتولى العسكريين أيضا رئاسة وشغل عدد كبير من وظائف الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وهو المصدر الرئيسي للبيانات بالنسبة لجميع هيئات الحكومة والجامعات ومراكز البحوث والمنظمات الدولية . كما وهناك عدد هائل من العسكريين المتقاعدين وأيضا ممن لا يزالون في الخدمة يحتلون مجالس إدارات مجموعة كبيرة من المرافق العامة المملوكة للدولة ومشاريع البنية الأساسية وما يرتبط بها من أشغال وخدمات . كما أن الضباط هم رؤساء أو أعضاء في مجالس إدارات الشركات القابضة للطيران المدني والمطارات والنقل البحري وهيئة المواني البحرية . والكهرباء والمياه والصرف الصحي والعديد من شركاتها الفرعية .

كما يهيمن العسكريون على قطاع النفط والغاز الطبيعي التابعين للقطاع العام . هم أيضا يحتكرون وظائف الجهاز القومي لتنظيم الإتصالات والشركة المصرية للإتصالات “ايجيبت تيليكوم” وهي شركة مساهمة تحتكر خطوط الهاتف الأرضي وتمتلك حصص كبيرة في سوق الهاتف المحمول . ويتمتع العسكريين أيضا بتمثيل كبير في قطاعات الإسكان والعقارات والأراضي ، والأشغال العامة والإستصلاح والتنمية الزراعية والسياحة وذلك بحكم هيمنتهم على الجهاز المركزي للتعمير التابع لوزارة الإسكان ويتولى بناء المساكن والطرق والجسور كما يضطلعون بدور قيادي في هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة . وهم يديرون الهيئة العامة لمشروعات التعمير والتنمية الزراعية ، بالإضافة لهيئة التنمية السياحية وهيئة الأوقاف .

وعادة ما ينتقل المتقاعدين من سلاح الطيران الى قطاع الطيران المدني والمطارات فيما ينتقل ضباط البحرية الى العمل بقطاع النقل البحري والموانئ البحرية وقناة السويس . أما ضباط الإشارة فينتقلون الى قطاع الإتصالات وتكنولوجيا المعلومات . ويتجه باقي أفراد الجيش الى قطاع البناء والنقل البري والأشغال العامة . ويتولى رؤساء الأركان المتقاعدون أكثر المناصب الإدارية ربحية حيث يترأسون أكبر الشركات القابضة المملوكة للدولة . ويتراوح الراتب فيها مابين 100الف : 500 ألف جنيها شهريا . أما بالنسبة لمساكن الضباط فقد تحولت سنة 1991 الى المدن العسكرية وقد شيد منها 24 مدينة ولا تزال ثلاثة منها قيد التخطيط والإنشاء وكلها مملوكة للجيش .

أقرأ أيضاً:

  اجتماع وزراء خارجية دول الجوار لليبيا غدا في الجزائر

والقائمة طويلة جدا وتكاد لاتنتهي وهم يستولون على وظائف أخرى لأقربائهم من خلال وجودهم في الوظائف القيادية . باختصار فقد سيطر الأوليجاركية العسكري تماما ونهائيا على البلاد. وأصبحت مصر مجتمعا عسكريا خالصا حيث يمتلكها عدة آلاف من الضباط عوضا عن شعبها الذي وجد نفسه متسولا في بلده ينتظر عطف وإحسان الجيش . ووجدت الطغمة العسكرية الحاكمة نفسها في موقف السيد للشعب والوصي عليه والمحسن إليه أيضا .

وهو الإحسان الذي يتجلى في شنطة مواد غذائية للفقراء في عيد الفطر وعيد الأضحى . وهو أيضا المستفاد من كلمة “تبرع” أو لافتة “هدية لشعب مصر” التي يضعها الجيش على الكباري والطرق التي يشيدها . متجاهلا أن هذا المال انما هو مال عام لكنه بقى خارج الميزانية العامة ليتحول من مال الشعب الى مال الجيش . وتأصلت نزعة أبوية لدى الطغمة العسكرية تستعلى على المدنيين وتعتبر نفسها هي الأعلم بمصلحة مصر . وبهذا الخطاب الإستعلائي برروا استيلائهم على الوظائف المدنية فقالوا أن العسكريين يستطيعون القيام بكل شئ على نحو أفضل من نظرائهم المدنيين . وهو ما يذكر بعنصرية المحتل البريطاني حين كان ينظر للمصري باعتباره ” فلاح حافي القدمين “. بل أن المحتل المصري أشد قسوة وضراوة وليس من السهل إزاحته . وهو يتوحش ويتنمر على الشعب إلى حد أن جعل نفسه وصيا عليه بنص دستوري . والكارثة أن العالم والمنظمات والقوانين الدولية لا تعتبره إستعمارا ولن تساعدنا في طلب الحكم الذاتي أو رفع الوصاية عن الشعب الاسير . “يسقط يسقط حكم العسكر“.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق