واشنطن ومعادلة التحالف البحري في الخليج العربي: وقائع ومُعطيات

لعل التوترات المُفتعلة في مياه الخليج العربي، يبدو وكأنها تصب مباشرة في سياق الخطة الأمريكية الرامية للحد من النفوذ الإيراني المُتنامي في تلك المنطقة، وضمن ذلك فما زالت واشنطن تبحث عن خيارات استراتيجية تُبعدها عن المواجهة المباشرة مع طهران، لكن وكعادة واشنطن فإن كل خيراتها تبوء بفشل ذريع، ودليل هذا أنه بُعيد تصريح رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال “جوزيف دانفورد“، حيال هذا الهدف المُتمثل بتحالف بحري في الخليج العربي، أبدت مُعظم الدول المنضوية في التحالف الأمريكي، ردود فعل رافضة لهذا التحالف البحري، وهذا بدوره يقودنا إلى العديد من الأسئلة التي تتمحور حول هدف واشنطن الحقيقي من هذا التحالف.

الكثير من المُعطيات سبقت الرغبة الأمريكية بإنشاء تحالف بحري، ولا يمكن فصل الرغبة الأمريكية بالتحشيد ضد إيران عن الرغبات الإسرائيلية الغير مُدركة تبعيات حرب تُشن ضد طهران، فمنذ خروج واشنطن من الاتفاق النووي، سعت واشنطن إيجاد تحالفات سياسية وعسكرية تضع ايران في عنق الزجاجة الأمريكية، لكن الغريب في هذا الأمر، بأن أجهزة المخابرات الأمريكية أكدت مراراً وتكراراً التزام ايران بكافة تعهداتها حيال كل الاتفاقات وعلى رأسها الاتفاق النووي، لكن في مقابل ذلك، يبدو أن الأمر لا ينحصر ضمن إطار الاتفاق النووي، أو توتر أمريكي إيراني هنا أو هناك، فالأمر أبعد من ذلك بكثير، حيث أن التكتيك الأمريكي الجديد ضد إيران، يسعى إلى محاصرة طهران عالمياً، وخنقها بإجراءات اقتصادية مُهلكة، يضاف إلى ذلك، أن احتجاز ناقلة النفط الايرانية وما تبعه من ردود أفعال ايرانية مثل حجز ناقلة نفط ترفع العلم البريطاني، كلها توترات يُراد منها خلق كيان بحري يمنع ايران نهائياً من الاشراف على المضائق البحرية باب المندب و هرمز، فأمريكا فشلت في بناء إجماع ضد إيران لذلك قامت عن طريق تغيير التكتيك بتسليط الضوء على خطر توتير إيران للأجواء في الخليج الفارسي، داخل أمريكا وبين الحلفاء الآسيويين والأوروبيين، ثم من خلال إرسال الأسطول واستفزاز إيران، حيث اعتبرت كل الإجراءات والخطوات الدفاعية لإيران دليلاً على محاولة طهران تعطيل أمن الملاحة لمختلف البلدان.

وبالعودة إلى التخبط الامريكي في السياسات حيال ايران، يبدو أن الدول الأوروبية تسير في نهج مُخالف لواشنطن، وهذا ما سيزيد ربما من التهديدات الأمريكية في المنطقة، حيث ان ألمانيا تفاعلت بشكل سلبي مع تشكيل التحالف البحري، إذ أكد وزير الخارجية الألماني “هايكو ماس” الأربعاء الماضي على معارضة برلين للانضمام إلى التحالف البحري الأمريكي، مشدداً على الحاجة إلى خفض التوترات في منطقة غرب آسيا، وحقيقةً يُعد الموقف الألماني مؤشرا لرفض أوروبي كامل للنهج الأمريكي، كما أن اليابان التي تجمعها علاقات طيبة مع إيران رفضت الانضمام لهذا التحالف، على اعتبار أن اليابان تُعد واحدة من أكبر مستوردي المنتجات النفطية من مضيق هرمز، لكن صحيفة “ماينيتشي” اليابانية نقلت عن مسؤولين يابانيين قولهم: إن اليابان لن ترسل سفنها الحربية للمشاركة في المهمة البحرية التي تقودها أمريكا في مضيق هرمز، وبالتالي فإن التحالف البحري الأمريكي المزمع انشاءه قد مات قبل أن يولد.

المتابع لتطورات التوتر في مياه الخليج، يُدرك بأنه ثمة تحول مفصلي في سياق التجاذبات الأمريكية الإيرانية، فالتحول الأساس برز عُقب اسقاط طائرة التجسس الأمريكية في الأجواء الإيرانية، هذا التحول الاستراتيجي فرض مُعطيات ووقائع لا يمكن تجاهلها على الصعيد الأوروبي، وعليه لابد من إيجاد حلول تُفضي إلى تجنب حرب كارثية مع إيران، خاصة أن الوزن الإقليمي و السياسي والعسكري المؤثر لطهران، فرض إيقاع سياسي وعسكري لابد من التعامل معه أمريكيا وأوروبياً وإقليمياً، من هنا برزت مؤشرات كثيرة تشي بأن التحالف البحري لن يُكتب له النجاح.

وللغوص عميقاً في أسباب فشل هذا التحالف البحري، يُمكننا أن نقول، بأن كل الدول التي تندرج في إطار التحالفات الأمريكية قد ثبت لها بأن واشنطن أساس أي توتر، وبيدها مفاتيح التهدئة، خاصة أن المنطقة لا تحتمل حرباً كارثية ستؤدي إلى انهيار كامل في المنظومات السياسية والاقتصادية، أضف إلى ذلك، أن الدول الأوروبية وكذلك بعض الدول الإقليمية، ترى في شخصية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التهور والحماقة، وهذا بدوره مدعاة للابتعاد عنه وعن تحالفاته المستنزفة للاقتصاد ودون جدوى، و الأهم من ذلك، بأن إيران تمكنت من بناء شبكة تحالفات دولية وإقليمية، شكلت لها سداً سياسياً سيكون بمثابة رادع لأي اجراء ضدها، كما أن رسائل ايران العسكرية والقوية جداً، لا يمكن التغاضي عنها و تجاهلها من أجل تنفيذ رغبات ترامب، وايضاً إن نجاح الخارجية الإيرانية في إحباط الإجماع ضد إيران، وفصل أوروبا عن التحالف السياسي مع واشنطن ضد طهران، قد دفع البيت الأبيض مؤخراً إلى فرض عقوبات على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف” في إجراء غير مسبوق، الأمر الذي جعل بريطانيا وهي أقرب دولة أوروبية إلى أمريكا في تشكيل التحالف البحري، تنتقد هذه الخطوة الأمريكية.

صفوة القول، واشنطن ستبقى تُعاني من سياسات ترامب الحمقاء، فكل التحالفات التي تحاول انشاءها ستكون حجر اساس في إبعاد ترامب عن المشهد الإقليمي والدولي قريباً.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
error: نعتذر لعدم السماح بتشغيل الزر الأيمن للماوس!

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock