هنا الضاحية… حيث اختيرت الحياة الى جانب المقاومة نهجاً

لم يكن المشهد شبيهاً بغيره من “مواقع الإنفجارات”، لا شيء يدل على الموت هنا او الخطر. حتى الطريق، لا آثار تفحم عليها، فكثرة المارة منذ الصباح وحتى لحظة وصولنا الى “الطيونة”، كانت كافية لمسح آثاره العينية.

هنا قهوة “أبو عساف”، حيث تولت بروادها دفن الآثار المعنوية للإنفجار. عدد كبير من الشبان وأهالي المنطقة، إضافة إلى رواد المقهى، يجتمعون أمامه. أكثر ما يلفت النظر قبل الوصول إليهم، هو حركة الأيادي التي تؤشر نحو مكان الإنفجار، البعيد عن المقهى أمتاراً قليلة، ثم تشوح في الهواء لتشرح حركة السيارة وكيفية إنتقالها، وتنتهي الحركات بإشارةٍ الى الإنفجار. يمكن لأي أحد أن يفهم ما حصل هنا دون اي سؤال أو حوار.

يلحظ من اعتاد ارتياد هذا المقهى، الإختلاف البادي على وجوه الحاضرين، فبينما كانت تعبر بالأمس عن تعب أو ضحك او إسترخاء، يتوحد تعبيرها اليوم، ليدل على شعور عام وهدف واحد… التحدي. يجولون بالنظر بين كاميرات الصحفيين المنتشرين هنا، يمنحون كل عدسة نظرة تحدٍ ملؤها العنفوان، كأنهم يقولون للجميع “أنظروا إلينا.. ها نحن هنا لن نتزحزح.. ولن يستطيع إرهابهم أن يسلبنا إرادة الحياة.”

دوي الإنفجار عجز عن سلب المكان أصواته المعتادة، “كركرة” النرجيلة، دحرجة “الزهر” فوق طاولة اللعب، “طرطقة” حجارة “الداما” المتنقلة بين الخانات، وأحاديث الناس التي لا تتوقف، كلها ما زالت مسموعة هنا، لا شيء يدل على الموت، سوى سيارتين مركونتين الى جانب الطريق وآثار التفجير واضحة عليهما.

تواجه المقهى يافطة كتب عليها :”مهما عظم إرهابكم، فإنه يصغر أمام عظمة مواقفنا، وهامات شهدائنا”. وفي المقهى ما يكفي من مشاهد تثبت تلك المقولة.

بعيداً نحو مكان الإنفجار، مجموعة من الشبان والشابات المتضامنين يرفعون يافطات وملصقات مناهضة للإرهاب، يوزعون الشموع على بعضهم، والورود على الحاضرين والمارّة. هم أيضاً أتوا من عدة مناطق لخوض التحدي، أحدهم وجّه دعوة عبر “الفايسبوك” لأصدقائه، من أجل التوجه الى المكان، مفادها: “اليوم عالساعة 7 رايح إحضر ماتش ايطاليا بقهوة أبو عساف .. لي بيحب يجي يحضرها معي أهلاً وسهلاً.. رايح نكاية ب داعش و بآل سعود، رايح إقعد مع أبناء طبقتي، الفقرا، المحرومين، الكادحين، المهمومين، الموجوعين.. ﻷن نحنا لي منحب الحياة…”، وها هو الشاب يوزع الورود البيضاء والشموع على الحاضرين والمارة، وكأنه يفي بوعده “الفايسبوكي”… ويثبت “أنهم يحبون الحياة”.

أقرأ أيضاً:

  تفجير الرويس : تمايز كتائبي وتحريض قواتي

دقائق ويسري همس بين الحاضرين، “أهل الشهيد نازلين… جايين يضووا شموع”. ينهض الجميع عن كراسيهم، ويتقدمون نحو مكان الإنفجار، لاستقبال والد الشهيد، يقول أحدهم بصوت منخفض، “لوما العيب .. كان لازم نزقفله على هالخلفة الصالحة”، يقف عنصر من الأمن العام اللبناني مواجهاً لوالد الشهيد، ينظر الى الوالد ويبادله الآخر النظرة، كأنه حديث يدور بينهما، تدمع عينا “رفيق الشهيد”، لعله يقول للوالد  “عذراً… كان يجب أن أحميه.. أو أن أفعل أي شيء لإنقاذه”. عينا الوالد أيضاً تدمعان، ثم يقترب من رفيق ولده ويحتضنه، ويطول العناق…

ينظر الأب إلى شمس في الأفق شارفت على الغروب، كأنه يرى وجه ولده الشهيد، يرفع جبهته، يقطب حاجبيه، يريد أن يرى العالم كله فخره، لكن دمعة في العين أبت إلا أن تفضحه فسالت على وجنتيه، هي مشاعر متناقضة مجتمعة في هذا الرجل، الفخور بما فعله ولده، والحزين على فراق “البطل”.

يتوجه الجميع نحو مكان الإنفجار حيث سقط “عبد الكريم حدرج” شهيداً وهو يحمي منطقته وأهله والمجتمعين في المقهى من خطر الإنتحاري الذي كان متوجهاً إلى هناك. الكل يبدأ بإضاءة الشموع، يقرأون الفاتحة عن روح الشهيد، ثم يباركون للأب تلك الشهادة، ويثنون على تضحية ولده.

رفيق الشهيد  ينظر الى موقع الإنفجار بطرف عينه، ثم يحوّل نظره إلى مكان آخر، كأنه يرفض التسليم بما حصل. عدة نظرات متتالية الى البقعة التي استشهد فيها “عبد الكريم”، ليستسلم من بعدها ويقترب من مكان الاستشهاد، الممتلئ بالورود البيضاء، يجثو على ركبتيه ويبكي، يضع الوردة ويضيئ شمعة ثم ينهض، يمسح دموعه ويشخص بنظره نحو السماء، إنه السلام الأخير لشهيدٍ يأبى العقل أن يصنفه مع الأموات.

يعود الجميع الى أماكنهم، ويعود المشهد ليتكرر، رواد المقهى، النرجيلة، طاولة الزهر و الداما، الصحفيين والمتضامنين والمارة. مجموعة من الشبان يغادرون المكان، متوجهين الى منطقة “بئر العبد” لمتابعة مباراة “إيطاليا والأوروغواي”، فالشاشات التلفزيونية قد تحطمت بسبب إنفجار الأمس عند أبو عساف، ولا إمكانية لمتابعة المباراة هنا. ينتهي المشهد قرب قهوة أبو عساف، وننتقل الى مكان آخر في الضاحية الجنوبية لبيروت، كان بالأمس، قهوة قريبة من إنفجار سابق في تلك المنطقة.

أقرأ أيضاً:

  القبض على خديجة حميّد في عرسال.. وليس في الضاحية!

هكذا هو حال الضاحية الجنوبية وأهلها، حال الشوارع والمقاهي، إن لم يكن على مقربة من إنفجار اليوم، كان بالأمس كذلك، وما لم يكن بالأمس على مقربة من مكان إنفجار ما، كان قبلها موقع قصف إسرائيلي، أو قريب منه. هو قدر أبناء هذه المنطقة، أن يستمروا بدفع ثمن خياراتهم المقاومة. قد يتبدل الإرهاب ما بين تكفيري وصهيوني، لكنه لن ينجح يوماً في سلب هؤلاء إرادة الحياة التي إختاروها، حين قرروا أن يكونوا… مقاومين.

حسين طليس – سلاب نيوز

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock