وللغائب حضوره

في الحياة ككل، بين الدول والبلدان، في المجتمعات على اختلاف أحجامها وتعدد اتساعاتها، في الأُسَر والعائلات، وفي أي محيط يحوي تجمعات بشرية وكائنات حيَّة، من الطبيعي حدوث أنواع متعددة من المواجهات بين مختلف مكونات البيئة الجامعة للأطراف المتقابلة. مواجهات قد تتفاوت حدتها بين وضعية وأخرى وبين تصادم وآخر، على اختلاف الظروف المحيطة بالمواجهة بما فيها ماهيَّة كُلٍّ من الطرفَيْن المتنازعَيْن وفحوى التوجهات التي يصبو إليها أصحاب العلاقة ويبذلون الجهد والقوة لتحقيق مآربهم والوصول للمبتغى المرجو والغاية المُرادَة.

على تعدد سوح المواجهة واختلاف أساليبها وتنوع تقنياتها وتَشَعُّب ميادين حدوثها، إلا أنه يمكن رصد عامل مشترك يجمعها ويشكل عنصراً جامعاً لجميع أشكالها، ألا وهو تواجد أدوات المواجهة التي لا بد لتوفرها للشروع في خوض غمار المواجهات فضلاً عن الاستمرار فيها والصمود في مراحلها وصولاً إلى تحقيق المكاسب المرجوّة والظفر بالنتائج المطلوبة والانتهاء بحصد النصر المبين.

من الممكن تقسيم هذه الأدوات ـ المواد الأولية ـ إلى شِقَّيْن عريضَيْن أساسيَّيْن: “حاضرة” و”غائبة”.

أما الشّقّ الأول، الحاضر والموجود، فهو شرط أساسي لا يمكن الاستغناء عنه، لا بد من وجوده قبل الشروع في المهمة. كيف ذلك؟ أمثلة واضحة: السلاح للمجاهد كي يجاهد في سبيل الله تعالى، القلم للطالب كي يخطّ كلمات الامتحان، الأدوات المنزلية للمرأة كي تُحَضِّر ما تيسّر من نعم إلهية تسد به جوع أحبّائها، المتون الدراسية ـ من كتب وغيرها ـ ليتمكن الأستاذ من إيصال ما أنعم الله عليه من علوم ومعارف… وما شِئتَ فَعَدِّد من أصناف الاحتياجات الأساسية للبدء في تحقيق الوظائف والانطلاق لنيل الغايات المطموحة في هذا المجال أو ذاك.

بينما الصنف الآخر، الغائب والغير موجود فعليّاً، إلا إنه “حاضر بقوة”، والعبارة الأخيرة ـ أي حاضر بقوة ـ تُفهَم على تَوَجُّهَيْن:

  • أولهما: أنه، في الوقت الحاضر، العنصر غير موجود ظاهريّاً، إلا أنه من الممكن حضوره وتوفره في أي وقت يُراد له ذلك، فالفاصل اتخاذ القرار… وإذ به يبصر النور ويجد إلى الظهور سبيلا.
  • ثانيهما: أنه يفرض وجوده ـ بقوة وحزم وتأثير ملفت ـ مع غيابه بالظاهر، فيحقق المطلوب من وقاية استباقية وتحصين سلفي دون الحاجة إلى حضوره الفيزيائي وتواجده المادي وتَجَسُّده الحِسِّي.

ولهذا الصنف تميز جميل وكيفية خاصة في الاستخدام، فليس كل شخص مؤهل للاستعانة به. فالصدق ـ في هذا المضمار ـ يحضر كعنصر ارتكازي جوهري بغيابه ينتفي هذا الصنف من أساسه. فالكاذب لو بقي يحاول ـ من الصبح إلى المساء ـ ويُغَرِّد في السّرّاء والضّرّاء قد لا يجد آذاناً صاغية، وإذ بهذا الصنف يجد إلى الاضمحلال سبيلاً وإلى الإبادة والنسف مقصداً وبديلا.

ومن الواضح أن استخدام هذا الصنف يكشف ذكاءً نوعيّاً لمستخدمه ورؤية استراتيجية بعيدة المدى وتفوّقاً في التموضع المنهك للعدو والمطمئن للصديق، واضعاً النقوط على حروفها المعنية، راسماً خرائط السير كما يريدها ويبغيها صاحب الصنف وأعوانه الخُلَّص وإخوانه الثابتون ومناصروه الشرفاء.

تسألون عن نموذج لهذا الشّقّ؟ أين أنتم من خطاب سماحة الأمين على الأرواح والعيال والأوطان (حفظه الله وأدام ظله الشريف) بمناسبة يوم القدس العالمي سنة ٢٠١٩، حيث ورد المعنى التالي: “إذا الأميركان بدّوا يْضَلّوا فاتحين هذا الملف فأنا أقول لكم وأعلن لكم نحن لدينا القدرة العلمية والبشرية… نحن لدينا القدرة الكاملة البشرية للتصنيع ولدينا القدرة الكاملة لنأتي بالآلات التي تُمَكِّننا من التصنيع، أنا أقول الليلة إذا الأميركان بَدّوا يْضَلّوا فاتحين هذا الملف خَلْ يآخد كل العالم علم نحن سنؤسس مصانع لصناعة الصواريخ الدقيقة في لبنان”.

[وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ].

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى