وزان ، تاريخ وحقائق

التاريخ قصة كتبها المنتصرون روبير برازيلاك

التاريخ نوعان، هناك الرسمي وهي قصص كاذبة يدرسوها لنا، وهناك التاريخ السري حيث تكمن الأسباب الحقيقية للأحداث، وهو تاريخ مخجل أونوري بلزاك

حسب المؤرخين أسس مولاي عبد الله الشريف في عام 1765 ميناء الصويرة وعقد مع لويس الخامس عشر معاهدة سلام وصداقة، كما أنه قام ببناء المساجد والمدارس و بتوزيع الهدايا على الطلبة في عام 1727، ومن أهم منجزاته أيضا تأسيس زاوية مدينة وزان المتميزة بصومعتها الثمانية الأوجه.

تعد وزان من من أقدم المدن المغربية العتيقة، وتعتبر مدينة مقدسة لدى المسلمين المغاربة واليهود على السواء بحيث يحجون إليها من كل أنحاء العالم إلى يومنا هدا لزيارة ضريحهم الربي عمران المتواجد في أسجين (9 كم من المدينة)، أما المسلمون يتوافدون من كل أنحاء المغرب لطلب بركة شريف وزان وآستشارته في القضايا الأخلاقية والشؤون الدينية والصحية وهو يتم انتخابه و تعيينه من طرف مجلس “علماء الدين” لولاية ورئاسة شؤون الزاوية، وقد لعبت هده الأخيرة دورا روحيا وسياسيا هاما في حياة البلاد أنداك بين القرن الثامن عشر والتاسع عشر بتنسيق العلاقات السياسية مع الأروبيين خاصة الفرنسيين.

اليهود المغاربة في وزان لإحياء ذكرى عمران بن ديوان
اليهود المغاربة في وزان لإحياء ذكرى عمران بن ديوان

في عام 1873 تزوج الشريف سي عبد السلام الإنجليزية ميس كين، وكان نفوده أنداك على الأقل مساويا لسلطان المغرب أو أكثر، فمثلا في محافضة وهران بالجزائر كان يتوفر على أزيد من 500000 عضو حيث كان يذهب إليها بشكل دوري لجمع عروض وهدايا “المواطنين” بإذن من الفرنسيين ، كما كان ثلت المغاربة تحت نفوذه، وقد آستغلت الإقامة الفرنسية في عهد الحماية أسطورة الزاويا ونفودها الديني للحفاظ على “النظام”، وحيث أن زاوية وزان كانت تعتبر دولة داخل الدولة على شكل الفاتيكان طبقا لما كان يعرف بسياسة ” الإخوان المسلمين ” التي أسسها الوزيرالفرنسي أورديغا أثناء إرساله إلى طنجة في 6 ديسمبر 1881. ولا زالت سياسته هته جاري بها العمل في المملكة العلوية بشكل خاص حيث يخصص النضام الملكي ميزانية هامة لهده الزوايا التي مافتئ يستعملها بدوره لشتى مآربه السياسية في نشر الجهل والتخلف داخل الأوساط الإجتماعية الفقيرة التي يسخرها في تعزيز كيانه أثناء الإنتخابات والمضاهرات المضادة بما يعرف بالبلطجية وفقاً لما كانت تقوم به الإدارة الفرنسية سنة 1876 بمساعدة شريف وزان لقمع الإنتفاضة الشعبية مثلا على الحدود الجزائرية المغربية وقد وشحته الحكومة الفرنسية امتنانا لعمالته كضابط كبير بوسام لجوقة الشرف الدي قام بنقشها آفتخاراً على واجهة قصره.

لقد عُرف شريف وزان أيضاً بالعيش البادخ والمبدر بدون بناء ولا تعمير، كما أن علاقاته بسلطان المغرب أنداك كانت متوترة في كثير من الأحيان بحيث أنها عرفت آنقطاعا ثاما في عام 1873، ولكن ثمت هناك مصالحة في الأخير بوساطة الإقامة الفرنسية في عام 1879، وكان يشتبه فيه أنه تآمر مع حاكم سبتة (المحتلة من طرف الإسبان)، وفي نهاية عام 1883 طلب سي عبد السلام حماية الفرنسيين لكي يتسنى له استغلال العزيب (ممتلكات الشريف) التي كانت غنية بالفحم والنحاس٠٠ غيرأنه كان يستحيل عليه آستتمارها إلا إدا تحولت تحت الولاية الفرنسية من جهة، ومن جهة أخرى كان دلك سيضع له حلا نهائيا لكل مشاكله السياسية والإدارية مع المخزن.

في تلاتينات القرن العشرين كان شريف وزان السي الطيبي يمارس هواية الصيد التي أتاحت له فرصة التعرف على والدي الشاوي محمد الزرايدي الدي كان يملك محلاً تجاريا في ساحة ” المكانة ” (الساعة) المعروفة رسميا بساحة ” الاستقلال” وكان يشرف أيضا على الإنارة العمومية بواسطة مصابيح الزيت، ولقد عرف والدي بسمعة الإستقامة والإخلاص مما جعل شريف وزان يعرض عليه وظيفة أمين بيت مال الزاوية، ودعاه أيضا إلى السكن في حي ” دار السقف ” وهو مقر الإقامة الرسمية لأعيان وشرفاء وزان٠ ومع مرورالأيام أصبح الرجلان صديقين حميمين حيث كان أبي يرافق الشريف خلال أسفاره في المغرب سواء للسياحة أو الصيد ولزيارة أضرحة وزوايا باقي المدن الأخرى لجمع الهدايا، ومما كان يعزز تقة وآحترام الشريف لوالدي على سبيل المثل أن والدتي آقترحت عليه بينما كان يحسب مال خزينة الزاوية أن يضع مبلغاً صغيراً جانباً كآحتياط فأثار دلك غضبه الشديد، وكرمز تقدير له ولأسرته فقد أشرف الشريف شخصيا على تسمية جميع إخوتي وأخواتي وفقا لما جرت به تقاليد سلاطين المغرب، ” شرف ” هدا لم يكن من نصيبي حيث ولدت في زمن لاحق تدهورت فيه الأوضاع٠

أقرأ أيضاً:

  الأمم المتحدة قد تعين مبعوثا جديدا إلى الصحراء الغربية

كانت تلك الفترة في تاريخ دار الضمانة بمتابة عصرها الدهبي حيث كانت وزان تلقب بباريس المغرب دلك بتوافد الأوروبيين والفرنسيين بشكل خاص على إقامة الشريف بآستمرار ومن بينهم المقيم العام الفرنسي الجنرال أغوستان غيوم، حيث كان الشريف الطيبي ينظم لهم سهرات وحفلات ألف ليلة وليلة وخاصة أسفار الصيد طوال أسابيع يرافقه خلالها والدي الدي كان يشرف على صيانة أسلحة الشريف، وكان أيضا صيادا ماهرا حيث أنه أنقد الشريف بطلقة مسددة من هجوم مأكد لخنزير ضخم كاد أن يفتك به من الخلف رغم أن الشريف آدعى عكس دلك مما أثار سخرية الجميع عندما أجابه والدي: ” لا عليك سأترك لك الفرصة مرة قادمة..”

في سنة 1952 أعلن محمد الخامس إضرابه عن توقيع “ضهير” الفرنسيين حيث آنتهت السنة بأنهار من دماء الأبرياء حيث عمت أنحاء البلاد مجازر الرعب والفوضى قررت الحكومة الفرنسية على إثرها إرسال الملك إلى ” المنفى ” واستبداله بعمه، ولعب الوزير جورج بيدولت دورا هاما في المؤامرة بينما كان فرانسوا ميتران الوزير المنتدب لدى مجلس أوروبا معارضا لهذا القرار وقدم استقالته للتو ويحكى أيضاً أن جمعية لدعم الوجود الفرنسي في المغرب قد عارضت قرار نفي الملك كما أن كثيراً من المثقفين في فرنسا كفرانسوا مورياك ولويس ماسينيون قد آستنكروا وآحتجوا على هدا القراروآعتبروه آنقلاب في حق المغاربة وغير مشرف لفرنسا.

آنطلقت حركة المقاومة الشعبية بشكل عفوي ومنظم في ربوع البلاد بحيث قامت بهجومات ضد الفرنسيين ومصالحهم وآنتشرت القلاقل والعنف في كل مكان وأثناء حضر التجول كان أخي يتواجد عند عمتي لكن والدي أبى إلا أن يخرج ليعود به للبيت وبينما هو في طريقه آعترضت طريقه دورية جنود فرنسيين يأمرونه بالوقوف لكن والدي تابع طريقه في عزم جعل رئيس الدورية يأمر رجاله باخلاء سبيله.

عُرفت منطقة جبالة والريف عامة بالمقاومة والصمود في وجه تسلط الملوك العلويين مند قدم التاريخ وخاصة في في وجه الإحتلال الفرنسي، فلدلك ثم تهميشها من طرف النظام الملكي إلى جانب باقي المناطق التي يعتبرها النظام بالمغرب “الغير النافع” وقد ساهمت عائلتي بقسط وافر من التضحية نساء ورجالاً كباقي المغاربة الأحرار ومنهم عن سبيل المثل آبن عمتي عبد الرحمن التويجري الدي كان ينتمي إلى المقاومة وجيش التحرير حيث شارك في عمليات مسلحة ضد مصالح الإحتلال الإسباني في شمال المغرب بحيث كان عضوا ناشطا في ” الحركة الشعبية ” إلى جانب صديقه المحجوبي أحرضان الدي تنكر للجميع بعدما أصبح وزيرا في عهد الدكتاتور الحسن الثاني، وقد ثم آعتقال السيد التويجري عبد الرحمن وتعديبه من قبل قوات الاحتلال الإسباني في مدينة القصر الكبير التي كانت تشكل حدودا أنداك بين المستعمرتين ولازال السيد التوجري على قيد الحياة يعيش في ظروف صعبة بدون أي آعتبار كباقي أفراد المقاومين الدين نجوا من مخالب الطاغية الدي كان يلقي من المروحية في البحر مع صديقه أوفقير بأفراد جيش التحرير الأشاوس من كانوا يشكلون خطرا على عرشه.

من بين شخصيات وأعيان الوطن الدين شاركو في مسرحية نفي محمد الخامس شريف وزان، ولما علم والدي بالخبر قطع أي علاقة تربطه بالرجل لكنه كباقي المغاربة كان يجهل أنها مجرد مآمرة ستأدي ثمنها الجماهير الشعبية الوفية التي ضحكوا على دقونها بأسطورة الملك المنفي وبزوغه فوق القمرحيث ثم توزيع صوره على الكادحيين ليمعنوا النضر فيها طويلا قبل أن يطلب منهم توجيهه إلى القمر حيث الصورة بطبيعة الحال تبقى عالقة في رؤية ودهن الضحايا مما سيجعل منه “وليا من أولاء الله” وبدلك أصبح الساقط قديسا في أوساط المغفلين طبقا لسياسة النظام الملكي العميل الدي عمل على تكريس عقلية الجهل والتخلف عبر جهاز منظم كالزوايا والتعليم العقائدي وزرع الخرافة والوهم في أجيال بكاملها ومحاربة فكر التفتح والنقد وبرامج الوعي والتنوير إلى غيرها من وسائل التطميس.

أقرأ أيضاً:

  النجم المغربي في طريقه إلى الدوري الإنجليزي

بعد غياب والدي عن عمله لمدة ثلاتة أيام أرسل الشريف أعوانه لمعرفة أسباب دلك ،لكن جواب والدي كان جافا وواضحا : ” إدهبوا واخبروه أن الشاوي لا يتعامل مع من خان الله وخان وطنه وملكه ” هدا ورغم أن موقف والدتي كان متحفضا تخوفا على مصالحنا غير أن الأمر بالنسبة لوالدي يتعلق بمقدسات لا تقبل المساومة مهما كانت العواقب، وبالفعل كانت نتائجها جد وخيمة على مصيرنا ولأجيال بكاملها حيث شرد بنا بعد أن ألقي بوالدي في السجن و سلب منه متجره بعدما طردنا من بيتنا المتواجد في الزاوية رقم 2 الدي لازالت أنقاده حاضرة في لوحات رسمتها مرارا ومرارة.

بعد عودة “أمسترونغ” من “المعراج” ثم تأسيس أول حكومة شكلية للمخزن الجديد، غير أن دلك لم يغير شيئا في وضع المغاربة باستثناء إعدام قدماء جيش التحرير وتعيين الخونة في أعلى المناصب، وبينما كانت والدتي في الشغل توفي والدي في سريره سنة 1963 في منزله رقم 9 درب الشاوني ببني منصورة الدي من الأجدر به أن يسمى درب الشاوي، لكن كما قيل إدا أوليت الأمور إلى غير أهلها فلا تتوقع خيرا منها.

بعد وفاة والدي أصبحت أمي أرملة بدون عون ولاسند مع خمسة أطفال آضطرت للعمل في جني الزيتون مع إخوتي ثم لدى بعض أصدقائها من عائلات وشرفاء المدينة وبدلك كانت بداية المعانات، ورغم أننا سلبنا كل شيء أخدوا منا ما تبقى من دكريات والدي كبندقيته ومدياعه الكبير لعدم قدرتنا على دفع الضريبة.

كان والدي يردد مثلا شعبيا حسب ما حكت لي عمتي مفاده أن “الرجل الحرُّ يشحّرُ كالذهب الخالص”، الأموات يعلمون لماذا ماتوا أما الأحياء فلا يهمهم الأمر، غير أن الموت لا تستتني أحدا ولا تنفع معها بركة زوايا ولا معجزة ضريح، حيث رحل شريف وزان بدوره بعد مرض مزمن ألم به مخلفا كل ما نهب وكسب من ثروات لأعوانه وأتباعه٠وكم كانت حسرة والدتي وهي تحكي أن لو آستمرت علاقة أبي مع شريف وزان لما كانت وضعيتنا كدلك، ومع ذلك رغم أنني أفهم وجهة نظرها فأنني جد فخور بموقف والدي ومن أجل ذاكرته وداكرة من يقاومون في كل مكان وزمان شتى أنواع الضلم والهوان أولائك الدين يعملون في الضل من أجل سعادة أبنائهم بعرق الجبين لإطعام أسرهم على حساب صحتهم وحياتهم وغالبا ما يساء إليهم ويخدعون في حقهم، أولائك هم الشرفاء، لأن معنى كلمة شريف في اللغة العربية تعني رجل نزيه أو سليل من النبي.

أقرأ أيضاً:

  دول عربية تتسابق للتطبيع السينمائي مع الاحتلال

كنت في سن الرابعة، لكنني لا زلت أتذكر دلك اليوم وكأنه بالأمس القريب، كانت ساعة قيلولة بمنزل كبير لأحد صديقات والدتي من عائلات شرفاء وزان هناك حيث تشتغل ، وبينما هي تنضف المكان كان علي أن ألتزم الهدوء الثام ، لكن تواجد بيانو كبير لم يسبق لي أن رأيته من قبل أثار فضولي فاقتربت منه في حدر، وبعد تردد قصير لمست أحد أزراره، فكان دلك بمتابة رعضة وسط صمت المكان كادت أن تليها عاصفة لولى تدخل صوت منادي من عمق ضلام شرفة، هناك حيث ضهر شاب أنيق، وبابتسامة جميلة أخذني ووضعني على كرسي البيانو لأعزف عليه.

بعد رحيلنا من وزان إلى مدينة سلا في سنة 1965، مرت السنين والأعوام، علمت بعدها أن دلك الشاب الوسيم الدي كان يعمل أستادا بجامعة فينسنس بباريس، والدي كان صديقا حميما للمهدي بنبركة، كان آخر من رآه حيّا وهو يرافقه عندما آختطفته أيادي الغدر والخيانة إلى الأبد أمام مقهى ” ليبس” هناك حيث أخدت صورة لداكرته يوم آختطافه حيث كنت أتواجد بباريس سنة 2016.

لكن الشاب ثم العثور عليه مشنوقا ببيته في الحي اللاتيني بباريس في عام 1971، وعند خروج نعشه من منزله بمسقط رأسه بوزان كانت أمه تزغرد، إنها تقاليد مغربية تخص الشهيد أوالأعزب.

لقد آجتمعت في السيد الثهامي الزموري كلا الصفتين، فوداعا أيها الشهيد ” أنتم السابقون ونحن اللاحقون”.

كان عيد ميلاد دلك اليوم الدي تسلمت فيه جوازسفرمشؤوم من موضف بئيس عبر شباك حقير بعمالة تطوان، أكتب هده السطور وأنا لا زلت أدكر تلك اللحضات المصيرية التي كانت رهينة بقرار دلك الشخص وهو يطبع الجواز بخشونة تعكس عمق آستيائه لعدم آستفادته من الصفقة كما جرت به العادة، وعلى متن باخرة لم أكن أصدق نفسي وأنا أغادر الميناء بتاريخ 6 نونبر1988، كانت دموعي تسيل في صمت غريب وأنا أتأمل مدينة طنجة تختفي في بطئ وراء أمواج المتوسط وضباب الصباح، تاركاً زهرة العمر وكل الدكريات إلى الأبد خلف جدران مملكة الضلمات، لقد كانت بالفعل رحلة في الزمن والمكان وقد مضى اليوم عن دلك النهار أكثر من ثلاتة عقود لم ينل النسيان قيد أنملة من غضبي الدفين ضد اللصوص والمجرمين الدين سرقوا منا كل شيء، أما وزان فهي إلى الأبد حاضرة في القلب والوجدان.

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق