هكـذا انتصـر الـدم علـى السيـف فـي اليمـن..

بداية، دعونا لا ننساق وراء ظاهر الخطاب الذي يروجه الإعلام الخليجي بمناسبة إعلان التحالف الأمريكي – السعودي لقرار وقف “عاصفة الإجرام” ضد الشعب اليمني المظلوم، بعد تحقيقه لأهدافه، كما ورد على لسان الناطق الرسمي باسم التحالف، وذلك لفسح المجال لخطة إعادة الأمل للشعب اليمني، ما يعني المرور إلى مرحلة تطبيق الحل السياسي، من دون أن يفصح عن معالمه، وآليات تنفيذه..

إلى هنا تبدو الصورة ضبابية يلفها الكثير من الغموض، خاصة إذا علمنا أنه لا يمكن الحديث عن تسوية سياسية تحت عنوان “إعـادة الأمـل” في غياب التزام رسمي من قبل الطرف الأساسي المعني بها، ونقصد بذلك أنصار الله واللجان الثورية وبقية مكونات الشعب اليمني في ظل فشل العدوان في تحقيق أي من أهدافه الإستراتيجية والفرعية التي أعلنها في بداية الحملة الظالمة على الشعب اليمني، كما هو معلوم للجميع..

لكن ما نستطيع تأكيده في سياق هذه القراءة الأولية، بناء على المعلومات والمعطيات المتوفرة حتى الساعة، هو أن قرار العدوان على اليمن كما قرارإيقافه، لم يكن سعوديا بالمطلق، بل أمريكيا بامتياز، وذلك للأسباب التالية:

* أولا، أن قرار العدوان على اليمن اتخذ في واشنطن وأعلنه السفير السعودي منها، ولم يبلغ العاهل السعودي به إلا ساعات قليلة قبل انطلاقه.

* ثانيا، أن قرار وقف العدوان اتخذ أيضا من قبل واشنطن، وكانت إيران وروسيا أول من تبلغ به من قبل أمريكا، حيث أعلن السيد أمير عبد اللهيان من أندونيسيا صبيحة الثلاثاء، أن العدوان على اليمن سيتوقف خلال الساعات القادمة، هذا في الوقت الذي كان عاهل السعودية سلمان بن عبد العزيز آخر من يعلم، لأنه في الوقت الذي وقع فيه على قرارا ملكي يقضي بإشراك الحرس الوطني في “عاصفة الإجرام”، فجأة، وصله الأمر من واشنطن، فخرج المتحدث العسكري باسم التحالف ليعلن عن وقف العدوان.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو لماذا قررت واشنطن فجأة وقف العدوان من دون أن تحقق أي من أهدافها التي كانت قد أعلنتها على لسان المتحدث باسم التحالف في بداية الحملة؟..

الواضح حتى الآن، هو أن المخطط الذي سعت إلى تنفيذه الإدارة الأمريكية من مدخل اليمن، كان يهدف، ليس للضغط على إيران في ملفها النووي كما روج لذلك بعض المحللين، بل لإشعال حرب سنية شيعية في المنطقة تجبر إيران على التورط فيها لإستنزافها وتفجيرها من الداخل، بموازاة العمل على ضرب حلفائها في المنطقة لإقامة مشروع الشرق الأوسط الجديد من مدخل الحرب الدينية السنية الشيعية كما خطط لها كيسنجر ونظر لها برجينسكي..

وقد كان ذلك واضحا من خلال إعلان السعودية الحرب على إيران الشيعية بالوكالة، وتهديدها بالقول، أنها قادرة على اللعب على مكونات الشعب الإيراني في الداخل، وأن الحملة لن تقتصر على اليمن فحسب بل ستطال سورية أيضا، وما قد يستتبعها في حال سقوط دمشق لا قدر الله..

أقرأ أيضاً:

  وعد الآخرة

لكن فشل السعودية في جر أرجل باكستان وتركيا ومصر للمشاركة في الحرب البرية على اليمن بعناصر جيوشها “السنية” فقط، بسبب دخول إيران وروسيا والصين والهند على خط الصراع من الجانب الديبلوماسي، باستعمال الورقة الأمنية والاقتصادية من جهة والنووية بالنسبة لباكستان من جهة أخرى، ما دفع بباكستان إلى التراجع بقرار من البرلمان، واضعة خطا أحمرا متمثلا في عدم تهديد أنصار الله للحرمين الشريفين.. أفشل المخطط الأمريكي في صيغته الأولى.

هنا، أدركت أمريكا أن الهدف الإستراتيجي من وراء مخططها لإشعال حرب دينية سنية – شيعية في المنطقة قد سقط بالضربة القاضية، يضاف إليه ما كشفه سماحة السيد عن الصبر الإستراتيجي لأنصار الله، والمتمثل بعدم مهاجمة السعودية في هذه المرحلة، كان الهدف من ورائه مساعدة باكستان ومصر على وجه الخصوص، للتمسك بقرارهما بعدم المشاركة في الحرب البرية التي حاولت السعودية جرهما إلى مستنقعها بارتكاب جرائم إبادة ضد الشعب اليمني، مراهنة على أن ذلك سيدفع بأنصار الله للرد داخل السعودية، وهو ما لم يحصل.

أمام هذا المأزق، لم يبقى للإدارة الأمريكية إلا الرهان على افتعال حرب أهلية بين ما أسمته السعودية بـ”المقاومة” الداعمة للشرعية، وأنصار الله وحلفائهم أو من أسمتهم ب”المتمردين”.. فركزت على “القاعدة” و”الإخوان” المجرمين” وبعض أنصار الرئيس الهارب هادي منصور، وكانت تدعمهم بالسلاح من الجو، واستثمرت مليارات الدولارات في شراء ولاء القبائل لحثهم على الانضمام لـ”المقاومة”..

لكنها فشلت، لأن الخطة “ب” كانت معروفة بتفاصيلها لأنصار الله، ومنذ انطلاق الحملة، عملوا على إجهاضها بتوجههم للجنوب ودخولهم مدينة عدن واستيلائهم على باب المندب وتوسعهم في عديد المحافظات اليمنية كان آخرها مأرب التي انضمت قبائلها لهم، وبقيت حضر موت للمرحلة الأخيرة، في انتظار تطهير بعض الجيوب في ‘المكلا’ وغيرها..

وكان مسؤول سعودي مقرب من الملك قد كشف على القناة السعودية الرسمية أنه “باستطاعة المملكة تجهيز ملايين الانتحاريين وإرسالهم إلى اليمن”، وقال أيضا “أن السعودية أصبحت قادرة دون الرجوع إلى الدول العالمية أو الأمم المتحدة على إعلان حرب وتجهيز مليون انتحاري”، موضحا أن “الكثير يريدون أن يدخلوا الجنة”.. الأمر الذي اعتبره مراقبون اعترافاً آخر من قبل السعودية بدعمها المباشر للجماعات المتطرفة والجرائم الإرهابية في اليمن.

وكانت بوارج أمريكية وحاملة طائرات قد حلت الاثنين في المياه الإقليمية قرابة باب المندب، بدعوى مراقبة البوارج الإيرانية التي تنقل أسلحة لأنصار الله في اليمن، وأعربت بعض المصادر الأمريكية عن خشيتها من أن يتطور الوضع لتماس بين أمريكا وإيران في بحر العرب، وأعلن مسؤول عسكري أمريكي أن القوات الأمريكية هي لحماية الملاحة في المياه الدولية وليس لتفتيش السفن الإيرانية..

أقرأ أيضاً:

  حلم بن سلمان في أرامكو هل سينزله الى الهاوية

ويذكر أن نائب رئيس الأركان الإيراني كان قد صرح الأحد، بأن بلاده لن تسمح لأي دولة بتفتيش سفنها في المنطقة، وأنها سترد على ذلك ردا مؤلما، كما أنها لن تسمح لأي دولة بالتدخل في اليمن.. هذا في الوقت الذي أكد مصدر أمني أن البوارج الأمريكية وصلت إلى المنطقة محملة بآلاف الإرهابيين الدواعش، نقلتهم من قطر لتفرغهم في الجنوب اليمني، بهدف تحويل اليمن إلى ليبيا 2 وتصوير الأمر كما لو أنه يتعلق بحرب أهلية..

وفي هذا الصدد، قال قيادي أمني في حركة أنصار الله لوكالة فارس للأنباء الثلاثاء، أن الحركة تعتبر أن هؤلاء الإرهابيين والمرتزقة لا علاقة لهم بالواقع اليمني، و أن أغلبهم جاؤوا من العراق و سوريا عبر مطارات تركية و وصلوا إلى قطر ، مضيفا أن الولايات المتحدة تساعد بشكل مباشر وغير مباشر على زرع الإرهاب في اليمن.

وجدت أمريكا نفسها في مأزق، وأدركت أن القوات الإيرانية لن تتردد في الصدام مع قواتها في المنطقة، خصوصا بعد إعلان الإمام الخامنئي حالة التأهب القصوى في صفوف قوات بلاده، أمام التهديدات غير المقبولة التي تطلقها أمريكا ضد إيران، وما تسعى لنيله بالضغط العسكري، بعد أن فشل مشروعها في لبنان وسورية والعراق، واكتشفت أن خطتها الخبيثة فشلت أيضا في اليمن..

يضاف إلى ما سلف، اتصال الرئيس بوتين بالعاهل السعودي، وتحذيره من أن الاستمرار في العدوان على اليمن ستكون له عواقب وخيمة على بلاده، وأن روسيا مستعدة لمده بحبل الإنقاذ للنزول من على الشجرة قبل أن تتطور الأمور إلى ما تحمد عقباه..

وأشارت مصادر روسية رفيعة، إلى أن أنصار الله يملكون صواريخ متطورة قادرة على تدمير مواقع حساسة بالسعودية، وتصل مداياتها إلى 950 كلم، بالإضافة إلى مفاجآت أخرى قد تقلب المشهد رأسا على عقب في السعودية، وهو ما كان قد أشار له العميد سلامي نائب وزير الدفاع الإيراني في مقابلة خاصة بقناة الميادين، من أن أنصار الله قادرين على احتلال كافة المدن السعودية بسرعة قياسية بما يملكون من أسلحة نوعية وعناصر مدربة بشكل جيد، على شاكلة حزب الله اللبناني.

وتبين أيضا، أن عدم استعمال روسيا للفيتو ضد القرار السعودي بشأن اليمن مؤخرا، كان خطة ذكية تمت بالتنسيق مع إيران، لأن أمريكا وفق ما تسرب من معلومات، كانت تراهن على أن تنحاز موسكو لأنصار الله في اليمن، لعزلها دوليا من مدخل الاصطفافات القائمة بين القطبين، لكن روسيا بموقفها هذا تركت الباب مفتوحا لتلعب دور الوسيط النزيه الذي يحرص على مصلحة السعودية لإنقاذها من الفخ الذي نصب لها في اليمن، وخصوصا بعد تصاعد الخلافات بين الأمير محمد بن سلمان والأمير محمد بن نايف والأمير متعب حول قرار إشراك الحرس الوطني في “عاصفة الإجرام”، وما يعنيه ذلك من تفكك في الداخل السعودي، وبذلك حافظت موسكو على مصالحها بل وعززتها في منطقة الشرق الأوسط، وخصوصا ما له علاقة بالورقة السورية.

أمام هذا الواقع، أدركت أمريكا أنها قد تخسر السعودية أيضا بسبب الدهاء الإيراني – الروسي، فطلبت من روسيا التزاما إيرانيا بالموافقة على مناقشة ملفات المنطقة مع واشنطن حال التوقيع على الاتفاق النهائي في الشأن النووي، وهو ما التزمت به إيران التي كانت ترفض الدخول في بحث ملفات المنطقة قبل الانتهاء من الملف النووي ورفع العقوبات..

أقرأ أيضاً:

  وعد الآخرة

ومن هنا يفهم سبب بعث طهرات برسالة إلى الأمريكي مفادها، أن إيران حريصة على الأمن والاستقرار في المنطقة، وتوفير الظروف الملائمة للتعاون التجاري والاقتصادي مع الجميع، وأن أمن المنطقة هو من مسؤولية دولها، وأن القوات الإيرانية لا تهدد أحدا، ولم ولن تعتدي على أحد إلا إذا اعتدى عليها..

وهناك معلومات تفيد أن روسيا تولت مسؤولية تحضير مسودة مشروع قرار في مجلس الأمن بشأن اليمن لإنهاء العدوان، شريطة أن لا تظهر السعودية في موقف المنهزم، وأن يلتزم أنصار الله بعدم الهجوم على السعودية مستقبلا إنقاذا لماء وجه الأخيرة، وأن يتجاوزوا مسألة تسويق السعودية لقرار وقف العدوان بأنه انتصار لها، ومقابل ذلك ستدفع مليارات الدولارات لإعادة إعمار اليمن والتعويض عن ضحايا إجرامها، على أن يتولى الشعب اليمني بكل مكوناته تقرير مصيره، وفق الورقة الإيرانية المقدمة لمجلس الأمن، وأن يكون بعد ذلك حوار بين الحكومة اليمنية المقبلة ودول الخليج حول الأمن والتعاون الإقليمي، بضمانة روسية أمريكية إيرانية..

هذا ما يمكن قوله في هذه العجالة في انتظار أن تتضح الأمور أكثر.. هذا في الوقت الذي أعلن أنصار الله أن المرحلة المقبلة ستكون لتطهير اليمن من القاعدة ومن الخونة الذين تحالفوا مع العدوان ضد وطنهم وشعبهم، ورص الصفوف وتوحيدها لمواجهة الاستحقاقات السياسية القادمة، ولا حديث عن عودة عبد ربه منصور أو خلافه، هذا أمر سيترك للحوار الإيراني الأمريكي مستقبلا، ولا دور للوكلاء في رسم مستقبل اليمن..

وختاما نقول بفرح مشوب بكثير من الحزن، أن الصبر الإستراتيجي الذي تحدث عنه سماحة السيد قد أثمر نصرا لليمنيين، وحقق لهم استقلالهم وسيادتهم، وهذا يعني أن الدم قد انتصر على السيف، بالرغم من أن الكرامة ستظل تنزف إلى أن يفعل الله أمرا كان مقدورا..

لأنـه في اليمــن، ليــس للكرامــة مـن ثمــن.. لكـن حقـن دمـاء المسلميـن تستحـق التضحيـة، وهـذه قمـة الأخـلاق الإسلاميـة..

أحمد الشرقاوي | بانوراما الشرق الأوسط

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق