وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

في مسالك الحياة التّقليديّة… والمعروفة

عند أهل الدنيا… وأهل الآخرة: مع اختلاف الأهداف

يتزوّج أحدهم… يقترن بحبيبة القلب وشريكة العمر

يُنجبان ما تيسَّر لهما من ذرّيّة

ويعملان على تنشئتها بشكل صالح ومرموق

وهنا يَحْضُر “المُهِم”:

هذا “الخَلَف”سيحمل اسم والده

وقد يعكس بعضاً من أخلاقيّات الوالد وسلوكه

فيلعب دور “مِرآة أبيه” في المجتمع وبين الخَلق وضمن مختلف معتركات الحياة المُتَشَعِّبة

ما العمل؟

الإجابة واضحة:

على الأب ـ والأم طبعاً ـ أن يقوما بدورَيْهما على أكمل وجه لتربية ولد صالح يرفع رأسَيْهما عالياً

مُشَكِّلاً لهماً ينبوعاً من الخير والعمل الصالح في الدّنيا

وحصاداً رابحاً في الآخرة:

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

وأيضاً في دائرة الأُبُوَّة

لكن مع تضييق منظار التّأمّل ليكون مُسَلَّطاً نحو المستقبل العلمي المهني للابن

هدفٌ طبيعي أن تكون لدى الوالد رغبة جامحة في رؤية “فلذة كبده” في مرتبة علميّة كذائيّة

تُنْتِج منصباً مهنيّاً فريداً… وبالتّالي توسعة مادّيّة مريحة

وتُضاف تفريعةٌ مهمّة عند أهل الإيمان:

الاستفادة من هذه الثّروة لإعمار المآل الأخروي والمسكن النّهائي

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

بعيداً عن الدّائرة العائليّة الضّيّقة

لا باس ببعض التّوسّع على الصّعيد المِهَني الحياتي:ِ

شَرِكَةٌ تبغي إرسال موفدٍ لها ليمثّلها في مَحْفلٍ تنافسي

صَرْحٌ تعليمي ينوي المشاركة بمسابقة علميّة بإرسال وفدٍ طلابي

مدرّب رياضي يرغب في إشراك أحد تلامذته في بطولة تبارزيّة

فمن البديهي أن يعمل “المُرْسِل” على تجهيز “المُرْسَل” على أكمل وجه ممكن كون أداء الأخير يعكس ـ بدرجة أو بأخرى ـ قدرات الأوّل

والنّتائج التي تُحْصَد تكون كفيلةً بإعطاء فكرة عن ماهيّة “الجهة المسؤولة” فضلاً عن المكاسب التي ستكون من حصّتها والرّصيد المرتفع ـ بِشِقَّيْه المعنوي والمادّي ـ الذي ستجنيه وتظفر به

فَلْتَنْتَقِل العقول الرّاقية والنّفوس المُسْتَعِدَّة

إلى أين الانتقال؟

إلى أجمل العلاقات وأهمّها وأكثرها ربحاً

انتقالٌ على شاكلة ارتقاء

يطمح له عموم المُتّقين ومعاشِر المُقَرَّبين

علاقة العبد بخالقه… وعلاقة الصّالحين بِمُصْلِحِهِم

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي

(كلام الله تعالى لنبيّه موسى [على نبيِّنا وآله وعليه السّلام] / سورة طه ـ الآية ٤١)

كلمتان مُعَبِّرتان تختصران مشهداً عروجيّاً في قمّة الرّوعة

أقرأ أيضاً:

ماذا بعد رمضان...؟!

ورد في “ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻷﻣﺜﻞ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﻤﻨﺰﻝ”:

{ثمّ يضيف: ( وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ) فمن أجل مهمّة تلقي الوحي الصعبة، ومن أجل قبول الرسالة، ومن أجل هداية العباد وإِرشادهم ربّيتك واختبرتك في الحوادث الصعبة ومشاقّها، ومنحتك القوة والقدرة، والآن حيث ألقيت هذه المهمّة الكبرى على عاتقك، فإِنك مؤهل من جميع الجوانب.}

وفي “ﺍﻟﻤﻴﺰﺍﻥ ﻓﻲ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ”:

{الاصطناع افتعال من الصنع بمعنى الإحسان – على ما ذكروا – يقال: صنعه أي أحسن إليه واصطنعه أي حقق إحسانه إليه وثبته فيه، ونقل عن القفال أن معنى الاصطناع أنه يقال: اصطنع فلان فلانا إذا أحسن إليه حتى يضاف إليه فيقال: هذا صنيع فلان وخريجه.}

معانٍ راقية تفتح آفاقاً تكامليّة على خطى السّير والسّلوك إلى الجبّار الأعلى

علاقةٌ اصطناعيّة فريدة ترتفع بالعبد إلى أعلى عِلِّيِّين

حتّى مع عدم كينونتنا أنبياء مخصوصين بإلهام خاصّ

ولكن بين أيدينا مواد ثمينة تصنع إنساناً طائعاً لربّه وعبداً صالحاً يمتلك مواصفات إلهيّة ترتقي به لمقام يُرشّحه أن يتصدّى لأدوار رساليّة ووظائف تبليغيّة:

دينٌ كريمٌ، شريعةٌ إسلاميّة سمحاء وأحكام تكليفيّة تقرّبيّة

مَنَّ الله (تعالى) علينا بها

فَتَقَيَّدْ بها أيّها العزيز وأَظْهِر التزاماً مُحْكَماً… وارْتقِ في المراتب وارتَفِعْ في الدّرجات

ولا نُغْفِل ـ بالطّبع ـ العلاقة بالنّبي وآله

فالارتباط بهم (صلّى الله عليه وآله… وعليهم السّلام)… والحالة التّقيّديّة الالتزاميّة أعلاه هما بمثابة خطٌّ مستقيم واحد

إن فَقَدَ أحدَهما… فَقَدَ استقامتَه

هنيئاً لِمْنْ يحافظ على استقامة مسلكيّته

{ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ

ﻓِﻲ ﻣَﻘْﻌَﺪِ ﺻِﺪْﻕٍ ﻋِﻨﺪَ ﻣَﻠِﻴﻚٍ ﻣُّﻘْﺘَﺪِﺭٍ }

وطوبى لِمَنْ يصطنعهم الله لنفسه

وللحكاية تَتِمَّة

[ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ]

الوسوم
اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق